رجال الرئيس أوجه الشبه الستة بين عبد الناصر والسيسى

20/04/2016 - 1:45:28

تحليل يكتبه: أحمد أيوب

إن كان من فائدة لنكسة ٦٧ فهى أنها أقنعت الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بضرورة التخلص من أهل الثقة والشلة والأصحاب، لأن البلد يمكن أن تغرق إذا ظل يعتمد على هؤلاء ويقربهم منه ويمكنهم من السلطة، فخرج ناصر من النكسة بقرارات أهمها وأخطرها استبدال أهل الثقة بأصحاب الكفاءة والعلم والخبرة ، وكانت أكثر المؤسسات التى استفادت من هذا الانقلاب الناصرى على أهل الثقة هى المؤسسة العسكرية التى قرر ألا يتولى قيادتها سوى أصحاب الكفاءة والاحتراف العسكرى، فقلد الفريق محمد فوزى قيادة القوات المسلحة ليصلح ما أفسده صديقه عبد الحكيم عامر، وعندما غير عبد الناصر رجاله حافظ على مكانته واستعاد شعبيته وأعاد إصلاح أحوال البلاد وجهز جيشه لرد الكرامة لولا وافته المنية ليكمل السادات المهمة بنجاح،


على العكس تماما جاء مبارك برجال ورث أغلبهم من العصر الساداتى وبعضهم ناصرى امتلكوا الخبرة والحنكة التى ساندته فى سنوات حكمه الأولى ليكتسب حبا وتعاطفا شعبيا بقرارات ومشروعات جماهيرية، حتى لغة خطابه كانت قريبة من الناس، ولا ينسى أحد كلمات مبارك فى سنواته الأولى، منها» الكفن ملوش جيوب» « مدة واحدة كافية»، وكل كلمة لازم تبقى ميزان من دهب»


كل هذه لم تكن مجرد جمل إنشائيه وإنما سياسة سار عليها مبارك فى بدايته بدعم ممن حوله وكان يستمع إليهم جيدا ويأخذ بنصائحهم، وكان أبرز هؤلاء الدكتور أسامة الباز والدكتور مصطفى الفقى،


لكن عندما تغيرت الأحوال واستبدل مبارك هؤلاء بآخرين وتمرد على حنكة كمال الشاذلى وجرأة عمرو موسى ومهنية مكرم محمد أحمد ، وجاء برجال نجله جمال مبارك من أصحاب المصالح وعديمى الخبرة والطامعين فى المناصب والمتعجلين للحصول على نصيبهم من الكعكة تبدلت الأحوال مع مبارك وحدث الانهيار السريع الذى كانت خاتمته ثورة شعبية أطاحت بالنظام كله،


فمثلما كان تغيير الشلة هو بداية التصحيح والإنقاذ لعبد الناصر كان الانتقال لشلة جمال هو بداية الانهيار لمبارك، ورغم أن هذه الشلة واجهت غضبا من بعض الوطنين أصحاب الخبرة والخائفين على البلد مثل المشير حسين طنطاوى، لكن مبارك لم يكن يستمع لهؤلاء واستسلم تماما لشلة نجله وما يقررونه، وهو ما أغضب الكثيرين وخاصة من داخل المؤسسة العسكرية الذين تأكدوا أن مبارك يسلم مصر لمن لا يعرف كيف يصونها، وكان أكبر دليل على هذا الغضب وخروجه إلى العلن أن المشير طنطاوى نفسه وصل غضبه فى أحد اجتماعات مجلس الوزراء، وتحديدا أثناء طرح موضوع بيع بنك القاهرة، إلى درجة من الحدة غير المسبوقة فى الحديث حسب ما سرب عن هذا الاجتماع وقال» مش شوية عيال أمريكان هايديروا البلد» وكان لهذا الغضب أثره فى إيقاف الصفقة التى كانت بداية لسلسلة من قرارات أخرى أخطر


الشلة الجمالية، كما كانوا يلقبونها داخل الحزب الوطنى، بداية من ٢٠٠٥ أحاطت بمبارك وقطعت عنه كل سبل الاتصال بالآخرين، وفرغت الرئاسة من كل اصحاب الخبرة والرؤية ليسيطروا على مقاليد الامور وقرارات مبارك وحدث هذا ايضا داخل الحزب الوطنى حتى وصل الأمر إلى حد الصدام أو الحرب المعلنة داخل النظام بين من لقبوا بالحرس القديم ويقودهم صفوت الشريف، ورجال جمال ويقودهم أحمد عز، وكان الضرب مباحا وقسمت البلد فيما بينهم بينما كان مبارك شبه مبعد أو مغيب، وكثيرا ما تداولت معلومات عن سخرية رجال جمال فى جلساتهم المغلقة من مبارك نفسه،بل وقيل أن جمال نفسه كان على علم أو ربما يشارك فى بعض السخرية بشكل غير مباشر، فقد كان يرى سياسات والده قديمة ولا تحقق أحلامه، وكثيرا ما كان يلجأ رجال مبارك للضغط أو للتلاعب لتمرير ما يريدونه من سياسات، ففى أحد المؤتمرات السنوية للحزب الوطنى كانت إحدى الأوراق المطروحة عن سياسات البعد الاجتماعى والفئات الأكثر فقرا، وعندما عرضت على مبارك رفضها سبع مرات لإعتراضه على مضمونها وفى كل مرة كان يطلب تعديلها ووضع آليات وبرامج حقيقية للفقراء، لكن مجموعة جمال كانت تتحايل على ما يطلبه مبارك حتى انتهت إلى ورقة طبعت فى اللحظات الأخيرة وقبل بدء المؤتمر بساعات قليلة ليتحجبوا بأنه لا يمكن التعديل مرة أخرى تحت ضغط الوقت


بالتأكيد كان لمبارك مجموعة أخرى تنبه من خطورة ترك الأمر لرجال جمال، وهو ما خلق حالة من الصراع، و انتقل الداء إلى رجال جمال أنفسهم فى معركتهم على من يكون أقرب إلى الرئيس القادم، ومن يستطيع أن يأخذ جمال إلى مربعه ويقنعه بأفكاره،


كانت نهاية كل هذه الصراعات بين البطانة القريبة التى تحكمت فى القصر وحاصرت مبارك وبعضهم اقترب منه رغما عنه، أن سقط النظام بالكامل


البطانة مع محمد مرسى لم تكن من اختياره ولا بمزاجه وإنما كانت مفروضة عليه بتعليمات واختيار مكتب الإرشاد وخيرت الشاطر، فقد كانوا رجال الجماعة الذين تم تسكينهم ليس كرجال للرئيس وإنما كأصحاب قرار داخل الرئاسة، بل الحقيقة أن مرسى نفسه فى بعض التصنيفات لم يكن رئيسا وإنما كان واحدا من رجال الرئيس الخفى داخل الاتحادية، ولأنهم كانوا يعملون لصالح الجماعة وليس الدولة، وللتخديم على مخطط الشاطر وليس طموحات الشعب، فقد انتهى الأمر بسقوط مرسى وجماعته فى ليلة واحدة وقبل أن يكملوا عاما داخل القصر الجمهورى


عندما تولى المشيرالسيسى الرئاسة حاول اتخاذ منهج مختلف تماما، فمن البداية لم تكن له شلة ولا أصدقاء، قالها بوضوح منذ اللحظة الأولى أنه ليس فى رقبته دين أو جميل لأحد، وقد وضح هذا فى أغلب الاختيارات التى لم تراعى سوى الكفاءة وكانت سببا فى انقلاب البعض عليه بعدما فقدوا الأمل فى الحصول على المكافأة والترضية بمنصب كما كانوا يتوقعون او يمنون انفسهم،


وفيما يخص القرارات لجأ السيسى إلى سياسة المجالس الاستشارية التى تعتمد فى عضويتها على السيرة الذاتية للمرشح ، فكون مجلسا للعلماء وآخر للاقتصاديين وثالثا للتنمية الاجتماعية، وجمع فى هذه المجالس نخبة من أصحاب المكانة والعقول والكفاءة، وطرح كل مجلس الملفات التى تدخل فى نطاقه، بل وأصبحت هذه المجالس أشبه برقيب ومراجع لعمل الحكومة، وكثيرا ما تسببت فى إلغاء مشروعات طرحها وزراء، أو تعديلها، وأحيانا كان لرأى هذه المجالس دور فى تغيير الوزير


وعند دراسة اسلوب الرئيس السيسى فى إختيار رجاله او مساعديهة ووزراء حكوماته والمسئولين عن الملفات المختلفه ومستشارية نجد أن هناك على الاقل ٦ أوجه للشبه بين طريقة عمل الرئيس السيسى والراحل جمال عبد الناصرواختيارهما للرجال المقربين،


الأول أن كلا الرئيسين بجانب اعتمادهما على الأجهزة الأمنية والرقابية فى جمع المعلومات حول أى شخص يتم اختياره لمنصب عام، إلا أنهما تميزا بالاعتماد على المراجعة الشخصية لكل من يتولى منصبا او ملفاً، فقد كان الرئيس عبد الناصر حريصا فى أى اختيار على التدقيق الشخصى وكان يهتم بالتفاصيل حول كل مرشح وكانت معرفته الشخصية بالمرشح أحد عوامل الترجيح لتولى المنصب،بعد استيفاء الشروط الأخرى، وهذا نفسه ما يبدو من اختيارات الرئيس السيسى ومراجعته للسيرة الذاتية للمرشحين وتدقيق كل معلومة


الثانى أن الاثنين يفضلان فى المناصب المرتبطة بهما شخصيا أن يختارا شخصيات معروفة لهم وتحظى بثقتهم، فمثلما اختار الرئيس عبد الناصر سامى شرف ليكون رجله وساعده الأول فى عمله داخل الرئاسة لثقته فيه، اختار الرئيس السيسى المحيطين به داخل الرئاسة من أصحاب الثقة والمعرفة الشخصية بجانب الكفاءة فى أداء المهمة المنوطة بهما، ولا يختلف أحد على حق الرئيس فى هذا الأمر فلا يمكن أن يطلب منه العمل مع شخص يطلع على كل أسراره دون أن يكون مؤتمنا لديه، وهنا يمكن أن نفهم سبب تواجد شخصية مثل اللواء عباس كامل الذى تدور حوله أحاديث كثيرة ويهاجمه كثيرون، عن غير وعى وبدون دليل ولمجرد التشوية أو الطعن غير المباشر فى الرئيس، وكذلك اختيار مستشارين مثل الوزيره فايزة ابو النجا او الوزير احمد جمال الدين،


لكن فى المقابل كما لم يكن لدى الرئيس عبد الناصر شخصيات محصنة من الاستبعاد وقت اللزوم، مثلما حدث مع عبد الحكيم عامر أو شمس بدران أو غيرهم، فالسيسى أيضا ليس لديه أشخاص فوق المساءلة ويمكن أن يضحى بأى مسئول ولو قريبا منه فى أى لحظة إذا ثبت لديه أنه سيورطه أو يسيئ إليه، او ان شبهات تحوم حوله أو فشل فى مهمته


التشابه الثالث هو طبيعة المختارين للمناصب العامة والمسئوليات، فكما أورد الرئيس عبد الناصر نفسه فى أحد حواراته الصحفية والتى أشار إليها السيد سامى شرف فى كتابه « سنوات وأيام مع جمال عبد الناصر» فقد كان ناصر صريحا فى أنه يفضل الاعتماد على أشخاص يثق فى وطنيتهم وقدرتهم على مواجهة المخاطر، قالها فى الحوار بجملة صريحة تكشف فلسفته فى اختيار رجاله..» لكى تحدث تغييرا يجب أن تستخدم أشخاصا يتسمون بالجرأة والرغبة فى المغامرة، فأحيانا الإنسان ذو القيم والأخلاق عندما يجد رقبته تحت حد السيف غالبا ما يفكر أو يراجع نفسه» وكما ذكر سامى شرف فقد كان من مسوغات التعيين فى عهد ناصر أهل العسكرية الذين وضعوا رقابهم على أكفهم ليلة ٢٣ يوليو وساندوا الثورة حتى تحقق أهدافها


هذا كان مبدأ عبد الناصر الذى لم يخفه، والذى كان من الواضح تماما أنه نابع من مرجعيته الفكرية وتركيبته الشخصية كرجل عسكرى يتولى المسئولية فى ظروف صعبة وتحديات داخلية وخارجية لا تتحمل الميوعة فى التعامل مع الملفات المختلفة ولذلك كان يفضل من يسانده فى إنجاز المهمة بلا خوف أو حسابات أخرى يمكن أن تكون مقبولة فى الظروف العادية ، فقد كان عبد الناصر يعرف هدفه ويريد أن يختار من يحققه، وهذا هو نفسه ما ظهر مع السيسى الذى لا يختلف كثيرا عن عبد الناصر فى الخلفية العسكرية والفكرية أيضا كواحد من أبناء الطبقة الوسطى المثقفة، إضافة إلى أن التحديات التى تواجه السيسى والمؤامرات التى تحاصره وتضيق الخناق على البلاد لا تقل بل تزيد عما كان يواجهه عبد الناصر بمراحل فبجانب المؤامرات الخارجية التى كانت تواجه عبد الناصر وتتكرر مع السيسى هناك الآن التحديات المؤمرات الداخلية الأكبر والأخطر، وهناك الارهاب الذى تموله جهات وأجهزة دولية وهناك ايضا الوسائل الجديدة التى تزيد الخطر مثل والسوشيال ميديا والاعلام والمجتمع المدنى وكل هذا يتطلب أن يكون من حول الرئيس فى كل موقع محاربين ومقاتلين وليس موظفين، ولهذا نجد أن السيسى فى أكثر من مرة قال جملة واضحة « اللى مش قادر يعتذر» فقد كان يقصد من يتولون مسئوليات ولا يستطيعون تحملها ولا يملكون القدرة على اتخاذ قرارات، وعبر بأكثر من طريقة عن رفضه لأى مسئول من أصحاب الأيادى المرتعشة ،


التشابه الرابع أن السيسى مثل عبد لناصر فى شجاعة تحمل المسئولية، فكلاهما لا يعمل بمنطق الضحية أو كبش الفداء وإنما يفضلان المواجهة وليس الهروب، وإذا كان هذا ظهر جليا من عبد الناصر فى أعقاب نكسة ٦٧ فخرج وأعلن مسئوليته الكاملة وتحمله لأى عقاب، فقد ظهر هذا من السيسى فى مواقف عدة رفض أن يحمل فيها المسئولين تبعات القرار وتمسك بأنه المسئول أمام الشعب،


التشابه الخامس أنه مع كل ما سبق فلكل رئيس بعض القرارات التى يتخذها بشكل منفرد دون أن يشاور فيها أو يطلع عليها أحدا، وقد ترتبط هذه القرارات بأشخاص أو ملفات معينة، وليس بالضرورة أن تكون هذه القرارات سلبية أو ضارة فقد تكون ناجحة، وهذا أيضا ما ذكره سامى شرف بوضوح من أن بعض القرارات للرئيس عبد الناصر كانت عليها علامات استفسار ودارت حولها تحليلات مختلفة، ومنها قراراته الخاصة بعبد الحكيم عامر والسادات وحسن التهامى، وبالمثل فهناك قرارات للرئيس السيسى تعددت حولها الاستفسارات ولم يجد لها أحد إجابة، ومن أبرزها اختيار المهندس شريف إسماعيل رئيسا للوزراء، أو تغيير بعض الوزراء


التشابه السادس والأخير، أن السيسى مثل عبد الناصر لا يعطى لمن حوله مساحة أكبر من الدور المنوط بهم، فلايسمح لأحد بالتحكم فى حركته أو السيطرة على قراراته أو توجيهه، وهذا عكس تماما ما كان يحدث فى السنوات الأخيرة لمبارك،


خلاصة الأمر أن رجال الرئيس لهم دور لكن حسب الرئيس يزيد الدور أو يقل ويكون فى حجمه العادى بلا تزيد، فكلما ضعف الرئيس كلما تحكم المحيطون به وسيطروا ونفذوا، وهذا ما لم يحدث مع عبد الناصر ولم يحدث مع السيسى،


ليس معنى هذا أنه لا توجد أخطاء، وليس معنى هذا أن التركيبة المحيطة بالرئيس كافية، فقد أثبتت الأحداث الأخيرة الاحتياج لمزيد من المستشارين من أصحاب الرؤية السياسية والقدرة على التواصل مع الفئات المختلفة من المجتمع وقراءة الرأى العام، فمن الظلم أن يتحمل الرئيس مسئولية كل شيء وأن يقوم بنفسه بالتواصل وإجراء الحوار وإنما لابد من تفعيل المؤسسات المحيطة به لتقوم بدورها فى الحوار المجتمعى حول القضايا المختلفة ولعب دور همزة الوصل بين الشارع والرئيس، وإذا كان يمكن للاعلام أن يقوم بهذا الدور فالحقيقة أنه لن يؤديه بنفس الاحترافية والانضباط الذى سيؤديه بها مستشارو الرئيس ومؤسسات الحكم المحترفة.