دماء على جدار السلطة (٢٠) خروجًا عن مبادئ الإسلام

27/04/2016 - 8:42:29

بقلم - رجائى عطية

بوفاة أبى العباس السفاح، انتقلت الخلافة إلى ولى العهد الأول، « أبو جعفر عبدالله بن محمد بن على العباسى » ـ الملقب بالمنصور، على أن يليه من بعده ابن عمه « عيسى بن موسى » طبقًا لولاية العهد المزدوجة التى أصدرها السفاح إبان ولايته.


ويتفق المؤرخون والدارسون، على أن أبا جعفر المنصور هو المؤسس الحقيقى للدولة العباسية، والذى يعزى إليه تمكين الأسرة العباسية من الحكم عدة قرون، وقد امتد حكمه اثنين وعشرين عامًا، من سنة ١٣٦ هـ/ ٧٥٤ م، حتى عام ١٥٨ هـ/٧٧٥م.


ولا شك أن المنصور شخصية عريضة الكفاءة، وذهب بعض المؤرخين إلى أنه كان أعظم الخلفاء العباسيين قوةً وبأسًا وحزمًا، وزاد البعض عليها صلاحه واهتمامه بمصالح الرعية، وبدقة النظام الذى اتبعه فى حياته الشخصية، وفى ممارسة الحكم، وبالجدية فى إدارة الأمور وفى بلاطه، وعرف بالحرص فى الإنفاق إلى حد وصفه بالشح، وإن قال المسعودى فى مروج الذهب إنه كان من الحزم وصواب الرأى وحسن الكياسة على ما تجاوز كل وصف، وأنه كان يعطى الجزيل والخطير طالما كان إعطاؤه حزمًا، ويمنع الحقير واليسير ما كان إعطاؤه تضييعًا، ووصفه ابن طباطبا صاحب « الفخرى فى الآداب السلطانية » بأنه: كان من عظماء الملوك وحزمائهم، وعقلائهم وعلمائهم، وذوى الآراء الصائبة منهم، والتدبيرات السديدة، وقورًا شديد الوقار، وحسن الخلق فى الخلوة، ومن أشد الناس احتمالًا لما يكون من عبث أو مزاح.. وكان يلبس الخشن، وربما رقع قميصه. وقيل ذلك لجعفر بن محمد الصادق عليهما السلام، فقال : « الحمد الله الذى ابتلاه بفقر نفسه فى ملكه».


وروى المسعودى كثيرًا من مواقف عدله وإنصافه، وروى فيما روى، أنه بينما كان بمجلسه يومًا، سقط بين يديه سهم وجد مكتوبًا على ريشته شعر يشير إلى عاقبة الظلم والذنوب والخطايا، وإلى عقاب السماء، وعلى جانبه مكتوب ما يفيد أن رجلًا من همذان مظلوم فى حبسه. فبعث المنصور لفوره بعددٍ من خاصته يفتشون فى
«الحبوس والمطابق»، فوجدوا شيخًا موثقًا بالحديد، متجهًا نحو القبلة.. يـردد الآيـة
«وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَى مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ»، وعرفوا أنه من همذان، فَحُمِلَ إلى المنصور، فسأله وسمع قصته فعرف أنه رجل من أرباب النعم فى همذان، وله ضيعة طيبة أراد الوالى هناك أخذها منه، فكبله بالحديد، وكتب فيه كذبًا أنه عاص فطرح فى هذا الحبس لأربعة أعوام بلا ذنب ولا جريرة.


وقالوا إن المنصور أمر لفوره بفك قيوده، والإحسان إليه، وإنزاله أحسن منزل، ورده إلى أهله، ورد إليه ضيعته وخراجه، وأمر بأن يتولى همذان، وحَكَّمه فى ذلك الوالى الذى ظلمه، وجعل أمره إليه.


دعا الشيخ الهرم للمنصور، وشكره، وأجابه بأنه قَبِلَ الضيعة التى ردها إليه، أما الولاية فلا يصلح لها، وأما الوالى فقد عفا عنه. بيد أن أبا جعفر أبى بعد أن صرفه ـ إلاَّ أن يعاقب الوالى على ما جناه وانحرف به عن العدل والإنصاف.


ومن أعماله التى سجلها له التاريخ، أنه وقد ضاق «بالأنبار» التى كان السفاح قد اتخذها عاصمة من قبله، ولاقى متاعب فى «الهاشمية» التى كانت قبالة مدينة ابن هبيرة، وبمدينة «الرصافة» بظهر الكوفة، وثارت عليه «الراوندية» بمدينته، فإنه قد مضى يبحث وينقب إلى أن اختار موضع« بغداد» على نهر «دجلة» شمال موقع مدينة «بابل» الأثرية، على بضعة كيلومترات شمال غرب «المدائن» القديمة، حيث أقام المدينة التى حملت فى البداية اسم مدينة المنصور، ثم «بغداد» واسم «الزوراء»، و« مدينة السلام»، وبنيت فى عامين بين سنتى ١٤٢ هـ/ ٧٦٢ م و١٤٤ هـ/٧٦٤م، وأقام لها أربعة أبواب: خراسان، والشام، والكوفة، والبصرة، ووالاها ومن تلاه، حتى صارت أهم مراكز العلم وملتقى العلماء والدارسين وصاحبة المكانة العظيمة التى صارت إليها.


ولو كان مقصود هذه السطور تقييم أمجاد الدولة، وما حققه الحاكم المنصور من إنجازات، لاتسع المجال لكثير مما يقال، بيد أن الغاية هنا هى بيان أمراض عشق السلطة، وما أدت إليه من مثالب لولاها لحققت الحضارة الإسلامية أضعاف ما حققته !


« أنا سلطان الله فى أرضه» !


تجاوز أبو جعفر المنصور الخطبة الثيوقراطية التى ألقاها أخوه السفاح بالكوفة، وادعى فيها أنهم يرثون الخلافة من النبى عليه الصلاة والسلام، ولهم ما كان له فى القرآن، فإذا بالمنصور ينتقل خطوة أخرى فى المفهوم الثيوقراطى الصريح فى الحكم، فيدعى أنه سلطان الله فى الأرض، يسوس الناس بتوفيقه وتسديده، ويعمل بمشيئته، وهو خارن فيئه، والذى يقسمه بإرادته، ويعطيه بإذنه.


وقد أورد الطبرى وغيره أن المنصور خطب فى يوم عرفه، وفى رواية أخرى أن ذلك كان فى أيام منى، فقال فى خطبته: «أيها الناس! إنما أنا سلطان الله فى أرضه، أسوسكم بتوفيقه وتسديده، وأنا خازنه على فيئه، أعمل بمشيئته، وأقسمه بإرادته، وأعطيه بإذنه. فقد جعلنى الله عليه قفلا، إذا شاء أن يفتحنى لأعطياتكم وقسم فيئكم وأرزاقكم فتحنى، وإذا شاء أن يقفله أقفلنى. فارغبوا إلى الله أيها الناس، وسلوه فى هذا اليوم الشريف، الذى وهب لكم فيه من فضله ما أعلمكم به فى كتابه إذ يقول تبارك وتعالى : «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا» ـ أن يوفقنى للصواب، ويسددنى للرشاد، ويلهمنى الرأفة بكم والإحسان إليكم، ويفتحنى لأعطياتكم وقسم أرزاقكم بالعدل عليكم إنه سميع قريب!».


ولو أن أبا جعفر المنصور كان صادقًا فى معتقده الذى زعمه وأبداه، لكان مقتضى هذا أن يرتفع بسلوكه وعمله إلى الأوج السامق الذى يقتضيه أنه ـ فيما يرى ـ سلطان الله فى أرضه، الذى يسوس بتسديده، ويعمل بمشيئته وإرادته، المتحدث باسمه، الخازن لفيئه ـ الذى يعطى منه ويقسمه بإذنه.. فمن يحمل هذا التفويض الإلهى، ويدعى النيابة عن الله عز وجل ـ لا يقتل، ولا يغدر، ولا يخون، ولا ينكث بالعهود والمواثيق، ولا يروع عباد الله!


ولكننا سنرى أن أبا جعفر المنصور، بغض النظر عن إنجازاته ونجاحاته فى توطيد دعائم ملكه، وإرساء ركائز دولتهـ قد انطوى فى أعمق أعماقه على النكث بالعهد، دون أن يلقى للعهود والمواثيق بالًا، وسنرى أنه قد غرق فى الغدر وسفك الدماء، وارتكب من كبائر قتل النفوس التى حرم الله ـ ما لا يعقل أن يقع فيه من ينسب نفسه وعمله إلى الحق سبحانه وتعالى، ويدعى أنه الناطق بلسانه، المتحرك بمشيئته!


ولاية العهد


والداء الوبيل


العالق بالجميع!


تولى أبو جعفر المنصور الخلافة بمقتضى عهد، لا بشجرة الميراث التى تحدث عنها أبو العباس السفاح بخطبته بمسجد الكوفة يوم مبايعته فى ١٢ ربيع الأول سنة ١٣٢ هـ. فالمنصور ليس الوارث الذكرـ طبقًا لمنظور الميراثـ لأخيه أبى العباس السفاح، وإنما يرثه أكبر أبنائه من الذكور، وليس بالوارث إذا صَعَد إلى أصول شجرة الميراث المدعاة للأسرة فالعباسية، فلا يزال على قيد الحياة من أبناء «على بن عبد الله بن العباس»، والأقرب من ثم إلى «العباس» المنسوب إليه «حق الإرث» ـ كل من عبدالله، وسليمان، وعيسى ـ أبناء «على بن عبدالله بن العباس»، وكان أكبرهم سنًا ـ طبقًا لمنظور الميراث، هو صاحب حق الإرث وليس «أبو العباس بن محمد بن على» المعروف بالسفاح، ولا أخاه «أبو جعفر عبد الله بن محمد بن على»!


وعلى ذلك فلم تكن خلافة السفاح التزامًا بشجرة الميراث، فإذا سلمنا بخلافته كأمر واقع استمر أربع سنوات، فإن أبا جعفر المنصور ليس «الوريث» لخلافته طبقًا لقواعد ومنظور الميراث الذى ادعاه العباسيون.


وإنما تولى أبو جعفر المنصور الخلافة بمقتضى «عهد»، هذا «العهد» الذى أصدره الخليفة «أبو العباس بن محمد بن على»، وهو «عهد» ذو شقين، أن يتولى أبو جعفر الخلافة بمقتضى أنه الأول «فى العهد»، وأن يليه فى «العهد» «عيسى بن موسى بن على»، وواضح أن عقد «العهد» التالى لعيسى ـ مرده إلى إرضاء الجيل الأسبق فى شجرة الأسرة العباسية، باعتباره ابن «موسى بن على» الذى كان فيما يبدو أكبر أبناء «على بن عبد الله بن العباس»، وتجاوزه الاختيار يوم تولى «أبو العباس بن محمد بن على» قفزًا على حق الباقين من أبناء «على بن عبد الله بن العباس».


إذن فإن خلافة أبى جعفر المنصور لم تكن بإرث، وإنما كانت «بعهد»، وأن هذا
« العهد» لم يقتصر عليه، وإنما شمل من بعده «عيسى بن موسى بن على».


بيد أن أول ما أضمره أبو جعفر المنصور، هو «خيانة» هذا «العهد» والعصف به، لإزاحة «عيسى بن موسى» ونقل ولاية العهد إلى «المهدى» ابن أبى جعفر المنصور.


وواضح أن «خيانة العهد» كانت أصلًا متبعًا فى البيت الأموى ثم فى البيت العباسى، ولم يتعظ أحد من الأسرتين بأنها أُسّ البلاء، فضلًا عن أن احترام العهود أصل من الأصول الإسلامية، ومن صفات المؤمنين، وأن خيانته لا تليق بمن ينسبون خلافتهم إلى الإسلام، الذى يستديرون لمخالفته بل لضربه حينما لا يجارى مصالحهم الصغيرة قبل الكبيرة !


ومنذ تولى أبو جعفر الخلافة، وهو يسعى لإزاحة «ولى العهد» الثانى بعده :
«عيسى بن موسى بن محمد»، ليعقدها قوةً واقتدارًا لابنه «المهدى» !


وقد أورد الطبرى أكثر من قصة نقلا عن الرواة، فى خبر بيعة أبى جعفر المنصور لابنه المهدى، وخلع عيسى بن موسى، فأورد بسنده أن أبا جعفر كان قد أقر فى البداية ولاية العهد من بعده لعيسى بن موسى كما أمضاها أبو العباس السفاح، وولاه ولاية الكوفة وسوادها، وكان له مكرمًا مجلًا، ويقدمه فى مجلسه على ابنه المهدى، فيجلسه إلى يمينه والمهدى إلى يساره، فلما عزم المنصور على تقديم ابنه المهدى فى ولاية العهد ليكون عيسى بن موسى من بعده، اعترض عيسى على ما فاتحه فيه الخليفة متوسلًا إليه برقيق الكلام، وقال له معترضًا : «فكيف بالأيمان والمواثيق التى علىّ وعلى المسلمين والأيمان المؤكدة، ليس إلى ذلك سبيل يا أمير المؤمنين!»


وفى رواية ابن طباطبا صاحب «الفخرى فى الآداب السلطانية والدولة الإسلامية»،
أن المنصور التمس منه ذلك، ولما فاوضه فى خلع نفسه قال له عيسى: «يا أمير المؤمنين ! كيف أصنع بالأيمان التى فى رقبتى وفى رقاب الناس، بالعتاق والطلاق والحج والصدقة؟ ! ليس إلى الخلع سبيل». وأضاف صاحب الفخرىـ فيما يتفق مع رواية الطبرى ـ أنه عندما رأى أبو جعفر امتناعه، تغير وبدأ بمباعدته بعض المباعدة فى مجلسه، وجعل يأذن للمهدى قبله، ثم جعل يجلس المهدى إلى يمينه حتى يضطر عيسى حين يؤذن له للجلوس إلى يساره، فلما عمد عيسى إلى تجاهل ذلك والجلوس دون مكان المهدى إلى يمين المنصور أيضًا، تصاعد أبو جعفر فى مباعدته، وصار إلى ما هو أغلظ من ذلك، وقد أفاض الرواة فى ذكر تفاصيل ما كان يجرى من ذلك ولا يليق أن يصدر عن الخليفة، ولا فى مجلسه، مثلما لا يليق أن يكون فى حق ابن عمه على مكانته الغير منكورة فى البيت العباسى وبين المسلمين، وعلى تفصيلات ظلت تتصاعد والكل يرقبها ويتحدثون بها همسًا، بينما عيسى بن موسى يترفع عن الشكوى ولا يشكو للمنصور الذى كان يأمل أن يشكو إليه، فلما جاوزت الأمور حد الخفاء، جعل المنصور يفتعل الغضب مما يجرى لابن أخيه، ثم يلمّح إليه بأن هذا من فعل محبى المهدى، الذين يأخذون عليه عدم استجابته للتنازل له ليكون فى ولاية العهد من بعده. وظلت هذه الأفاعيل تتصاعد، حتى تنوقلت رواية بأنه قد دُسّ لعيسى بن موسى ما يتلفه، فمرض مدة، ثم أفاق من مرضه.


وقيل إن «عيسى بن على» عم المنصور، كان يقول له إن عيسى بن موسى يمتنع عن البيعة للمهدى لأنه يتربص هذا الأمر لابنه موسى، فأشار المنصور على عمه
«عيسى بن على» أن يتحدث بذلك إلى «موسى بن عيسى بن موسى» ويخوفه على أبيه وعلى نفسه من غضب الخليفة، ففعل، وقيل إن موسى وجل مما حذره منه عم المنصور، فأتى «العباس بن محم» : شقيق السفاح والمنصور وإبراهيم المعروف بالإمام، فأستأمنه على ما سوف يستشيره فيه بحكم عمومته له، وأفضى إليه بهواجسه التى نقلت إليه قصدًا كتحذير، واتفق معه على خطة لإثناء أبيه «عيسى بن موسى» عن تمسكه بولاية العهد، بأن يلاقيه المنصور ويخوفه من أنه يفهم أن لا يطمع فى الأمر لنفسه فقد تقدم عمره، وإنما يريده لابنه موسى، ويهدده بأنه لن يقبل أن يكون نجله المهدى بعد موسى، فهو ابنه الأثير لديه، ولن يترك موسى يلى عليه، ثم يمعن فى تخويفه بالتعرض لابنه موسى بالخنق أو بالسيف، وأن عيسى حينما يرى ذلك سيضن بابنه على الموت، ويستجيب لما يريده الخليفة المنصور، فشكر له «العباس بن محمد» هذا الموقف، وحياه على أنه فدى أباه بنفسه!


وقيل إن المنصور رحب بذلك وأثنى على «موسى» بن عيسى، وشرع فى تنفيذ ما أشار به، إلاّ أن الأمور لم تجر طبقًا للمخطط لها فى تفصيل ذكره الطبرى، ثم تعدل الأمر وخال على «عيسى بن موسى»، فطلب من المنصور أن يكف عن ولده
«موسى»، فلم يكن يظن أن الأمور تبلغ منه هذا الحد، وأنه لم يكن ليرتضى أن يقتل بسبب ولايته أحد عبيده، فكيف بابنه ! ثم مَدَّ يده بالبيعة للمهدى، وأن المنصور سعى لاسترضائه بأن يقبل أن تكون ولاية العهد له من بعد المهدى، فاعتذر «عيسى» بأنه ليس له أن يدخل فى الأمر بعد أن خرج منه، إلاَّ أن الخليفة المنصور لا زال به مع من حضر من أهل بيته حتى أذعن وقال للخليفة أنت أعلم يا أمير المؤمنين.


كتابان بين أبى جعفر وعيسى بن موسى


أورد الطبرى فى تاريخه ـ أن القصة الآنفة منسوبة إلى آل عيسى، وأن الذى يحكى من غيرهم، أن المنصور حين رفض «عيسى» خلع نفسه لصالح «المهدى»، وأخذ الجند يتعرضون «لعيسى» بالسوء، نهاهم المنصور عن ذلك، وهددهم، إلاَّ أنهم كانوا يكفون ثم يعودون، ومكث الأمر على ذلك زمنًا، ثم كتب أبو جعفر المنصور خطابًا مطولًا إلى «عيسى بن موسى» أورده الطبرى بنصه، يقنعه فيه بأن يقبل نصحه ويتنازل عن ولاية العهد للمهدى على أن تكون له من بعده.


وقد نقل المؤرخون عن الرواة، كتابًا طويلًا قيل: إن عيسى بن موسى ردَّ به على كتاب الخليفة المنصور، أورده الطبرى بنصه، ورد فى صدره أنه خاطب عمه الخليفة بقوله: «أما بعد فقد بلغنى كتابك تذكر فيه ما أجمعت عليه من خلاف الحق وركوب الإثم فى قطيعة الرحم، ونقض ما أخذ الله عليه من الميثاق من العامة بالوفاء للخلافة والعهد لى من بعدك، لتقطع بذلك ما وصل الله من حبل، وتفرّق بين ما ألف الله جمعه، وتجمع بين ما فرق الله أمره، مكابرةً لله فى سمائه، وحولًا على الله فى قضائه، ومتابعةً للشيطان فى هواه، ومن كابر الله صرعه، ومن نازعه قمعه..»، ومضى الكتاب المذكور على ألفاظ ثقيلة من هذه الشاكلة، وانتهى بخاتمة أثقل غلظة، رافضًا ما عرضه عليه من نزول عن ولاية العهد.


وأحسب أن صياغة هذا الكتاب الذى نشره الطبرى، من عمل الرواة، وأستبعد لاعتبارات كثيرة أن يخاطب عيسى بن موسىـ الخليفة المنصور بهذا الأسلوب الغليظ، بيد أن المقطوع به بغض النظر عن الصياغة الحقيقية للكتاب، أن عيسى بن موسى صمم على رفض التنازل عن ولاية العهد الذى طلبه إليه الخليفة أبو جعفر المنصور، وأن هذا الرفض كفيل بذاته بالغضب الشديد الذى استقبل به المنصور رفض عيسى ما عرضه عليه!


وذكر الرواة أن المنصور حين تلقى جواب عيسى، بعث إلى خالد بن برمك، وكلفه بالحديث إليه فقد يرى حيلةً معه بعد أن أعيته الحيل فى اقناعه أو اكراهه، وقيل إن خالد بن برمك ذهب إليه فى ثلاثين رجلًا من كبار الشيعة، ولكنهم لم يبلغوا مع عيسى ما أراده الخليفة، فلما خرجوا من عنده، اقترح عليهم ابن برمك أن يخبروا أمير المؤمنين بأنه قد قبل التنازل، ويشهدوا عليه بذلك فإنهم بهذا يحقنون دمه، وقد فعلوا، فأخرج المنصور التوقيع بالبيعة للمهدى، وكتب بذلك إلى الآفاق، إلاَّ أن عيسى حينما بلغه نبأ هذه البيعة أتى المنصور منكرًا ما ادعوه عليه من إجابتهم إلى تقديم المهدى على نفسه، وذكره الله فيما يفعل، فاستدعى إليه ابن برمك ومن ذهبوا معه، فكرروا أنه قد أجابهم، بينما صمم عيسى على نفى هذا الزعم، بيد أن أحدًا لم يلتفت إلى نفيه وإنكاره، وأمضى أبو جعفر الأمر وفقًا لما شرع فيه، وشكر لخالد بن برمك ما كان منه، وقيل إن المهدى عرف ذلك له، ووصفه بجزالة الرأى منه!


الغدر وخيانة العهد


وسفك الدماء بغير حق !


ويأخذ المؤرخون والدارسون المحققون ـ يأخذون على المنصور أبى جعفر، ميله لسفك الدماء، وأن هذا الميل لسفك الدماء قد اقترن بالغدر والخيانة، والإخلال بالعهد والميثاق، وبالأمان الذى أعطاه أكثر من مرة، ثم أخل به وغدر وقتل واستباح دم من أعطاه الأمان، وخان من وقف إلى جانبه وساعده وانتصر له، وامتدت إراقة الدماء إلى العصبة من ذوى القرابة القريبة، ورغم الأمان الذى أعطاه، ويأخذون عليه غدرات محددة لا تستقيم مع مبادئ الإسلام، ولا مع الإنتساب الذى يدعيه إلى الله عز وجل، وينسب به عمله إلى مشيئته وإرادته.


الغدر بيزيد بن عمر بن هبيرة


رغم العهد والأمان !


أورد الطبرى فى تاريخة، وابن الأثير فى الكامل، والدينورى فى الأخبار الطوال، ان أبا العباس السفاح كان قد وجه أبا جعفر المنصور إلى «واسط» لمحاربة «يزيد بن عمر بن هبيرة» وكتب إلى «الحسن بن قَحْطبة» يعلمه بأن العسكر عسكره، وبأنه أحب أن يتولى أخوه الأمر، فلما وصل أبو جعفر إلى «واسط»، تحول «الحسن بن قَحْطبة» من مقره، وخلاه بما فيه له، وكاتب أبو العباس اليمانية من أصحاب ابن هبيرة يطمعهم ويمنيهم، وكتب أبو جعفر إلى قواد «يزيد بن عمر بن هبيرة» يستميلهم هو الآخر ويطمعهم ويمنيهم ليتركوا ابن هبيرة وينضموا إليه، فأجابوه. وكان أول من أجابه «زياد بن صالح الحارثى» عامل ابن هبيرة على الكوفة، وأخص أصحابه عنده، وقال ردًّا على من نصحه بأنه لا يحب له الغدر والخيانة، رَدَّ بأنه لا يرى أن يقيم على مُلْك قد انفضت قواه، وأنه سيكون فى موضعه هذا أنفع لابن هبيرة، وقيل إن «زياد بن عبدالله الحارثى» حذا حذو «زياد بن صالح»، وأورد ابن الأثير أنهما وعدا ابن هبيرة بأن يصحّحا له الأمور من ناحية أبى العباس، ولكنهما لم يفعلا.


وطال حصار أبى جعفر لابن هبيرة، وقيل إنه جرت بينهما السفارات، ووافق أبو جعفر أن يعطيه الأمان على حكم أمير المؤمنين أبى العباس، وكتب له كتابًا بذلك تشاور فيه ابن هبيرة مع نصحائه، فأشاروا عليه أن يقبل، فأرسل إلى أبى جعفر بقبوله، فكتب له أبو جعفر أمانًا بخطه، وأشهد فيه القواد على نفسه، وزاد اليعقوبى أنه شُرِط فيه لابن هبيرة ما سأل، وختمه أبو العباس ( السفاح )، وقيل بل أمر المنصور بإمضائه.


وأورد ابن قتيبة نص هذا الأمان ومن عباراته أن أبا جعفر قد أَمَّن ابن هبيرة ومن معه ـ «بأمان الله لا إله إلاَّ هو، الذى يعلم سرائر العباد وضمائر قلوبهم، ويعلم خائنة الأعين، وما تخفى الصدور، وإليه الأمر كله، أمانا صادقا لا يشوبه غش ولا يغالطه باطل، على أنفسهم وذراريهم وأموالهم، وأنه أعطى يزيد بن عمر بن هبيرة ومن أمنه فى أعلى كتابه هذا بالوفاء، بما جعله لهم من عهد الله وميثاقه».. إلى آخر ما ورد فى الأمان الذى أورد ابن قتيبة نصه.


وقيل إن السفاح الذى كان لا يقطع أمرًا دون أبى مسلم الخراسانى، كتب إليه يشاوره فى أمر ابن هبيرة، فكتب إليه أن الطريق السهل إذا ألقيت فيه الحجارة فسد، وأنه لا يصلح طريق فيه ابن هبيرة. فكتب السفاح إلى أبى جعفر بأنه «لا حكم لابن هبيرة عنده إلاَّ السيف»، فكتم أبو جعفر ذلك عن جميع الناس، وظل يواصل ابن هبيرة ويطمئنه، ثم إحتال عليه بأن أرسل إليه من يقترح ألاَّ يركب إليه فى موكب عظيم، فإن ذلك يوغر صدورًا، لأنه كمن يأتى ولى العهد (يقصد المنصور) مباهيًا، فالتقط ابن هبيرة الطعم، وأبدىـ أو وافق ـ ألاَّ يركب إلى المنصور إلاَّ فى غلام واحد، ولم يعد يذهب إليه إلاَّ فى رجلين أو غلامه، حتى إذا ما اطمأن الرجل، أمر أبو جعفر المنصور ـ الحسن بن قَحْطبة، بأن يجمع إليه نفرًا عينهم له من قواد ابن هبيرة، فإذا اجتمعوا عنده ضرب أعناقهم، وأتاه بخواتيمهم، ووجه حرسًا يحرسون ابن هبيرة حتى ينفذ فيه أمر أبى العباس.


ثم إن أبا جعفر المنصور دَعَا إليه خازم بن خزيمة وإبراهيم بن عقيل، وأمرهما أن ينطلقا فى عشرة من الحرس حتى يداخلوا على ابن هبيرة، فيقتلوه.


ووصف الدينورى هذا لمشهد فى «الأخبار الطوال»، فأورد أنهم حين دخلوا على ابن هبيرة فى مسجده بالقصر، وظهره إلى المحراب، أحس فى وجوههم الشر، فقال لحاجبه أحلف بالله إن فى وجوه القوم لشرٌّ، وما كاد يتم عبارته، حتى قتلوا الحاجب، وقتلوا
« إبراهيم» و« داود» من أولاد ابن هبيرة، وأجهزوا على كاتبه «عمرو»، فلما دنوا من ابن هبيرة لقتله، حول وجهه إلى القبلة، وخر ساجدًا، فضربوه بأسيافهم حتى خمد!


والعجيب أنه حين نقل النبأ إلى المنصور، لم يجد بأسًا فى أن ينادى فى الناس بالأمان مرة أخرى، فأمر بمن ينادى فيهم: «أيها الناس، أنتم آمنون إلاَّ الحكم بن عبدالملك بن بشر، ومحمد ـ أو عمر ـ ابن ذَرّ، وخالد بن سلمة المخزومى، فهرب من هرب، واستخفى من استخفى، فلم يعد أحد يصدق أمثال هذا الأمان الذى يُنْقض قبل أن تصل عبارته أو يجف مداده !»


الغدر بالعم عبدالله بن علىّ،


وقتله رغم العمومة والأمان!


لم يتقبل جيل الأعمام، أن يعهد السفاح بولاية العهد إلى أخيه أبى جعفر المنصور، ومن بعده لابن أخيهم عيسى بن موسى، وخرج عمهم «عبدالله بن على» والى الشام على هذا الاختيار، وأخذ على السفاح أنه جعل الخلافة من بعده لمن انتدب لقتل مروان بن محمد، وتجاهل الكبار، فلما مات أبو العباس دعا عبد الله بن علىّ لنفسه، واستمال من كانوا معه، ومع أن أبا جعفر المنصور كان قد ألح على أخيه السفاح فى قتل أبى مسلم الخراسانى على ما مَرَّ بنا، إلاَّ أنه حين انتفض عمه «عبد الله بن علىّ» ـ لم يجد بأسًا فى أن يستعين عليه بأبى مسلم الخراسانى المزمع قتله، فاستدعاه ليقول له مراهنًا:
«أيها لرجل، إنما أنا وأنت، فإما أن تسير أنت إلى الشام فتصلح أمرها، أو أسير أنا»، فقال أبو مسلم كارهًا : «بل أسير أنا».


وسار أبو مسلم الخراسانى فى اثنى عشر ألفًا من أبطال جنود خراسان ، حتى إذا وافى الشام انحاز إليه من كانوا بها من جنود ، وانفض معظم من كانوا مع «عبد الله بن على» فحاصره الخراسانى بقرب «نصيبين» وهزمه بعد قتال شديد فى جمادى الآخرة سنة
١٣٧ هـ ، واستطاع «عبدالله بن على» أن يلحق بأخيه «سليمان بن على» بالبصرة، فآواه وأقام متواريًا عنده زمنًا.


فلما تناهى الأمر إلى أبى جعفر المنصور، أرسل إلى سليمان بإنفاذ «عبدالله بن على»، وأعطاه فى سبيل ذلك «الأمان» الذى رضى به، فلما وصل إليه «عبد الله» ـ أمر بسجنه ، وظل سجينًا لديه عشر سنوات حتى سنة ١٤٧ هـ.


فلما كانت سنة ١٤٧ هـ ، وكان ملك أبى جعفر المنصور قد توطد ، ولم يعد هناك ما يخشاه من عمه السجين «عبد الله بن على» ، إلاَّ أنه لم يطق صبرًا فيما يبدو على بقائه حيًّا ، فاستدعى إليه «عيسى بن موسى» الذى كان قد خلع نفسه ـ بعد ضغوط شديدة ـ من ولاية العهد لصالح المهدى بن أبى جعفر المنصور، وأمره بقتل عمه «عبد الله بن على» ، ومنَّاه بأن الخلافة صائرة إليه بعد «المهدى»، وأكَّد عليه أن يضرب عنقه ، وحذره من أن يلين أو يرق له فيضعف ما دبره المنصور لاستقامة الأمور.


ويروى ابن الأثير، أن «يونس بن فروة» كاتب «عيسى بن موسى» قد حذره من أن يقتل «عبد الله بن على»، ونبهه إلى أن المنصور عهد إليه بذلك سرًّا ، ولكنه سوف يدعى عليه بعد ذلك علنًا بقتله ، فيضرب بذلك عصفورين بحجر واحد ، وأوصاه بأن يخفيه ويكتم أمره ، ففعل.


وصدق حدس «يونس بن فروة»، فإذ بالمنصور حين أتاه بعض أعمامه ليتشفعوا لأخيهم «عبدالله بن على»، أظهر المنصور قبول شفاعتهم وهو على يقين بأن عمه
قد قتل ، فاستدعى إليه «عيسى بن موسى»، وقال له متجاهلًا ما سبق أن كلفه به،
إن هؤلاء من أعمامه قد تشفعوا فى «عبدالله بن على»، فقبل شفاعتهم، ثم قال
لعيسى: «إنى كنت قد دفعت إليك عمى وعمك عبد الله ليكون فى منزلك، وقد كلمنى عمومتك فيه، وقد صفحت عنه فأتنا به».


هنالك تخابث عليه «عيسى بن موسى»، وقال له ليكشفه أمامهم: «ألم تأمرنى يا أمير المؤمنين بقتله؟ فقتلته !»، فأسقط فى يد المنصور ، فقال منكرًا : ما أمرتك ! قال عيسى : بلى أمرتنى ! ـ قال المنصور: ما أمرتك إلاَّ بحبسه وقد كذبت!».


وعند ذلك افتضح ما كان ينويه المنصور وحذَّر منه «يونس بن فروة»، فقال لأعمامه محرضًا إياهم على «عيسى»، ها هو قد أقر لكم بقتل أخيكم ! قالوا : فادفعه إلينا نقيده به. فسلمه إليهم ، وخرجوا به إلى الرحبة.


فلما اجتمعوا على «عيسى» ، وقام أحدهم لقتله ، سأله «عيسى» مستنكرًا : أفاعل أنت؟ قال : إى والله ! فطلب منهم «عيسى» أن يردوه إلى أمير المؤمنين ليواجهه ، ولما دخل عليه فَجَأَهُ بقوله : «إنما أردت بقتله أن تقتلنى. إن عمك حى سوى». فلم يصدق
أبو جعفر ، وأمره أن يأتيه به ، ففوجئ بعبد الله بن على حيًّا أمامه ، وأسقط فى يده ،
ولم يجد أمامه سوى أن يطلب من أعمامه أن ينصرفوا حتى يرى رأيه فى هذا الأمر ، فانصرفوا.


ويقول الرواة إن المنصور أمر« بعبد الله بن على» ـ نقضًا للأمان ـ فوضع فى بيت أساسه واهٍ قيل إنه من ملح ، وأجرى الماء فى أساس البيت حتى انهار عليه ، فمات ودفن فى مقابر باب الشام !


وروى ابن الأثير أن المنصور ركب يومًا ومعه «ابن عياش المنتوف» ، فسأله المنصور عما إذا كان يعرف ثلاثة خلفاء أسماؤهم على حرف العين قتلهم ثلاثة بداية أسمائهم أيضًا على حرف العين، فأجابه ابن عياش مواريًا: لا أعرف إلاَّ ما يقوله العامة ، إن عليًّا قتل عثمان، وكذبوا. وإن عبد الملك قتل عمرو بن سعيد ، وإن عبدالله بن على سقط عليه البيت.. فقال له عبدالله المنصور: إذا سقط عليه البيت فما ذنبى أنا؟. قال عياش: ما قلت إن لك ذنبا!