فى عيد ميلادها الخامس والخمسين: كلية الاقتصاد والعلوم السياسية عروس فتية

27/04/2016 - 8:46:39

  د. عزمى خليفة وإلى يساره د. مصطفى علوى ود. عبدالعاطى محمد د. عزمى خليفة وإلى يساره د. مصطفى علوى ود. عبدالعاطى محمد

السفير د.عزمى خليفة المستشار الأكاديمى للمركز الإقليمى للدراسات الاستراتيجية

احتفلت كليتنا العتيدة - كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة - بعيد إنشائها الخامس والخمسين يوم ١٩ إبريل الجاري فأقامت احتفالا حضره الخريجون وأبناء الكلية وهيئة التدريس والأساتذة المتفرغون، وتم تكريم أبناء الدفعات الأولى حتى دفعة ١٩٧٤ وكان لي شرف الحضور والتكريم كأحد أبناء دفعة ١٩٧٢، وقد انتابتنى حالة معنوية وعاطفية وفكرية في غاية الإثارة فقد كان شعورا بالسعادة للقاء أبناء دفعتنا العزيزة بعد سنوات طوال من العمل قربتنا للبعض وأبعدتنا عن آخرين منهم بحكم طبائع الأمور ولكنه شعور كان مصحوبا بالقلق فهل يمكنني تذكر الشخصيات التي سألتقي بها بعد ٤٤ عاما من التخرج فضلا عن تذكر الأسماء بعد ما أصابنا من تغييرات فسنة الله هى التغيير. 


أيضا كان شعورا ممزوجا بالفخر بتاريخ الكلية التي بدت في أجمل ثوب في يوم عرسها بفضل تآزر أحدث دفعات الكلية من الطلاب والطالبات مع أقدمها من الخريجين والخريجات مع اللجنة المشرفة على الاحتفالية برئاسة الأستاذة الدكتورة شيرين الشواربي المنسق العام للاحتفال ودينامو الحفل ومساعدتها الميدانية د. هبة ذكي مدحت العقل الآلي للحفل الذي يدرك كل كبيرة وصغيرة وموضعها في الاحتفالية وتوقيتها وحسن تعاون الجميع مع د. هالة السعيد دينامو الكلية التي يصعب الالتقاء بها في مكتبها فهى عميدة نشطة ومتحركة فضلا عن مكانتها العلمية وإمكانياتها الإدارية التي مكنتها من إعادة دور الأساتذة والعمداء الرواد ذوي البعد الإنساني في التعامل مع الطلاب والأساتذة على السواء كما مكنتها من أن تكون واحدة من أفضل من تولوا منصب عمادة الكلية بعد الأستاذ الدكتور على الدين هلال الذي نقل الكلية نقلة موضوعية في التجديدات بفضل تميزه في الإدارة بنفس قدر تميزه العلمي فلهم جميعا كل الشكر والتقدير، كما كان من دواعي فخرنا أن نتذكر كيف كنا وكيف أصبحنا بفضل ما تلقيناه من علم بالكلية انعكس على وجود عدد ضخم من الشخصيات العامة التي أثرت الحياة العامة في مصر طوال أكثر من نصف قرن من الزمان منهم الكتاب والمثقفون والوزراء والسفراء ومنهم من تولى المناصب القيادية في مختلف أجهزة الدولة مثل المعهد القومي للتخطيط ووكلاء وزارات عديدة ٠كذلك كان هذا الشعور بالسعادة المصحوب بتوتر القلق وبالفخر مشوبا بأفكارعديدة تتعلق جميعها بما يمكننا عمله لرد جميل أساتذتنا طوال سنوات الدراسة وما بعدها فالعلاقة مع بعضهم مازالت قائمة لليوم وبعضهم رحلوا عن عالمنا وكانت لهم أفضال لا يمكن إنكارها وهم كثيرون . 


 في خضم هذه الأمواج من المشاعر المتناقضة أمضينا أمسية الاحتفال بالعيد الخامس والخمسين لإنشاء الكلية العزيزة، لكن بعد زوال السكرة بدأت الفكرة فقد أثار الاحتفال قضيتين مهمتين لمصر التي وإن كانت قد نجحت في عبور المرحلة الانتقالية نظريا بتطبيق خارطة الطريق فإنها عمليا مازال أمامها طريق طويل لعبور هذه المرحلة الانتقالية فهناك فارق بين استكمال إقامة مؤسسات الدولة وبين تحقيق الاستقرار بالفعل اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا والأهم نفسيا أيضا عبر تطبيق عدد من السياسات الانتقالية التي تعيد التوازن ومن ثم التنمية المستدامة التي تعيد للاقتصاد حيويته وللسياسة دورها في حماية التفاعل الاجتماعي وتطويره بدلا من حدوث صراعات قد تعصف بالدولة بعد أن اكتسب الشعب قدرات مكنته من الإطاحة برئيسين بفضل تغييرات طرأت على ملامح الدولة القومية نتيجة انتشار الثورة الرقمية وتفاعل المعلومات مع جميع مقومات عالمنا السياسي كالقوة والسلطة والهيكل السياسي للدولة مما غير العلاقة بين الدولة والمجتمع ليصبح المجتمع أقوى وهو وضع مختل يحتاج للتصحيح لتتوازن قوة المجتمع مع الدولة وهو الوضع الأكثر مناسبة لتحقيق طفرة في الاستقرار ، وهاتان القضيتان هما التعليم ، والقيم ودورهما في إعادة بناء الدولة وهما قضيتان متكاملتان . 


فالتجارب التي مرت بها مصر من قبل والتجارب التي مرت بها دول أخرى مرت بسياسات انتقالية مثل اليابان وإنجلترا بعد الحرب العالمية الثانية تؤكد أن التعليم هو أساس عبور المرحلة الانتقالية لأنه أساس أي نهضة في المستقبل وهو ما أكدته تجربة إنشاء كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة بأسلوب ضمن للدولة استمرار قيم النمو الذي كان سائدا في الستينيات حتى اليوم بالرغم من تغير المناخ السياسي والاجتماعي والبيئة الاقتصاديه وهذه مشكلة مصر اليوم ولو بصورة جزئية 


فقد كان إنشاء الكلية مواكبا لمرحلة مهمة من مراحل إعادة بناء الدولة المصرية من خلال إصدار ما عرف بقوانين يوليو الاشتراكيه فقد نجح الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر في وضع نظام تعليمي على درجة عالية من الكفاءة في ذلك الحين جعل من التعليم المصري الحكومي صاحب الأولوية المطلقة في جميع مراحله سواء أكانت ما قبل التعليم الجامعي أو في المرحلة الجامعية ذاتها مقابل تراجع أهمية التعليم الأجنبي رغم أن التعليم الأجنبي كان يتمتع بمزايا تجعله أكثر جاذبية مثل نظام اليوم الكامل أو تقديم مزايا نقدية أكثر من الجامعات الحكومية.


فالتعليم أساس تكوين العمالة الماهرة والنخبة القادرة علي طرح أفكار جديدة تضخ دماء جديدة في المجتمع وتكون قادرة على تنفيذ ما يوكل إليها من مهام تنفيذية وقد حققت هذه السياسة التعليمية قدرا كبيرا من الفعالية إلى أن اتبع الرئيس الأسبق السادات سياسة الانفتاح الاقتصادي في منتصف السبعينيات وبالرغم من سلامة القرار من الناحية السياسية والاقتصادية إلا أن أسلوب تنفيذه يشوبه الكثير من الأخطاء التي أفرغت التجربة من المضمون حتى إن كاتبا بثقل الأستاذ أحمد بهاء الدين - رحمه الله- أطلق عليه الانفتاح سداد مداح، وكان هذا الانفتاح بهذا الأسلوب بداية انهيار التعليم في مصر من خلال التربح من العملية التعليمية التي نادى بمجانيتها طه حسين قبل أكثر من أربعة عقود من وقت إقرار سياسية الانفتاح وهو ما تم التأكيد عليه خلال حكم مبارك وانتشار التعليم الخاص والتوسع فيه واستنادا إلى المادة ومنحه مرتبات مجزية للمدرسين مما أدى لإفراغ التعليم الحكومي من الكفاءات من ناحية واتجاه أنصاف الموهوبين إلى الدروس الخصوصية التي أصبحنا نعاني منها اليوم. 


وكما كانت نهضة التعليم في عهد محمد على أساس تبلور ونهضة الوطنية المصرية من خلال ما صاحب النهضة التعليمية من قيم وهى القضية الثانية التي تهم مصر خلال المرحلة الانتقالية فالنهضة اليوم في العالم أجمع تقوم على نمط من القيم والأفكار التي من المهم الإشارة إليها فثورة يناير لم تكن ثورة وحيدة فى هذا الإطار ولم تهبط إلينا من الفضاء على حين غرة، ولكنها انطلقت فى مجتمع خلط بين الاستقرار والجمود السياسى ،مجتمع يتكون ثلثا سكانه من فئة الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين ١٦ عاما و٣٤ عاما ،وإن هذا الشباب نتاج الثورة الرقمية التى تقدم في استخدامها تقدما هائلا وأجاد استخدام أدواتها واستخدام مفرداتها سلبا وإيجابا فتولدت لديه نوعية جديدة من المعارف مختلفة عن السائدة في المجتمع، وأكدت له هذه المعارف بكل ما تضمنه من قيم أن النظام السياسى الذى يعيش فى ظله بعيد كل البعد عن التحولات العالمية، وأن الحد الأدنى لمتطلبات الحياة الكريمة غير متوافر، وأنه عاجز عن استخدام أدوات هذا النظام للتعبير عن آرائه واحتياجاته، فوجد فى الواقع الافتراضى متنفسا له فعاش فى ظل ازدواجية بين حرية مطلقة شكلا وموضوعا فى الواقع الافتراضى، وقيود مكبلة لآرائه والتعبير عن توجهاته فى الواقع المادى ، وأصبحت الأسرة المصرية تعيش فى ظل تفتت فكرى وسياسى واجتماعى، فأصبح كل فرد عالما متكاملا بذاته له موسيقاه وأفلامه وأصدقاؤه ومعارفه وألعابه وأفكاره، وهو بذلك منفصل عن الكيان العائلى الذى ألفناه فى مطلع شبابنا، وبدلا من تفهم هذه «الاستقلالية « وهذا «التنوع « ومحاولة استيعابها كما فعلت المجتمعات الغربية التى تأكدت مبكرا من مجمل هذه التحولات وما تؤدى إليه من تغييرات سياسية واجتماعية، لجأنا نحن إلى إدانة الشباب ووصمه بما أدى إلى زيادة «اغترابه» وزيادة شعوره بالعجز عن التغيير وعدم القدرة عن القيام بدوره المنوط به فى وقت اختلطت فيه المعايير لديه وهى الظاهرة المعروفة بمصطلح حالة الأنومى مما زاد من حالة الاغتراب فدخل فى دوامة من الاغتراب ومنها إلى اختلاط المعايير لديه إلى مزيد من الاغتراب فالوقوع فى مصيدة الأنومى وهى إحدى الحلقات المفرغة الجهنمية التي لا مناص من كسرها إلا بالثورة لإسقاط النظام القائم. 


هذه الأوضاع لم تكن جديدة لا على الشباب العربى عامة ولا على الشباب المصرى خاصة، فقد سبقتنا إليها شعوب ودول أخرى وقد بدأت الثورة الجديدة التى أطلق عليها الثورة الصامتة  لديهم فى عقد القلق وعدم الاستقرار الذى تكونت فيه مؤشرات التغيير دون أن ندرك جوهرها، عقد السبعينيات فى القرن العشرين وبدأت أساسا من ثلاث ديكتاتوريات فى أوربا هى إسبانيا والبرتغال واليونان والتى نجحت جميعها فى تغيير نظم الحكم فيها بناء على نشر نوعية جديدة من القيم السياسية عرفت بأنها القيم الدافعة للتنمية السياسية وهى القيم الفكرية غير المادية مثل قيم التعبير عن الذات وقيم العدالة الاجتماعية، وقيم التشاركية والتعامل مع الآخر، وقيم الكرامة الإنسانية والحرية، وهى إجمالا عكس القيم الأبوية والقيم التقليدية وقيم التواكل والتكاسل والقيم المادية التى  تتمحور حول الراتب المرتفع والسيارة والمنزل ومستواه، وقد انعكست هذه القيم على علاقة الإنسان فى البداية بالبيئة التى يعيش فيها مما أدى إلى ظهور الحركات الاجتماعية التى تتبنى حماية البيئة من التدهور مثل حركات الخضر فى العالم ومثل تزايد عدد الجماعات المدافعة عن انقراض طيور وحيوانات معينة مثل الأفيال والأسود، ثم انتقلت هذه القيم للمجال الإنسانى والسياسى مما أدى إلى تطور الفقه الدولى وظهور القانون الإنسانى وظهور اتجاه لمعالجة الانتهاكات الدائمة والمستمرة لحقوق الإنسان فكان إنشاء المحكمة الجنائية الدولية ،وفرضت هذه القيم الفكرية غير المادية نفسها على كثير من دول العالم الثالث فإذا بنا نشهد تحولات عديدة فى مفهوم الدولة بل ووظيفتها وكان أهم هذه التحولات أن الأمن الإنسانى أصبح وظيفة الدولة أما مفهوم الأمن القومى فقد اتسع واتسم بالشمول السياسى والاقتصادى والاجتماعى وأصبح من وظيفة الإقليم بمعنى أن أمن مصر أو أمن السعودية لم يعد مفهوما ضيقا تحققه كل دولة على حدة وإنما تأكد أنه أمن قومى شكلا وموضوعا  تحققه مجموعة دول مترابطة بأسس قومية أو بارتباطات قانونية وسياسية مثل الاتحاد الأوربى وهو تحول أدركته القمة العربية الأخيرة فأوكلت للجامعة العربية إنشاء القوة العربية المشتركة التى يمكنها دعم الأمن القومى العربى لمجمل دول الإقليم إلى جانب جهود كل دولة على حدة فى ضمان أمنها الداخلى.


إذن هناك تحولات عالمية فى القيم وفى تنظيم الحكم وفى تنظيم الاقتصاد وزاد من وتيرة هذه التغيرات الحادة حركة العولمة التى أضحت وسيلة تربط أطراف العالم وأدت إلى عولمة كثير من المجالات السياسية والاقتصادية وأدت إلى موت الزمن وموت المسافة فى التحليل والتخطيط السياسى إذ إن كل التحولات أضحت تتم فيما يطلق عليه الزمن الفعلى أو الحقيقى لوقت وقوع الحدث على بعد آلاف الأميال وبغض النظر عن الفارق الزمنى والموقع الجغرافى ومن ثم أضحى المواطن العادى –وليس النخبة -  يرى الحدث ويعبر عن رأيه فيه بل ويمكنه تطوير هذا الحدث وفقا لما عبر عنه من اتجاهات إنسانية وفى هذا السياق جاءت الثورة المصرية فى ٢٥ يناير ٢٠١١


كانت هاتان القضيتان أول ما تبادر إلى ذهني صبيحة الاحتفالية بالعيد الخامس والخمسين لإنشاء الكلية ،والقضيتان مترابطتان ولهما أهميتهما في أي مرحلة انتقالية لأي دولة مما يجعلنا نفكر في السياسة التعليمية التي نأمل أن يتم وضعها بصفة عاجلة والله الموفق والمستعان.