مصر وجنوب أفريقيا ومستقبل القارة السمراء

27/04/2016 - 8:50:46

  المنتدى الاقتصادى الافريقى بشرم الشيخ .. مصر حاضرة بقوة فى إفريقيا المنتدى الاقتصادى الافريقى بشرم الشيخ .. مصر حاضرة بقوة فى إفريقيا

بقلم - أ.د. السيد فليفل عضو مجلس النواب والأستاذ بمعهد الدراسات الإفريقية

تبدو جنوب أفريقيا أبعد دول القارة مسافة عن مصر، فمصر في أقصى الشمال الشرقي، وهي تقع عند الطرف الجنوبي للقارة، ويمر من أمامها طريق رأس الرجاء الصالح البديل البحري الثاني للنقل بين الشرق والغرب بعد قناة السويس. ومع ذلك فليس التاريخ هنا كالجغرافيا، فهذا البعد يتصادم مع حقائق تاريخية قربت بين البلدين، وجعلت التواصل بينهما متاحا بل إنهما صارا منذ بزوغ القوى البحرية بقيادة البرتغال أولا، ثم هولندا ثانيا، ثم بريطانيا وفرنسا يعيشان نفس الظروف من محاولات الهيمنة الاستعمارية حتى لقد تطابقت سياسات هذه القوى وتزامنت أو تعاقبت جامعة بين الممرين التجاريين في إطار إستراتيجية واحدة. ولقد أدت عملية اكتشاف البرتغاليين لطريق رأس الرجاء الصالح إلى إسقاط مصر في أتون الحكم العثماني وتحويلها من أكبر سلطنة إسلامية إلى ولاية تابعة، وخيم عليها الفقر الجهل والنسيان على مدار أربعة قرون من هيمنة الأتراك، فقدت فيها مكانتها في التجارة بين الشرق والغرب، ولم يعتدل الحال إلا قليلا بافتتاح قناة السويس للملاحة الدولية سنة ١٨٦٩، وهو ما أدى إلى جذب انتباه القوى الاستعمارية مجددا إلى مصر.


وقد كان البلدان على نحو متعاقب نقطة جذب للقوى الاستعمارية من ناحية ومكانا تبادليا تركن فيه إحدى القوى إليه بديلا عن الطريق الآخر حتى جمعت بريطانيا بين الطريقين.


ويمكن لنا أن نراجع نماذج شتى من ترابط الأحداث التاريخية بين البلدين على النحو التالي:


لم تكن الحملة الفرنسية على مصر سنة ١٧٩٨ هي الأولى في محاولات فرنسا في السيطرة على طريق الشرق، بل سبقتها حملة مبكرة في عام ١٧٨١، وكلتا الحملتين فشلت في تحقيق أهدافها لأن بريطانيا وقفت لها بالمرصاد.


يعرف المصريون أن بريطانيا وفرنسا اتفقتا في صلح أميان ١٨٠٢ على خروج القوات الفرنسية من مصر، ولكن الجانب الجنوبي من الصورة يشير إلى أن ذات الاتفاق نظم أيضا خروج حملة أخرى بريطانية من جنوب أفريقيا.


يعرف المصريون حملة بريطانية وقعت على مدينة رشيد سنة ١٨٠٧، ولكن الجانب الجنوبي من الصورة يشهد بأن بريطانيا استعمرت جنوب أفريقيا سنة ١٨٠٦، وبذلك كان وجودها في مصر استكمالا لوجودها في جنوب أفريقيا ومحاولة دءوبة للسيطرة على الطريقين معا.


وقد نجت مصر من حملة رشيد بحكم المقاومة الشعبية الفذة بينما سيطرت بريطانيا على جنوب أفريقيا وظلت تحكمها من ١٨٠٦ حتى ١٩٦١. بينما تأخر استعمار مصر إلى عام ١٨٨٢.


ولما كان الهولنديون والألمان (البوير- الأفريكانرز-العنصريون) قد فروا من حكم بريطانيا في عام ١٨٣٦ فيما عرف باسم الهجرة الكبرى؛ ليخرجوا من منطقة رأس الرجاء الصالح ويستعمروا المناطق الداخلية من القارة في أقاليم نهري أورانج والترانسفال، حيث أسسوا جمهوريتين هولنديتين واستحوذوا على الأرض الأفريقية وعلى ثروات معدنية طائلة من الماس الذي اكتشف عام ١٨٦٧، والذهب الذي اكتشف سنة ١٨٨٦، وسخروا العمالة الأفريقية في مزارعهم ومناجمهم ومصانعهم، وبرروا ذلك تبريرا يقوم على ادعاءات كاذبة من سيادة الرجل الأبيض وقوته وهيمنته، وأن له رسالة لترقية الشعوب المستعمرة وأن الله نفسه لعن أولاد حام (الأفارقة) في العهد القديم، وابتعث أبناء الرب (البوير) في البرية الأفريقية ليختبرهم، وأن آباءهم وأجدادهم-الذين كانوا من عتاة اللصوص والمجرمين في أوروبا وجيء بهم مع شركة الهند الشرقية الهولندية للزراعة في مستوطنة الشركة التي أقيمت سنة ١٦٥٢ كي توفر الغذاء للقاعدة البحرية الهولندية في رأس الرجاء الصالح- هم رسل الرب الذين لا يجب أن تختلط دماء أبنائهم بدماء الأفارقة. كان هذا هو الطريق إلى التفرقة العنصرية والتحامل على أساس، اللون الذي انتهى بنسبة الأمور كلها إلى الرب على أساس من الضلال المبين. فهذه الأرض في جنوب أفريقيا هي أرض الميعاد والبوير هم أبناء الرب، والمسيحية على مذهب جون كالفن هي عقيدة الرب، والتفرقة العنصرية هي مشيئة الرب، والثروات المتاحة بالبلاد هي عطايا الرب، أما الأفارقة فهم أعداء الرب. ومن ثم فإن أي نظام سياسي ينشئونه لابد أن يحظى برضا الرب. لهذا نشأت دولتان عنصريتان غنيتان قويتان سرعان ما بدأت بريطانيا تشعر بالحقد على ما تمتلكانه من ثروات فقررت احتلال أراضيهما، وهو ما ترتب عليه نشوب حرب عرفت باسم معركة تل مجوبا سنة ١٨٨١ انهزمت فيها القوات البريطانية وتعطلت بالتالي محاولة التوسع من مستعمرة رأس الرجاء الصالح البريطانية إلى هاتين المنطقتين.


وليس مصادفة أن يواجه أحمد عرابي قوات الاحتلال البريطاني عند كفر الدوار، فلما تصدى لهم التفوا من عند التل الكبير ولكنهم حققوا في الشمال ما عجزوا عن تحقيقه في الجنوب فاحتلت مصر وخضعت للاستعمار البريطاني حتى عام ١٩٥٦، وبهذا صارت تسيطر على الطريقين معا حتى أن رموز الحكم البريطاني من قادة وحكام كانوا يتناوبون على المنطقتين، وفي هذا نستطيع أن نذكر مثلا الجنرال ويلسلي، واللورد كيتشنر، وألفريد ملنر، وغيرهم من الذين قاتلوا في تل مجوبا والتل الكبير، أو احتلوا مصر –والسودان من بعدها كما فعل كتشنر- كما احتلوا هاتين الجمهوريتين- الترانسفال وأورانج- مثل كتشنر. ومن المذهل أن بريطانيا بعدما احتلت منطقة الجنوب الأفريقي ووحدت المستعمرات التي سيطرت عليها من البداية مثل مستعمرة الرأس ومستعمرة ناتال، أو التي ضمتها في أواخر القرن التاسع عشر مثل أورانج والترانسفال، فاجأت الجميع بالموافقة على سيطرة البيض على مقدرات الأمور الأفريقية وتأسيس اتحاد جنوب أفريقيا كدولة عنصرية من البداية، وإن كان حاكمها العام بريطاني الجنسية فإن رئيس وزرائها كان من العناصر الهولندية- وليس البريطانية- ونفذ العنصريون دستورا عرف باسم «دستور لايتلتون» الذي عمل به من عام ١٩١٠ حتى عام ١٩٦١، وحرم الأفارقة من دخول البرلمان أو المدارس الحكومية أو حتى الكنائس لأنه ليس من المنطقي أن يوجد أبناء الرب وأعداؤه في مكان واحد (هكذا تخرسوا).


ولم تكن مصر منذ القرن التاسع عشر غائبة عما يجري في جنوب أفريقيا، فقد كانت تتواصل مع عدد كبير من المسلمين الذين يعيشون في جنوب أفريقيا والذين نفوا إليها سواء من الملايو (١٦٥٧) أو من الهند (١٨٦٠)، والذين احتاجوا إلى مصر لتعليم أبنائهم في الأزهر من ناحية، وإنقاذهم من الإهمال الرهيب لعقيدتهم وحرمانهم من حمل المصاحف أو التعليم الديني، حتى أنشأ الأزهر مدرسة في شارع الكنيسة بكيب تاون صارت تقدم خدماتها التعليمية لهؤلاء الناس كما تواصلت مع الهنود في ناتال، وعلى جانب آخر فإن أثرياء مصر مثل الأمير محمد علي أو السيدة قوت القلوب الدمرداشية وغيرهما قاموا بزيارات إلى جنوب أفريقيا وتعرفوا على ما فيها من مظالم وعنصرية، ورصدوا مجافاة النظام السياسي لاتحاد جنوب أفريقيا للقيم الإنسانية النبيلة، وذلك رغم أن النظام العنصري لم يكن يعتبر المصريين الذين يصلون إلى جنوب أفريقيا أفارقة، ومن ثم لم يوقع عليهم نفس إجراءات وممارسات الفصل العنصري التي يتعرض لها الأفارقة. وكان الأمر أشبه بوقفة حق من ثقافة مصر التي لا تعرف العنصرية سبيلا إلى نفوس أبنائها.


ومثلما أنشأت بريطانيا كيانا عنصريا في الجنوب الأفريقي أنشأت على حدود مصر الشرقية كيانا عنصريا يهوديا قوميا؛ حيث جمعت أيضا من أشتات البشر وجوابي الآفاق في أوروبا كل من لفظتهم أوروبا الكاثوليكية أو البروتستانتية من اليهود؛ ليكونوا رأس جسر لأوروبا في ظل ادعاء بتعويض اليهود عن الاضطهاد النازي، بينما المخطط كان يتفاعل منذ أواخر القرن التاسع عشر، وتبلورت رؤيته مع وعد بلفور ١٩١٧ أي قرب الوقت الذي برز فيه اتحاد جنوب أفريقيا، والشيء المذهل أن بريطانيا سمحت بقيام إسرائيل في عام ١٩٤٨ سلمتها السلطة في فلسطين المحتلة وانسحبت وهو نفس التاريخ الذي تركت الحزب الوطني العنصري برئاسة الدكتور مالان يتولى السلطة في جنوب أفريقيا، ليس ليمارس العنصرية ابتداء فقد كانت قائمة بالفعل، بل ليجعلها مقررة من الناحية القانونية والدستورية بحيث نستطيع أن نقول إن الحكم العنصري صار أكثر منهجية منذ ذلك التاريخ.


ومنذ اللحظة الأولى لقيامهما امتدت أيدي النظامين العنصريين الإسرائيلي والجنوب أفريقي ليأتلفا ويتواصلا ويتبادلا المصالح والمنافع والتعاضد والتأييد، بل لقد وصل الأمر إلى حد أن جنوب أفريقيا شاركت بمتطوعين بصفة خاصة من الطيارين والبحارة في حروب ١٩٤٨، ١٩٥٦، ١٩٦٧، ولولا المفاجأة الإستراتيجية لوجدناهم في حرب ١٩٧٣، التي شاركوا فيها أيضا وإن جاءوا متأخرين بعد أن حسم الجيش المصري الصراع العسكري، وطرح الجيش الإسرائيلي على رمال سيناء مدمرة دباباته ساقطة طائراته منهارة معنوياته. كما شاركت إسرائيل النظام العنصري في جنوب أفريقيا في التسليح العسكري، وفي توفير المعلومات المخابراتية، وفي متابعة قيادات الحركة الوطنية الأفريقية وعلى رأسها نيلسون مانديلا، كما تعاونت الدولتان في إطلاق برنامج صاروخي بل وبرنامج نووي جعل من كل منهما القوة النووية الوحيدة في إقليمه: إسرائيل في قلب الوطن العربي، وجمهورية جنوب أفريقيا في القارة الأفريقية، وبذا جمع الخطر النووي مجددا بين نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، والعنصرية الصهيونية في فلسطين المحتلة.


وقد شكلت معركة ١٩٥٦ حينما نجحت مصر في هزيمة قوات العدوان الثلاثي في بورسعيد ومنطقة القناة في أن تلفت نظر قيادات جنوب أفريقيا المكافحة من أجل إنهاء الفصل العنصري وبناء دولة ديمقراطية في جنوب أفريقيا، وإنهاء التمييز على أساس من اللون إلى الزعيم المصري جمال عبد الناصر ودوره البطولي في استرداد قناة السويس وفي مقاومة المستعمر، وهو الأمر الذي عبر عنه نيلسون مانديلا حين قال: لقد أثبت ناصر أننا نستطيع أن ننجح، ونستطيع أن نقاتل، ونستطيع أن نستقل، وإن حجرا في أيدينا أقوى من الأسلحة في أيدي العنصريين.


ولقد أسفر التواصل بين الحركة الوطنية في جنوب أفريقيا والقيادة المصرية عن دعم الشعب المصري لاستقلال جنوب أفريقيا ونيل الأفارقة حقهم السياسي، ولم يقف الأمر عند حد التأييد السياسي المصري، بل إن مصر نجحت في أن تحشد من ورائها كل الأشقاء في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية ضد النظام العنصري في جنوب أفريقيا؛ حتى اتخذ قرار مقاطعة هذا النظام في الأمم المتحدة في ٣١ مايو ١٩٦١ وهو تاريخ إعلان الجمهورية في اتحاد جنوب أفريقيا، وانتخاب أول رئيس أبيض بديلا عن الحاكم العام الذي كانت تعينه بريطانيا، ثم أتبع هذا تأسيس شراكة إستراتيجية عربية أفريقية بحيث كان كل العرب يقاطعون النظام العنصري في جنوب أفريقيا، وردت أفريقيا التحية بمثلها فبدأت في مقاطعة دولة الكيان الإسرائيلي الصهيوني حتى أنه في عام ١٩٦٧ اعتبرت الدول الأفريقية تحرير سيناء والقضية الفلسطينية من قضايا القمة الأفريقية التي يجري مناقشتها بشكل دوري.


ولقد لعبت مصر دورا مهما في الدعوة إلى إطلاق سراح نيلسون مانديلا الذي اعتقل قبل شهر واحد من لقاء حدد له مع الرئيس جمال عبد الناصر بالقاهرة، حيث مكث في السجن قرابة ٢٧ سنة في جزيرة روبن أيلاند، التي لا يحرسها أحد من سدنة النظام العنصري الذي اكتفى بأن ترك الأفارقة فيها تحت رحمة أقراش البحار الجنوبية تفتك بمن حاول منهم أن يجرب حظه في الهروب، وقد أدرك مانديلا هذا الدور الذي قامت به مصر منذ عهد عبد الناصر إلى أن أطلق سراحه في بدايات التسعينيات من القرن العشرين؛ حيث أمكن له أن يجسد الرسالة التي أداها ناصر تجاهه أعظم تجسيد، حينما وقف على قبره بعدما قرر زيارة مصر قبل أن يلي الرئاسة بفترة وجيزة؛ حيث وقف قبالة الضريح مؤديا التحية على نحو منضبط وصارم وقال بصوت عال ومتهدج: فخامة الرئيس أنا آسف أن حضرت متأخرا سبعة وعشرين سنة، لقد كنت في السجن... لكنني الآن حر وقد وفيت بوعدي بلقائك.. وقد تغير شعبي وتابع نضاله كما فعلت إلى أن حققنا التغيير وإنهاء الأبارتيد» كل ذلك وسط بكاء الحاضرين من أصدقاء عبد الناصر وزملائه، وعلى رأسهم محمد فايق وأفراد أسرة الزعيم. ولقد كان مانديلا وفيا ليس فقط لناصر ولا حتى للقضية الفلسطينية وزعيمها ياسر عرفات، بل للعرب كل العرب، فقد وقف إلى جانب الشعب الفلسطيني، كما وقف إلى جانب العقيد معمر القذافي، وتوسط لإنهاء الحصار في مسألة لوكيربي، وانتقد إسرائيل انتقادا مرا، مؤكدا أن الأحرار هم الأحرار لا يتغيرون سواء كان موقعهم في الميدان يحملون السلاح أم في السجون يعذبون أم في مقعد الرئيس... إن مانديلا هو مانديلا... الرمز هو الرمز وكفى.


ولكن لأن التغير هو سمة الحياة والتبدل هو طبع الرجال فإن خليفة مانديلا ثابو مبيكي لم يكن على شاكلته، لقد كان هو الرجل الذي أجرى التفاوض مع النظام العنصري. وقد أدار التفاوض على أساس يقوم على أن يكسب الأفارقة السلطة السياسية، وأن يحتفظ البيض بالمزايا الاقتصادية، وأن ينال كلاهما من السياسة والاقتصاد جانبا ولو محدودا، وذلك في مقايضة كبرى نالت فيها نخبة جنوب أفريقيا مزايا الهيمنة السياسية، وبعضا من المكاسب الاقتصادية، بينما استمر البيض يسيطرون على الأرض والمناجم ويمتلكون شركات الطيران والسكك الحديدية والمحلات والمصايف، وانتقل العزل العنصري الذي يمنع الأفارقة من مشاركة البيض في وسائل النقل أو في الشواطئ من عزل على أساس العنصر إلى عزل على أساس المال، بمعنى أن الرجل الأفريقي لا يستطيع أن يدخل إلى شاطئ أبيض نظرا لأنه لا يملك تذكرة الدخول وثمنها الباهظ، وبالتالي لن يقترب من ذات المكان الذي منع منه لأسباب عنصرية، وبهذا قصر البيض مشاركة الأفارقة لهم في النخبة السياسية العليا. وبما أن ثابو مبيكي هو من جسد هذه الأفكار في التفاوض، فإنه من بعد مانديلا كان من أنزلها على الأرض، ولم يقف الأمر عند حد التطبيق النظري للمساواة، بل امتد إلى حد تصفية كل من يهدد القسمة في الثروة والسياسة بين الجموع البيضاء والنخبة التي تنتمي إلى حزب المؤتمر الوطني الأفريقي الحاكم. وبهذا ورث ثابو مبيكي آخر حكام جنوب أفريقيا العنصريين فريدريك ديكليرك في علاقاته مع إسرائيل وفي تجاهله للقضية الفلسطينية وفي تجنبه للعرب، بل وفي محاولة الاتفاق مع بعض القوى الإقليمية على تحجيم الدور المصري في أفريقيا، وشكل هذا عامل ضغط على الدور المصدري في أفريقيا الذي كان مأزوما بالفعل بسبب إهمال الرئيس مبارك للقارة، ومن ثم زادت المصاعب التي تعاني منها من أجل استعادة دورها.


ولأن الرجال معادن فإن المشير عبد الفتاح السيسي بدأ في فك خناقات الحصار من حول الدولة المصرية وتحطيم السلاسل التي قيدتها بها الولايات المتحدة، والتي وصل بعضها إلى درجة تحريم حركة مصر في مجالها الحيوي الحياتي الوجودي، ونعني به منطقة حوض النيل والقرن الأفريقي، وذلك لمنع مصر من الظهور في التسويات السياسية للصراع في دارفور والصراع في جنوب السودان والصراع في الصومال لصالح إبراز قوى مثل جنوب أفريقيا وتصعيد قوة إثيوبيا وتجاهل مصر. ورغم الأزمة الطاحنة فإن عبد الفتاح السيسي لم يقف عند حد اختراق الحصار بل انطلق يؤسس لعلاقة غير تنافسية مع جنوب أفريقيا، ويسعى لكسبها ليس إلى جانبه فهو لا يريد منها شيئا ولكن إلى جانب قضايا التنمية في أفريقيا، ويتفاعل معها من أجل التشارك في برامج الاستثمار والتنمية والبنية الأساسية وربط الطرق البرية والبحرية والجوية والنهري، والتفاعل القوي بين كافة القوى الإقليمية المتميزة وبصفة خاصة الكبار الثلاثة: مصر وجنوب أفريقيا ونيجيريا. ثم كان الاختراق المفاجأة حين وصل الناتج الإجمالي القومي المصري إلى أكثر قليلا من نظيره الجنوب أفريقي.


وكانت حرية القرار في التفاعل مع مراكز التسليح الدولي في العالم وفي التنسيق مع القوى الكبرى والدولية، بحيث وجدت جنوب أفريقيا نفسها مضطرة إلى العمل مع شريك حقيقي في مرحلة الكفاح، وشريك حقيقي مطلوب للتنمية الأفريقية الشاملة التي تقوم على سواعد أبنائها ولا تكتفي بأن تجذب استثمارات خارجية لمصلحة دولة معينة على حساب القارة، مثلما فعلت جنوب أفريقيا في تجربتها مع المبادرة الغربية المعروفة باسم نيباد، أي الشراكة من أجل تنمية أفريقيا، والتي استأثرت بها جنوب أفريقيا ولم تؤد واجبها تجاه بقية الدول.


وأخيرا فإن كيمياء التفاعلات الأفريقية قد تغيرت تغيرا منهجيا عندما دبت الحركة في أوصال القارة بفعل المبادرات الخلاقة للرئيس عبد الفتاح السيسي، فهو في مؤتمر ينسق بين التكتلات الاقتصادية الأفريقية، وهو في آخر يجمع وزراء دفاع الدول الأعضاء في تجمع الساحل الصحراء لمقاومة الإرهاب، وهو يعرض مصلحة أفريقيا وموقفها من قضية التغير المناخي على المؤسسات الدولية، وكل ذلك مؤشر على استحالة تجاهل مصر، وأن الجميع عليه أن يدرك أن مصر حضرت شمسها الذهب، وأنها من بعد الساعة لن تفتقد وأن على كل الضباب أن ينقشع.