د. عبدالحليم قنديل: البطانة تحولت إلى حجاب حاجز بين الرئيس والشعب

20/04/2016 - 1:15:03

  د. عبدالحليم قنديل فى حواره مع الزميلين محمد حبيب ومحمود أيوب   عدسة: مصطفى سمك د. عبدالحليم قنديل فى حواره مع الزميلين محمد حبيب ومحمود أيوب عدسة: مصطفى سمك

حوار يكتبه: محـمـد حبيـب - محمود أيوب

بخبرة السنين، يرى الكاتب الصحفى الدكتور عبدالحليم قنديل رئيس تحرير «صوت الأمة” أن مفهوم البطانة فى مصر أوسع من دائرة مستشارين أو مساعدين للرئيس، بل يمتد إلى أجهزة عميقة فى الحكم تشكل حجابا حاجزا يمنع وصول الآراء من قاعدة الرأى العام إلى الرئيس، وأحيانا تضغط هذه الأجهزة لتمرير مصالحها، وإعاقة قرارات تهددها.


عبدالحليم قنديل يؤكد أن مصر الآن فى مراوحة بين نظام الأجهزة القديم (يسميهم مماليك مبارك).. وبين النظام الجديد بقيادة الجيش ومن حوله والذى يعتمد عليه الرئيس فى تنفيذ المشروعات القومية وضبط الأسعار، وهو ما لا يرضى عنه رجال النظام القديم، وبالتالى نشأ صراع بين الطرفين مما يشكل ضغطا على الرئيس.


وطالب قنديل بضرورة حسم هذا الصراع وعمل مذبحة لـ«مماليك مبارك» فى السياسة والاقتصاد والأجهزة الأمنية حتى تستقيم الأمور ونخرج من دولة المتاهة التى نعيشها.. وإلى نص الحوار.


كيف ترى دور البطانة منذ عبدالناصر إلى السيسى وهل البطانة تعزل الرئيس أو تقربه من الشارع؟


الدولة المصرية منذ عام ١٩٥٢ دولة مركبة، فمفهوم البطانة واسع، خاصة مع تعمق وسيطرة ما يمكن تسميته بدولة الأجهزة، فأصبح هناك مفهوم للبطانة أوسع من دائرة مستشارين أو دائرة محيطة بالرئيس، فالمعنى الحديث لمفهوم البطانة مر بنفس الدورات التى مر بها التاريخ المصرى منذ عام ١٩٥٢ إلى الآن، وجرى نوع من الضغط على هذه الدولة فى التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التى جرت خاصة بعد حرب أكتوبر عام ١٩٧٣ فتم إزاحة طبقات تلو طبقات من هذه الأجهزة بسبب عدم مسايرتهم للاتجاهات السياسية الجديدة التى تم اعتبارها انقلاباً خاصة بعد حرب أكتوبر، ومع التحول الذى جرى خلال سنوات مبارك فى تقديرى من فكرة الدولة إلى فكرة العائلة كانت تزوى فكرة الأجهزة وجرى اختصار الدولة فى جلسة عائلية ، تضم ثلاثة أشخاص لا غير «مبارك وزوجته وابنه» ، وهذا التحول الذى جرى.


ماذا بعد ثورة ٢٥ يناير ؟


بعد ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١ شهد هذا التركيب العائلى هزة عنيفة جدًا وهذه الهزة يصحبها إلى الآن إعادة ترميم الدولة لكن المشكلة أن إعادة الترميم تجرى فى ظروف من سخط الناس عموماً بحكم صحوة الرأى العام وفى ظل ظروف خراب داخلى للأجهزة خاصة مع فترة توقف دورها الوظيفى أيام مبارك واستبدال دورها الوظيفى أو إحلال فكرة «البزنسة» محل فكرة الإدارة الوطنية وهذه صورة عامة لرحلة البطانة أو رحلة الدولة ،أو يمكن أن تسميها دولة عميقة أو كيان ضخم مؤثر جداً وضاغط على قرار الرئيس، وهنا مفهوم البطانة يتحول إلى فكرة حجاب حاجز يمنع وصول الآراء من قاعدة الرأى العام، بل يحجبها لأن هذا فى مصلحة البطانة .


كيف كان يتعامل الرئيس عبدالناصر مع البطانة ؟


دولة ٥٢ كانت دولة اتجاه واحد بمعنى أنه بعد فترة قصيرة من حدوث صدام بين عبدالناصر والنظام القديم فى مارس ١٩٥٤جرى الاتجاه لإنشاء الأجهزة، منها جهاز المخابرات العامة على سبيل المثال فى مواجهة التحدى الإسرائيلي، وهذا كان تحولا كبيرا فى بنية الدولة وليس مجرد ديوان للموظفين، وجرى تضخم فى ديوان الموظفين، وتطوير فى الأجهزة الرقابية وعلى سبيل المثال ديوان المحاسبات نشأ فى الأربعينيات وكان مجرد مكتب صغير وتحول إلى جهاز معقد جداً هوالجهاز المركزى للمحاسبات وصدرت تشريعات جديدة لتنظيمه وعمله، أُضيفت أيضاً أجهزة كجهاز الرقابة الإدارية والنيابة الإدراية أى جرى تضخيم هائل جداً فى الأجهزة الرقابية.


فى الدائرة المحيطة بالرئيس كان عبدالناصر على تواصل مباشر مع الناس، فمن الغريب أن تشهد حاكماً يتجول بعربة مكشوفة أو يذهب وسط ملايين من الناس ويطلع بشكل مباشر تقريباً على كل شكاوى الناس الواصلة إليه ، كان يحل كل المشكلات بنفسه بما فيها حتى المشكلات الفنية والثقافية كانت تأتيه تقارير بها ويأخذ قرارا بنفسه فيها ومن ذلك عرض فيلم «شىء من الخوف» الذى كان هناك رفض من بعض الأجهزة لعرضه،أو السماح بنشر رواية «اولاد حارتنا» رغم رفض الأزهر، والسماح بنشر كتاب « معالم فى الطريق» لسيد قطب، وحتى شكاوى تتعلق بشخص مظلوم فى الترقية مثل الدكتور جابر عصفورإلى مطالب الناس الطبيعية جداً كشخص يحتاج إلى عملية جراحية، فأنت عندما تعيد الاطلاع تجد أن المسألة وقف عليها مؤرخون، بحثوا فى بريد عبدالناصر، والشكاوى التى كانت تأتيه سواء من البريد من الشكاوى الخاصة بالأجهزة الحكومية أومن الإدارات.


فأنت لديك أجهزة هائلة تكونت فى الرئاسة لفحص الشكاوى، إضافة لفكرة الروتين الذى ثبت من عهد عبد الناصر أن يبدأ يومه بالاطلاع على رسائل البريد له والتقارير التى كانت تصله من الأجهزة الأمنية عن الحالة الأمنية للبلاد، طبعا عبدالناصر وسع هذا المفهوم للحالة الاقتصادية والاجتماعية، فأنت كنت بصدد تركيب لدولة استعادت مركزيتها بصورة حادة جداً بعد أن كانت مفقودة ربما منذ الاحتلال الرومانى ، وفى نفس الوقت توافرت لها فى بدئها قيادة من نوع خاص كان يمكن لهذه المركزية أن تكون شيئاً مفيداً بحكم انحيازاته النهائية سواء للفقراء أو للقومية العربية أو لإعادة المجد المصرى أو للتصنيع الواسع النطاق والذى قفز بالبلد قفزه هائلة أو الحساسية لزيادة تعريفة على سلعة ما وإزاحة وزارات، وبالتالى كل شىء تقريبا كان مركز رئاسة الجمهورية عبارة عن نشرة مصغرة وبالتالى استلزم ذلك تركيبا لمؤسسة الرئاسة بشكل له طابع مصرى نظمت فيه فكرة كيفية التعامل مع الأجهزة الرقابية والأمنية بصورة دورية نظمت فيه أيضاً أجهزة خاصة للتواصل مع الشعب بصورة مباشرة وليس عن طريق الأجهزة.


تقصد أن عبدالناصر لم يكن خاضعا لأجهزة الدولة؟


بالفعل وهو وافق على أشياء كانت تأتيه توصية برفضها مثل فيلم» شىء من الخوف» ومن المفارقات أن عبد الناصر كانت لديه حساسية مفرطة جداً تجاه أن الثورة لم تحقق أهدافها فكان مثلاً يقول:»طالما أن عمال التراحيل ما زالوا يأخذون المناديل أبو قويه ويأكلون البصل يبقى أحنا لم نقوم بثورة»، وكان عبد الناصر يكلف أجهزة الرئاسة أن تذهب إلى ضريح الإمام الشافعى وتأتى بالخطابات التى كان يتركها الناس هناك بصورة دورية شاكين فيها أوجاعهم ورغباتهم وأمنياتهم، ويسعى لحلها ، بالتالى كان هناك نموذج من دولة مركزية ، وفرد حاكم توافرت له بصورة استثنائية جداً خصلة التواصل المباشر مع الناس وغير محتاج إلى هذه البطانة ، فأنت إزاء دولة حديثة، دولة أجهزة لا تستطيع أن تقول إنها ديمقراطية بمعناها الكلاسيكى التى هى فكرة تداول السلطة ، لكن كان موجودا بالمقابل تعويضا عنها ما يمكن تسميته أو سماها هيكل ذات مرة ديمقراطية «فكرة التواصل المباشر»، وتمتع عبد الناصر بما يمكن تسميته المقدرة على التصحيح الذاتى، فعدد الذين جرى أعدامهم لأسباب سياسية وأغلبهم من فصيل جماعة الإخوان المسلمين أقل من أصابع اليدين، وفى التصحيح الذاتى وبعد ٦٧ بالذات تجد أنه بدأ الإفراج تباعا عن المعتقلين لدرجة أن عبد الناصر حينما توفى فى ٢٨ سبتمبر ١٩٧٠ كان عدد المسجونين لأسباب سياسية بما فيهم الذين جرى اتهامهم بالتجسس لصالح إسرائيل كان المجموع ٢٧٣ شخصاً بما يبرز لك المقدرة على التصحيح الذاتى، ولم يجر الانتقام من أحد حتى لو كان من الإخوان الخصم الرئيسى فى ذلك الوقت أو حتى جرى وقف صرف مرتب أحدهم، وهذا النظام اختتم بحرب ٧٣ لأن نظام عبد الناصر استمر بجوانبه الفاعلية والقصور فيه إلى حرب ٧٣ استمر بالقصور الذاتى يعنى القطاع العام عنصر رئيسى فى الاقتصاد الصناعى ٧٠ ٪ فكرة التعبئة العامة، ثم بعد ذلك حدث الانكسار وكان لابد أن يؤثر على بنية الدولة.


كيف حدث ذلك الانكسار؟


الانكسار ثم الوصول خطوة خطوة بفك الاشتباك الأول والثانى وصولاً إلى معاهدة « السلام»، وهذا استلزم شيئين أولاً استلزم تصفية قوة الجيش، عن طريق اتفاقيات ضمنية بتخفيض قوة الجيش، ثانياً استلزم أن يكون الجيش المصرى له مصدر تسليح واحد فقط وهو أمريكا، وهذا هو الوضع الذى كان قائماً قبل ٥٢ ، وجرى التأثير على الأجهزة المرتبطة بالجيش بإغراقها فى أعمال اقتصادية ، مثل جهاز الخدمة الوطنية عام ١٩٧٩ بالتوقيت مع إبرام معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية صار هذا التحول فى الأجهزة اللصيقة بالجيش والدولة كجهاز المخابرات العامة وكان لابد من التخلص من عناصر الصدام مع إسرائيل وجرى التخلص بالفعل من ضباط بالمخابرات ومؤسسى المخابرات المصرية جرى أيضاً أيام السادات إلغاء جهاز الرقابة الإدارية ، كذلك جرى إطلاق وجود اقتصادى وسياسى خارج فكرة دولة الأجهزة من أول قانون استثمار رأس المال العربى الأجنبى عام ١٩٧٤ والانفتاح الاقتصادى وأصبحت مصر كلها مثل شارع الشواربى، جرى أيضاً عملية الإيداع وإغراق البلد بالديون مما أضعف الدولة، وصلت إلى ٥٠ مليار دولار، وكان الاقتصاد قائما على الهبات والمعونات ومحصلة هذا كله هو حدوث انتكاسه فى العلاقة بفكرة الشعب لأن الدولة المركزية التى أقامها عبد الناصر كانت قائمة على تحالف ثلاثى بين(الجيش، والشعب، والفرد) وجرى تفكيك هذا وحل مكانه مفاهيم أخلاق القرية، وكبير العائلة، وجرى إطلاق شيطان الفتن الطائفية تعبيرا عن ضعف فكرة الدولة من أول أحداث الخانكة فى السبعينيات وصولاً إلى «أنا رئيس مسلم لدولة مسلمة « ثم مقتل السادات ، بالشيطان الذى أطلقه ، وبالتالى حدث خلال حكم السادات كسر الدولة فى الاقتصاد والسياسة، وظهرت فكرة « السيدة الأولى «، وهذا أمر لم يكن موجودا فى التقاليد المصرية من قبل على أى نحو وأصبح هناك دور للعائلة فى الحكم، وبوفاة السادات حمته من أن يرى بعينيه نتائج ما صنعت يداه ، التفكيك المطلق الذى جرى أيامه.


وماذا عن مبارك؟


مبارك يمكن تقسيم أيامه إلى نصفين فى النصف الأول بدأ شخصا حذرا جداً لا يريد أن يفعل شيئاً وترك الأمور للتداعى الحر وترك الدولة تنهار بنفسها فهو كان «موظف بدرجة رئيس جمهورية»، ثم فى النصف الثانى انفجرت فكرة التحطيم النهائى للدولة وبرزت فكرة العائلة التى وضع بذورها السادات لكن اغتياله المبكر منع تمدد الظاهرة مؤقتا، وفكرة العائلة تمددت فى النصف الثانى من حكم مبارك عكس النصف الأول جرى الاعتماد على فكرة الحزب الواحد الموروث عن الدولة المركزية.


الواقعة المؤثرة هى محاولة اغتيال مبارك فى أديس أبابا، ومنذ هذه الواقعة وتراقب ما جرى بعدها إلى نهاية أيام مبارك بالثورة المصرية، تلاحظ أن هناك خيطين خط الدولة القديم متمثلا فى عمر سليمان، وخيط العائلة متمثلا فى جمال مبارك، الذى عاد من بنك «أوف أميركا» فى لندن ودخل فى عضوية مجلس الأعمال الرئاسى المصرى الأمريكى، ثم انضم إلى قيادة الحزب الوطنى عام ٢٠٠٢ ثم أنشأ لجنة السياسات، وبدأ يسطع دوره بينما جهاز الدولة دوره تم تهميشه ولم يعد له اعتبار وتم الحفاظ على تقديم تقارير بانتظام لكن لم يكن لها تأثير، وتحولت الرئاسة إلى رئاسة مزدوجة، أب وابن ثم رئاسة ثلاثية كما أن الوزارات كانت تشكل على أساس التوازن العائلى كان آخر وزيرة من البيروقراطية المصرية التى كانت تنتمى لجهاز الدولة هى حكومة الجنزورى، ثم جاء عاطف عبيد ثم أحمد نظيف وكان أبرز قرار يكشف سطوة العائلة، قرار تعويم الجنيه فى يناير ٢٠٠٣ عندما قفز سعر صرف الدولار إلى ١٠٠٪ ووصل إلى ٦ جنيهات ثم زيادة وتيرة الخصخصة، وفكرة بيع الأرض كجزء من تأكيد نفوذ العائلة وإعادة توزيع أراضى الدولة وتكونت طبقة كبيرة جداً مهيمنة من حول العائلة سطع دورها، وهذه التحولات الرهيبة التى انتهت إلى تقسيم اقتصادى وأصبح التقسيم فى يد من حول العائلة مباشرة، فى المقابل لهذه الدولة المركزية وجيش ثم المخابرات والأجهزة الرقابية انزوى دورها تماماً ، آية ذلك أن جهاز أمن الدولة ، كانت له الكلمة الأولى والأخيرة ، وهو ما يفسر فيما بعد حين تقلد المجلس العسكرى سلطة البلاد ، اتجاهاته الضاربة التى وجهها ضد جهاز أمن الدولة وضد جماعة مبارك أكثر من جماعة الأب لاحظ أنه تم القبض على رجال جمال وترك جماعة الأب فترة ، وانتهت فكرة دولة المصرية ودولة الأجهزة من أن الرئيس هو الفرعون.


ماذا عن الأوضاع بعد مبارك ؟


بعد ثورة ٢٥ يناير حدث إلى الآن مراوحة بين دولة العائلة ودولة مصر، بمعنى أن دولة العائلة مازال لها نفوذها متمثلة فى رجال مبارك والصف الثانى والثالث منهم، لأن التحول الذى جرى خلق مركزين للسلطة، وهذان المركزان مازالا قائمين إلى الآن، مركز سلطة لعائلة مبارك بدون العائلة نفسها أو بدون الصف الأول وهذه هى المتحكمة ولكن بصفوف خلفية فعندما تنظر إلى الحكومة تجد المجموعة الاقتصادية جميعها من الصفوف الخلفية لنظام مبارك أو تلامذة محمود محيى الدين، وكان يتم تشكيل الحكومات من رجال الأعمال أصبح الآن تشكل من «خدم رجال الأعمال»، فالسياسات والشخوص مازالت موجودة، هذا فى المجموعة الاقتصادية، أما فى وزارة الداخلية، فإلى الآن لم تجر عملية تطهير واسعة النطاق فالداخلية صنعت «جمهورية المتاهة» إلى الآن وآخرها مقتل ريجينى ، وهنا يمكن أن نقول إننا بصدد دولتين فى سياق واحد فلديك رئيس جديد له دولة معتمد على الجزء الذى أهين أيام مبارك متمثلا فى الجيش والأجهزة السيادية وهذه الدولة تقوم بإنشاء الكبارى والطرق وقناة السويس والفرافرة ومشروع المليون ونصف مليون فدان والتى تقدم السلع لمواجهة ارتفاع الأسعار والتى تقوم بتطوير مصانع الإنتاج الحربى والهيئة العربية للتصنيع هذه دولة الرئيس، أما الدولة الثانية تتمثل فى الحكومة وبرلمان اشترته دولة العائلة، وأغلبية البرلمان لكى لا نعمم أنشئت بالتعاون مع أجهزة الأمن بين أجزاء من الدولة القديمة والدولة الجديدة.


هناك دولة ظلمت وتحاول أن تستعيد نفسها وتستيقظ والمتمثلة فى دولة الجيش وما حوله وهناك دولة أخرى تقاوم وتعيق وتحطم وتحاول أن تحتوى السيسى وهى الدولة التى تركها مبارك « دولة المصالح الكبرى»، وبينهم توتر محسوس ، فعندما تتحرك دولة العائلة وهى نفس اختيارات مبارك والمتمثلة فى رأسمالية المحاسيب وملامحها فى مصر واضحة للجميع كمية هائلة جداً من الأموال تمتلكها قاعدة اجتماعية محدودة ، (ولو بدأنا من البرلمان تجد ضغطا بين جهات سيادية تابعة للدولة الجديدة فى محاولة التحكم فى تشكيل البرلمان وبين جماعة البزنس فتجد كليهما له إسهام معين فى البرلمان) ثم بعد ذلك تأتى عند لحظة الحسم تجد دولة الأجهزة السيادية تفرض نفسها وهذا فى البرلمان.


أما فى الاقتصاد تجد أن دولة العائلة المقدسة أرغمت دولة السيسى على ابتلاع قرارات سياسية منها إلغاء الضريبة الاجتماعية الـ٥٪، التى كانت مفروضة لمدة ثلاث سنوات ، وألغت ضريبة أرباح البورصة وهذه القرارات صدرت بقوانين من الرئيس لأنه كان يمتلك السلطة التشريعية، كما خفضت الحد الأقصى لضرائب الدخل من ٢٥٪ إلى ٢٢.٥٪، دولة السيسى أيضاً عندما حاولت ترشيد فاتورة الاستيراد ووضعت قيودا محددة على بعض السلع لتخفيض فاتورة الاستيراد التى قيمتها ٨٠ مليار دولار تخفيضها بحوالى ٢ مليار دولار، قامت شعبة المستوردين فى المقابل بإصدار بيان رسمى عرضت فيه التبرع ب١١٠ مليارات جنيه خلال ٥ سنوات لصندوق تحيا مصر مقابل إلغاء القرار، وصلت لشراء الدولة وعرض مباشر لشراء الرئيس.


فدولة السيسى أو الدولة التى تسترد نفوذها حاليا والتى جرى إضعافها فى النصف الأخير لسنوات مبارك أصبحت شريكا فى الاقتصاد، رأسمالية الجيش فى مقابل «رأسمالية المحاسيب»، وهناك صراع بينهما ، والدولة لم تقم بتصفية الحساب القديم مع رجال عائلة مبارك واوضح مثال هوالأراضى المنهوبة سواء فى الطرق الصحراوية أو المجتمعات العمرانية الجديدة، والدولة نفسها قدرت حجم المخالفات فيها والمفترض تحصيلها بـ٩٨٠ مليار جنيه لم تحصل إلا فتاتا، على الرغم من تشكيل أكثر من لجنة آخر لجنة منهم تشكلت لجنة « محلب»، وقبلها كانت محصورة فى وزارة الزراعة هى بالفعل تعمل لكن المحصلة حتى الآن وأنا أتحدث عن المقاومة فأنت لست إزاء دولة لها قراراتها أنت إزاء دولتين، دولة الرئيس الجديد ودولة النظام القديم الخارج ،وبالتالى لاتوجد بطانة بالمعنى المعروف حول السيسى إنما نحن إزاء حالة من الحجاب الضاغط وليس فقط الحجاب الحاجز فأنت بالفعل لديك نوع من تكسير العظام داخل دولة واحدة فأنت لديك أجهزة أمن مع الرئيس الجديد وأجهزة أمن ضده .


وقضية ريجينى من القضايا الغامضة الشبيهة بحريق القاهرة وأريد أن ألفت النظر لقضية مشابهة وهى واقعة الشهيدة « شيماء الصباغ «، وزارة الداخلية وقتها أكدت أنه لم يكن هناك أحد من الضباط معه «خرطوش»، ووصلوا لذروة الدراما باتهامهم للدكتور زهدى الشامى بقتل شيماء الصباغ ولم تحل هذه المشكلة إلا بتدخل الرئيس السيسى عندما طالب وزير الداخلية وقتها اللواء محمد إبراهيم بتسليم الضابط المتهم وخلال ساعات جرى تسليمه، فأنت هنا إزاء بطانة أوسع من سوء البطانة وأخطر من فكرة البطانة العازلة أو الحجاب الحاجز المسألة تنطوى على انشقاق سلطة، جزء منها يتآمر على الجزء الآخر، وأضرب مثالاً آخر رئيس الجمهورية تحدث كثيراً عن المظالم فى السجون وأنه يريد أن يعفو عن الشباب فى السجون ولكن ما يمنعه أن الأجهزة الأمنية تقول له «إن خروج هؤلاء الشباب سيؤدى إلى عمليات إرهابية»، وهذا ليس تحذيرا ولكن بمثابة تهديد، وللعلم هولاء الشباب ليسوا متهمين فى علميات إرهابية.


وهنا لابد من التفرقة بين قراءة تقرير وبين الوقوع فى أسر التقرير، أطلع على وجهة نظر جهاز ما أو أقع فى أسر هذا الجهاز، لأن هذه الأجهزة كما تحدثت كان لديك جهاز أمن الدولة منفردا بالساحة وهو الذى كان يُهيئ الأمر لتوريث جمال مبارك وحدث تضارب بين الأجهزة لكن أكثر جهاز مرتبط بمصالح العائلة المقدسة «جهاز أمن الدولة»، لأنه كان المسيطر طوال صعود هذه الطبقات وأنا أستطيع ضرب أمثله بلا نهاية وفى ظل هذا الجو لا تستطيع الحديث حول وجود بطانة لا تعرض الحقيقة على الرئيس أنت إزاء مصالح عتيقة حول الرئيس، أمن قديم المتمثلة فى أمن دولة العائلة المقدسة واقتصاد قديم نفس اقتصاد العائلة المقدسة نفس الطقم ونفس طريقة التفكير وهذا أيضاً موجود فيما يسمى بالمجلس الاقتصادى التابع للرئيس تجد أنهم من مركز الدراسات الاقتصادية الذى أنشأه جمال مبارك، وعندما تذهب إلى دولة الرئيس تجد أشياء غريبة تحدث هناك عما يحدث فى البلد نشاط وإنجازات وعندما تخرج تجد أشياء أخرى إذن سوء البطانة ليس تفسيراً كاملاً لما يحدث فى مصر الآن.


ولماذا لم يتم إجراء مذبحة لهؤلاء؟


هذا ما طالبت به أكثر من مرة، فلن تستطيع أن يخلو لك وجه البلد دون مذبحة مماليك وليس المقصود إسالة الدم، وهذا ما جرى مع محمد على ومع عبدالناصرعام ١٩٥٤، الذى يواجهه السيسى أخطر مما واجهه محمد على وعبدالناصر لأن ما فعله مبارك أعاد الدولة المصرية لوضع ما قبل الدولة إلى ممالك وإقطاعيات، ليس المشكلة أن تسير فى اتجاة خاطئ المشكلة أنك تمضى فى اتجاهات متناقضة ما تفعله بيدك اليمنى تبدده بيدك اليسرى، تعزل أحمد الزند والناس تفرح بذلك ثم بعدها بأسبوعين تعزل هشام جنينة لترضى رجال دولة مبارك، كيف ذلك؟ تأخذ قرارا يعجب الناس ثم بعدها تأخذ قرارا عكسه.


هذا التحليل ليس لتبرأة الرئيس من المسئولية ، الرئيس مسئول لأنه ترك الأمور لفترة طويلة بدون حسم، وأنا فى تقديرى أن الأزمة فى مصر تحتدم فى المجالات الثلاثة ، السياسة والاقتصاد والأمن، وأنها تدفع دفعاً إلى حسم هذا التناقض الداخلى بين دولة المماليك أو الدولة العميقة ودولة الجيش، والصراع مازال قائماً وعدم الحسم محبط للشعور العام.


وهل شعور المواطنين بالإحباط لم يصل إلى الرئيس؟


بالطبع وصل هذا الشعور إلى الرئيس، ولكن يجرى تهوينه، بمعنى أن هناك مقايضة ونوع من المقامرة تجريها بعض الأجهزة مع الرئيس لتحطيم شعبية الرئيس نفسه، وهناك تصوير للرئيس كما لو كان أن تستطيع عمل قرارات مؤلمة للطبقة الوسطى والفقراء دون أن تتوقع رد فعل منهم أو غضب اجتماعى فهم يحبونك وهذا أمر خطير ، وفى تقديرى أننا فى دولة منشقة إلى جناحين متصارعين هناك دولة الجيش ودولة المماليك الذين يضغطون على الرئيس السيسى لابتلاع قراراته ومضاربات حقيقية مفتعلة لحرق الأرض، فضلاً عن تهريب أموال منذ سنوات أغلب هؤلاء ستجد أنهم هربوا أموالهم للخارج، ورفضوا التبرع لصندوق تحيا مصر، ويزيد تعقيد الأمر خاصة فى الاقتصاد لأن العالم كله يمر بحالة انكماش وتراجع فى أسعار البترول وفى وقت يريد الرئيس أن يحقق نهوضاً فى وقت انكماش فهذا أمر أصعب، وبالتالى نريد أن نكون أمام دولة واحدة نستطيع أن نحاسبها، فأيام مبارك كانت دولة العائلة وكنا نعرفها لكن الآن الشعب بين دولتين وهو ما جعله فى حيرة دائماً.


الرئيس السيسى مخلص ووطنى لكن لديه مشكلة أنه لم يدرك الفارق بين تنظيم الجيش وتنظيم المجتمع، واستخدام فكرة المقاولة مكان فكرة السياسة والبرلمان خير دليل على استخدام فكرة المقاولة، وبالتالى هذا ينعكس على دولة المستشارين أيضاً موضوع الشباب تلاحظ إلحاحه على التواصل مع الشباب وقالها صراحةً» نحن فشلنا فى التواصل مع الشباب» ولم يسأل نفسه لماذا فشل فى التواصل معهم ؟ لأنه لا توجد سياسة وأغلب لقاءاته بالشباب غير مجدية فهؤلاء ليسوا الشباب الحقيقين الذين من المفترض أن يجلس معهم فأغلبهم شباب الجامعة الأمريكية أو من أولاد الوزراء؛ فالشباب هنا شريحة أوسع من هؤلاء الذين يظهرون مع السيسي، وفيما يتعلق بالمحتجزين أرى أنه يستوجب عليه أن يصدر قراراً فورياً بالإفراج عن الشباب المحتجزين فى السجون غير المتهمين فى قضايا إرهابية ، ويجب توسيع نطاق مفهوم شهداء الثورة إلى ضحايا «الصراع السياسى» دون التفريق بين الشهداء الذين سقطوا منذ ثورة يناير ٢٠١١ إلى الآن وإصدار قرار بتطبيق برنامج «جبر الضرر»، والتعامل معهم أنهم مصريون بما فيهم الإخوان، لأننا هنا لا نتعامل مع جماعة الإخوان إنما شباب وشهداء مصريون ، وبالتالى الرئيس يستطيع أن يتخذ قرارات سياسية هى مطلوبة فى ذات التوقيت، كذلك يصدر قرارات بإنشاء مصانع بدلا من صرف المليارات على الطرق والكبارى و»أصبح على مصر بمصنع» لتخفيض البطالة ، الناس قد تحتمل « الزحمة «، لكن فى نفس الوقت تحتاج الأموال، يجب أن يكون هناك أولويات فى توجيه الموارد فنحن نحتاج إلى توازن بين الأصول والطاقة الإنتاجية، فالقضية ليست مستحيلة ولكنها تحتاج إلى إرادة وقرار سياسى.


وبالتالى الدولة مخيرة بين طريقين، طريق للآلام من السرطان بدون علاج، والطريق الثانى آلام الشفاء من هذا المرض، المتمثل فى القطع مع هذه السياسات وأنا هنا لا أفرض عليه أن يكون اشتراكيا بدل الرأسمالية ، الرئيس مبهور بتجربة الصين التى تمتلك أكبر قطاع أعمال فى العالم، فلديها استثمارات وقطاع تنمية فهل يستطيع الرئيس أن يصل إلى هذه التجربة بمستشارين أقل بكثير من المستشارين الأمريكان وبالتالى ليس أمامه سوى التصنيع وإحلال الواردات ثم التصدير.


كما اقترح الربط بين الصناعات العسكرية والصناعات المدنية وباختصار كل الطاقة الصناعية التى جرفت فى الستينيات وأصبحت خطوط إنتاجها متقادمة ولكى يتم تنفيذ هذا نحتاج إلى مجمع صناعى عسكرى مدنى فلم يتم إنقاذ الترسانة البحرية إلا عندما ضُمت إلى الهيئة العربية للتصنيع، نحتاج إلى نمط إدارى مختلف عن ذى قبل.


وجود الدولة مرتبط باقتصاد إنتاجى ومرتبط بحل مشكلة طارئ فى التكوين المصرى نتيجة مرحلتين، مرحلة كان يوجد فيها دولة مركزة قوية من حول فرد واحد انتهت فى ٧٣ ومرحلة أخرى بدأ النحر فى جهاز الدولة وصولاً إلى العودة إلى المماليك مقابل تضاؤل الدولة، وهذا الانشاق موجود بعد ٢٥ يناير مع التصفيات لكن جوهر الصراع مازال موجودا والتناقض موجود وشل الحركة العامة ويحرمنا من فرصة وجود الأمل.


وماذا عن مؤسسة الرئاسة ؟


ليس هناك مؤسسة للرئاسة بالمعنى الواضح، ومثال ذلك»التعامل مع الشباب»، يوجد إفراط فى فكرة المقاولة، والمجالس الاستشارية للرئيس هشة وجاءت بطريقة المقاولة وبالتالى تنظيم مؤسسة الرئاسة ليس به فصل واضح جداً فهناك تداخل وضعف وعدم الفصل بين السلطات حتى برنامج التأهيل الرئاسى قام على أساس تجهيز شباب للبزنس أكثر من أنه برنامج تأهيل دولى ففكرة المقاولة تنعكس على تنظيم مؤسسة الرئاسة وهذه هى المأساة وليس هناك تجديد ولكن هناك تبديدا كاملا.