أنصار يلتسين .. وأنصار مبارك

27/04/2016 - 9:09:41

د. صفوت حاتم باحث وكاتب سياسى

قرأت في عدد جريدة الأهرام يوم السبت ٢٣ أبريل مقالا للدكتور سامي عمارة المتخصص في الشئون الروسية بعنوان «بوتين والرقابة ..وإعلام الطابور الخامس» ولأهمية المقال فضلت أن ألخص أهم ماتضمنه من نقاط تبين أوجه الشبه بين تجربة مصر وتجربة روسيا في العقود الأخيرة .
يقول الدكتور سامي عمارة:  ١- توالى الإفراج ..في روسيا أخيرا ..عن وثائق تكشف عن فضائح عهد الرئيس الروسي «يلتسين» والتي تتضمن بيع مطارات كاملة بطائراتها .. وبيع موانئ بسفنها المدنية والحربية ..  وبيع السيارات والقطارات ..فضلا عن بيع كثير من منشآت المؤسسة العسكرية بما تملكه من أسلحة ومعدات عسكرية..وحسب تقرير»سيرجي ستيباشين» الرئيس السابق لجهاز الرقابة الإدارية والذي رفعه للكرملين أن هناك من باع أسلحة تقدر قيمتها بثلاثين مليار دولار دون أن يدخل منها إلى خزينة الدولة دولار واحد ( !! )


وأشار  «ستيباشين» أيضا إلى بيع حاملات طائرات ..منها حاملة الطائرات «نوفوروسيسك» التي بيعت بأقل من أربعة ملايين دولار ( !! ).


كما تم بيع مصانع الحديد والصلب في سامارا بمبلغ مليوني دولار ( !! ) .


ويضيف الدكتور سامي عمارة : 


٢- ولعل من نافلة القول أن نشير إلى تسريح مئات الألوف من أفضل المهندسين والمصممين والفنيين والعمال والعسكريين ..وكشفت الإحصائيات الرسمية عن إقفار ١٧ ألف قرية وإقفار ما حولها من أراضٍ زراعية شاسعة ورحيل سكانها عنها. 
وهكذا أجهز «أثرياء روسيا الجدد» على قدرات الوطن .. وغالبيتهم الساحقة كانوا من اليهود ..وتحت إشراف وبمباركة شخصية من جانب الرئيس «يلتسين» .. ثم تحولوا إلى أجهزة الإعلام التي سرعان ما انتشرت كما البثور على الجسد العليل حتى سقطت روسيا في مخطط تفكيك الدولة من خلال تغذية الحركات الانفصالية في الشيشان والقوقاز .. وكان  كل ذلك بسبب استشعار مراكز الأبحاث الأمريكية  خطورة الإبقاء على روسيا  في إطار مساحتها الحالية بما تملكه في باطن أراضيها من ثروات طبيعية تقدر بما يزيد على ثلاثين في المائة من ثروات العالم من نفط وغاز ومعادن ومياه عذبة.


كان هذا أبرز ما احتواه مقال الدكتور سامي عمارة في الأهرام عن دور رجال المال والأعمال والإعلام في تخريب روسيا خلال بضع سنين من حكم بوريس يلتسين.
نهاية  بوريس يلتسين


في آخر يوم من أيام عام ٢٠٠٠ , ظهر الرئيس الروسي «بوريس يلتسين» على شاشات التليفزيون  الروسي في خطاب «درامي»  يعتذر فيه للشعب الروسي عما ارتكبه من أخطاء ويطلب الصفح عن الإخفاقات التي تمت في عهده وعن الوعود  التي أخذها على نفسه بإنهاض روسيا من كبوتها بعد سقوط الشيوعية. 
وبعد أيام قليلة اتخذ مجلس «الدوما» قرارا  بعدم ملاحقة الرئيس المستقيل أو أحد من أسرته، وغادر  يلتسين  المسرح في غموض, كما أتي في غموض !!
كان «يلتسين»  , الذي تولى حكم روسيا بعد سقوط الشيوعية, قد أحاط نفسه بطبقة جديدة,  نجحت في تدمير روسيا بالكامل : الدولة ..والشعب ..والمجتمع ..والجيش  الروسي. 
كان على رأس هذه «الطبقة الجديدة « التي نشأت حول «بوريس يلتسين»: بناته وأزواج بناته ووزراؤه والطبقة الرأسمالية الجديدة التي نمت بسرعة مذهلة متسلحة بالفساد ومنظمات الجريمة (المافيا) التي حولت شوارع موسكو – خلال  سنوات قليلة - الى شوارع للرعب والقتل والجريمة  وتصفية الحسابات بين زعماء المافيا, في مشاهد تُذكرنا بأفلام المافيا  الإيطالية في شوارع شيكاغو في الثلاثينيات من القرن العشرين. 
وكانت المفارقة  المؤلمة والجارحة في الدراما الروسية .. آنذاك .. هو انهيار مستويات المعيشة بشكل متسارع خلال حقبة « يلتسين « . فحسب مركز « مستوى المعيشة « في موسكو . سقط أكثر من ٧٩ مليون روسي تحت خط الفقر . اي نحو ( ٥٣ ٪ ) من سكان روسيا . بينما اتسعت .. في ذات الوقت .. الهوة بين الفقراء والأغنياء , حيث أوضحت الأرقام أن ٢ ٪  فقط من السكان يحصلون على ٥٧ ٪ من الثروة القومية ( !! ) . وراحت  ديون روسيا  ترتفع بشكل مخيف يهدد  البلاد بالإفلاس , فقد بلغ الدين الخارجي ( ١٨٠ مليار دولار ) .. بينما تراوح الدين الداخلي (١٦١ مليار دولار ) في نهاية عهد يلتسين . وتزامن مع هذا الحجم  الكبير من الديون أشكال مختلفة من  تهريب رءوس الأموال تقوم بها  الشركات والأفراد وعناصر الطبقة الجديدة وتراوحت  جملة الأموال المهربة بين (٢٠٠ و ٢٥٠ مليار دولار ) . 
وخلال سنوات قليلة من حكم « يلتسين « انهارت البنية التحتية والخدمية في روسيا .. وانهارت معها مؤسساتها العلمية العريقة . وأدى انهيار الموسم الزراعي عام ١٩٩٨ إلى الاستيراد الواسع للمواد الغذائية .. ولأول مرة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية, تصل واردات روسيا من المحاصيل حوالي ٧٥ ٪ من جملة إنتاجها الزراعي . وترك « الروبل « .. عملة روسيا الوطنية .. مكانه للدولار الذي أصبح آداة للتعامل في السوق المحلي الداخلي . حتى متوسط حياة الإنسان الروسي انخفض ليصبح حوالي ٥٥ سنة في المتوسط لينافس البلاد الفقيرة في أفريقيا الصحراوية , مقارنة بمتوسط عمر ٧٤ سنة في كوبا أو ٧٢ في الصين . وكلها دلالات على تدهور الوضع الصحي والعلمي والاقتصادي الذي وصلت له روسيا .. بعد أقل من عشر سنين فقط على انهيار الدولة السوفياتية . ( روسيا على حافة الانهيار , فردريك كليرمو , اللومند ديبلوماتيك , مارس ١٩٩٩ ) . 


تجربة بوتين


لم تكن تجربة بوتين في استعادة النهضة الروسية, تجربة معقدة أو سرا لا يمكن  الكشف عنه .


ببساطة : اتخذ بوتين , ومنذ اللحظة الأولى , قرارا  «سياديا «  بإحياء دور الدولة الروسية  المركزية .. بحيث تكون قادرة على  التدخل في  كل جوانب الحياة الاقتصادية والسياسية  . أي إحياء مفهوم  الدولة التدخلية « Etat interventioniste» , ضاربا عرض الحائط بكل توجيهات وضغوط المنظمات الدولية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي والشركاء التجاريين في أوربا وأمريكا . فعلى الرغم من حاجة روسيا الماسة لرءوس الأموال , ورغم اتساع الهوة التكنولوجية بينها وبين الدول الصناعية الكبرى , ورغم تدهور البنية التحتية ومستويات المعيشة, قرر فلادمير بوتين أن يخوض مغامرته الكبرى من أجل إنهاض روسيا مرة أخرى على قدميها كقوة اقتصادية وسياسية محترمة ومقدرة في محيطها الجيوسياسي , وفي أقل من ست سنوات كما يقول الاقتصادي المعروف  «جاك سابير « . فقد كان عام ٢٠٠٦ بداية تحول استراتيجي في مسار روسيا . ومع بداية عام ٢٠٠٧ كان الاقتصاد الروسي يعلن بداية انتصاره على الفشل الذي حاق به خلال حقبة التسعينيات . فقد بلغ معدل النمو  حوالي ٦٪ سنويا وارتفع الناتج الإجمالي الكلي . واستطاعت روسيا أن تحقق قفزات مذهلة بفضل أمكانياتها الطبيعية المختزنة وثرواتها الطبيعية من الغاز والبترول والزراعة فضلا عن صادراتها من السلاح . 
وهكذا انطلق بوتين في مهمة تحديث روسيا وتطوير روسيا واستعادة دورها, إلى الحد الذي بدأ يقلق القوى الأجنبية وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية التي أطلق وزير دفاعها آنذاك « روبرت جيتس « تصريحه الشهير : « أن فلاديمير بوتين في طريقه إلى إعادة روسيا كقوة عظمى واستعادة كرامتها الوطنية «  ( روسيا  فلاديمير بوتين, اللومند ديبلوماتيك , فبراير ٢٠٠٧ , جان ماري شوفييه ) . 
وكانت انطلاقة « بوتين « معتمدة  في الأساس على  دعم قطاعات واسعة من الشعب الروسي . فقد كانت استفتاءات الرأي تعطي مؤشرات  مؤكدة عن تمتعه بتأييد ٧٠ إلى ٨٠ ٪  من الشعب الروسي , خصوصا من الطبقة المتوسطة والفئات العليا من العمال والموظفين . وقد نجح « بوتين» خلال السنوات الخمس الأولى أن يعود بالقدرة الشرائية للمواطن الروسي , إلى حوالي ٨٠ ٪ من  المستوى الذي كانت موجودة عليه  عام ١٩٨٩ ( قبل سقوط الاتحاد السوفييتي ) .


كما استطاع أن يرتفع بمعدل الاستهلاك إلى ١٦٧٪  ووصل حجم الاستثمارات إلى حوالي ٢٠٪ من الناتج الإجمالي الكلي . 


بوتين ورجال الأعمال والمال


الأمر الغريب, والمدهش في الوقت ذاته, أن بوتين لم يلجأ  خلال  سنواته الأولى في الحكم إلى أي  تأميمات  للقطاعات  الاقتصادية التي تم خصخصتها, بالفساد , خلال  حكم « يلتسين « . بل لم يقترب من رجال الأعمال الذين خلقتهم مرحلة التحول الرأسمالي المتوحشة خلال حقبة التسعينيات . بالمقابل  كان حازما وحاسما في مواجهة رجال الأعمال  الذين ارتبطوا بمنظمات  الجريمة « المافيا « أو أولئك الذين كان لديهم طموحات سياسية قوية أو معارضة  لتوجهاته  لسياسته ( !! ) .


لقد كان عام ٢٠٠٣ هو نقطة التحول الحقيقية في مشروع بوتين , ففي هذا العام تحديدا , صرح بوتين للمقربين منه أنه لا يمكن أن يترك ثروة روسيا من الغاز والبترول والمعادن في يد رجال الأعمال والشركات الخاصة التي حصدت بفضل الفساد والرشوة  المليارات  خلال حقبة يلتسين . وقد بدأ بوتين مشروعه لإنهاض روسيا بو ضع يد الدولة على ثرواتها المعدنية  .  ثم قرر أن يولي وجهه تجاه دول وأسواق أخرى مناسبة لبيع الغاز والبترول الروسي  لا سيما الصين والهند ودول العالم الإسلامي على حساب السوق العالمي مع أمريكا وأوربا ودول حلف الأطلسي لقد بدا واضحا أن بوتين قد أدار ظهره لطبقة رجال الأعمال من الرأسماليين  الروس بمصالحهم المركبة والمعقدة والملتبسة مع الشركات العالمية وأجهزة المخابرات العالمية 
. وبدأت رموز هذه الطبقة  في مهاجمة سياسة بوتين الاقتصادية  والتخلي عن « دعمه , بل  ومهاجمته . 


وكانت  استقالة  « أندراي إليارانوف « مستشار بوتين  في نهاية عام ٢٠٠٥  أحد تجليات المعارضة التي يواجهها بوتين من طبقة  رجال الأعمال . وكانت  الحجة  التي ترفعها هذه الطبقة الرأسمالية  لتقويض مشروع « بوتين «  هو الاعتداء على  « الحرية «  . فقد  صرح « إلياروف « أن سبب استقالته هو  : «أن روسيا أصبحت بلدا آخر .. أنها لم تعد بلدا حرا « .


ولم يطل الأمر بالولايات المتحدة الامريكية  لتبدأ هجومها على روسيا والرئيس بوتين . ففي قمة « فالنيوس « في مايو ٢٠٠٦ ( بعد ست سنوات فقط من توليه السلطة السياسية )  بدت القمة التي قادتها  الولايات المتحدة الأمريكية وكأنها مكرسة  فقط  للهجوم على روسيا .. وهاجم نائب الرئيس الأمريكي « ديك  شيني  في خطابه « روسيا  « متهما « بوتين  « بالانعطاف نحو الديكتاتورية « .


ورغم ذلك لم يلق « بوتين « بالا للتهديدات الأمريكية ولم يعرها أي اهتمام , بل تحداها بإجراءات مضادة ساهمت في إفشال المساعي الغربية بإعادة روسيا لوضعية الانكسار . 
خاتمة


إن الدروس  التي  قد تساعد مصر  في الخروج من أزمتها هى الاستفادة من « التجربة الروسية «  في التعامل العاجل والحاسم مع الأزمات .


كيف؟


الأول : ضرورة وضع الدولة  المصرية يدها على كل مقدراتها التعدينية  , المحجرية والمنجمية .


وهنا نستشهد بما قاله الأستاذ الدكتور « يحيى القزاز « , عالم  الجيولوجيا  المعروف, في  أن الدولة لا تحصل إلا على مبلغ ٢١ مليون جنيه فقط من حصيلة بيع أربعة خامات فقط  ( !! )  بينما تحصل المحليات على سبعة مليارات جنيه سنويا طبقا للقانون ٨٦ لسنة ١٩٥٦ .


وأن تغيير هذا القانون بما يضمن حق الدولة والشعب،  سيوفر للدولة ٢٤ مليار جنيه سنويا, بشرط تعديل القانون ٨٦  لسنة ١٩٥٦ كما يقول الدكتور يحيى القزاز .


الثاني : ضرورة  مواجهة الفساد الرأسمالي بسرعة   : 
لقد كانت  تجربة روسيا وبوتين  حاسمة في مواجهة الفساد الذي عشش وساد في أركان الدولة الروسية خلال الحقبة الشيوعية , وحقبة التحول الرأسمالي المتوحش التي تلتها . 
وفي دراسة حديثة للخبير الاقتصادي  « أحمد السيد النجار « في جريدة الأهرام  بتاريخ  ( ١٨ أغسطس ٢٠١٤ ) يقدر أن  جملة ما يمكن أن تحصل عليه الدولة المصرية من إعادة النظر في أسعار الأراضى  الزراعية التي حصل عليها رجال نظام مبارك  من سياسيين ورجال أعمال , بأسعار رمزية , ثم استخدموها لبناء المنتجعات السكنية والمساكن الفاخرة  بالمخالفة لشروط التعاقد . كذلك جملة الأراضي الزراعية التي تم البناء عليها منذ عام ٢٠٠٧ وتبلغ مساحتها حوالي نصف مليون فدان ( !!)


. فلو  تم فرض غرامات بقيمة ٣٠٠ جنيه على المتر , فإن العائد من تلك الغرامات يمكن أن يوفر للدولة أكثر من ٦٠٠ مليار جنيه ( ستمائة مليار جنيه ) . حتى لو تم تقسيطها على أربع أو خمس سنوات . 
ثالثا : التعامل الحازم والسريع مع التخريب الذي يمارسه رجال الأعمال من خلال قنواتهم التليفزيونية .


وما أدهشني في هذه المقاربة بين البلدين .. مصر وروسيا .. لجوء رجال الإعلام الروس من أنصار زمن يلتسين إلى الهجوم على سياسات بوتين واتهامه بالديكتاتورية متذرعين ما اتخذه من قرارات وأحكام من أجل حماية هيبة الدولة من أصحاب ” نظريات الثورات الملونة ” . ومن هؤلاء ” إيرينا بروخوروفا ” شقيقة الملياردير ” ميخائيل بروخوروف ” والتي تشرف على قناته التليفزيونية ” آر بي كا ” .. والتي تتخذ من موضوع ” القرم ” هدفا للهجوم على بوتين والتهكم على تمسكه بها وأن القرم بالنسبة لها ليست  سوى ” كومة حجارة “ لا تستحق كل تلك الضجة التي يثيرها بوتين حولها . وهو نغس ما يروج له المعلق اليهودي ” جانا بولسكي ”  في إذاعة ” صدى موسكو ” .. والذي لاذ بالفرار إلى أوكرانيا ..  من أنه كان يفضل انضمام القرم إلى الولايات المتحدة الأمريكية ( !! ) .


لقد نجحت روسيا فى أن تنهض من جديد بفعل الإرادة الحديدية للوطني الروسي ” فلاديمير بوتين ” على مدار خمسة عشر عاما . ولا شك لدي أن مصر ستجتاز أزمتها الراهنة .. وأن كل ما تحتاجه  في الوقت الراهن هو إرادة سياسية لا تعرف الخوف أو التردد أو التهاون . 
مصر تحتاج لسياسات عاجلة و « طارئة « , لا تقبل التأجيل  أو المراوحة لتطبيق القانون على كل مخالف . 
وستحصل الدولة والشعب على حقهما من كل متعد ومخالف وفاسد ..  ودون حاجة للاستدانة من الخارج أو إجراء تأميمات  أو مصادرات عشوائية .