المفكر السياسى البارز الدكتور عبد المنعم سعيد: «السيسى» فرصتنا الأخيرة للانطلاق.. ولكن ما ينجزه غير كافِ

20/04/2016 - 12:57:41

  د. عبدالمنعم سعيد فى حواره لسليمان عبدالعظيم وفى الصورة أشرف التعلبى د. عبدالمنعم سعيد فى حواره لسليمان عبدالعظيم وفى الصورة أشرف التعلبى

حوار يكتبه: سليمان عبد العظيم شارك فى الحوار: أشرف التعلبى

من الممكن القول أن الحديث مع الدكتور عبد المنعم سعيد، رئيس المركز الإقليمى للدراسات الاستراتيجية، يدخل فى خانة «الجراحة الصعبة» فالرجل يمتلك من الخبرة التحليلية ما يؤهله لأن يقدم تحليلا واقعيا وواعيا للحالة المصرية فى وقتنا الحالى، كما أنه فى الوقت ذاته يتحدث على أرضية «الوطن» ولا شيء آخر.


«مصر.. الأزمة والحل والمستقبل أيضا».. عنوان عريض يمكن وضعه للحديث مع الرجل الذى أكد أن الأمور الحالية تشير إلى أن البلاد تسير فى المسار الحقيقى للتنمية، ومن الممكن – وفقا لتأكيده، اتخاذ عدة قرارات من شأنها أن تعمل على رفع وزيادة معدل دوران عجلة التنمية فى كافة المجالات ( السياسية.. الاقتصادية، والاجتماعية أيضا).


«تفاؤل حذر».. أمر ثان التزم «سعيد» به عندما تطرق الحوار معه إلى القرارات والخطوات التى يتخذها الرئيس عبد الفتاح السيسي، فى وقتنا الحالى، حيث أكد أن «السيسي» مازال يحتفظ بـ»كتلة تأييد» كبيرة فى الأوساط المصرية، كما أنه يحاول الانطلاق والخروج بالبلاد بسلام من المنحنيات الخطرة التى دخلتها بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، التى يرى «سعيد» أنها غيرت المسار، وأدخلت مصر فى مرحلة جديدة لا تتناسب الوسائل القديمة مع إدارتها.


«ريجيني.. تيران وصنافير.. والإعلام.. والنخبة».. أمور أيضا وضعناها على طاولة الحوار مع، د. عبدالمنعم سعيد الذى قدم شرحا وافيا لواقع تلك الأزمات، ولم ينس أن يقدم أيضا ما يمكن التعامل معه كونه «خارطة طريق» أو «روشتة علاج» يمكن حال اتباعها التقليل من سلبيات تلك الأمور، والمضى قدما على طريق العلاج والتخلص النهائى من آثارها السلبية وأعراضها الجانبية أيضا.


عن تفاصيل هذه الأمور وملفات أخرى تحدثت «المصور» مع الدكتور عبد المنعم سعيد وكان الحوار التالى:


قلت مؤخرا.. تحدث الرئيس عبد الفتاح السيسى مع الشباب أثناء تفقده مشروعات جبل الجلالة حول «قلقه على الداخل».. من وجهة نظرك هل هناك أسباب محددة لهذا القلق؟


يجب أن نشير أولا إلى أن مصر لم تخرج حتى وقتنا الحالى من عملية التغيير العميقة المتراكمة منذ ٢٥ يناير ٢٠١١، ويجب التأكيد أيضا على أن ٢٥ يناير شهدت عملية انتقال لمصر، فهناك نظام كان موجودا منذ أكثر من ٣٢ عاما على رأس الحكم تمت الإطاحة به، والوضع العام بعد الإطاحة تلك يمكن القول بأنه تغيير، ودخلت مصر مرحلة تطورات مختلفة، بداية من سيطرة جماعة الإخوان المسلمين على مقاليد الحكم، ثم ما حدث فى ٣٠ يونيه ٢٠١٣.


كما يمكن القول كذلك: إن مصر تعرضت لزلزال طوال السنوات الأربع الماضية، وزادت درجة الزلزال فى وقتنا الحالى، خاصة أنه خلال هذه السنوات الأربع تلك لم يحدث أى تطوير فى البنية التحتية، وتستطيع القول إن التحول فى الداخل المصرى بدأ منذ عام تقريبا، ومع الرئيس السيسى بدأت الدولة تقف على أقدامها، وأرى أن مصر بشكل عام تخطو حاليا نحو مرحلة من الاستقرار النسبى مقارنة بأى وقت سابق، فبالنظر على نهايات ٢٠١٥ قل منحنى العمليات الإرهابية وجرى انتخاب مجلس النواب واكتملت خارطة الطريق، كل هذه الأمور تعطى إشارات بأن البلد يدخل فى عملية الاستقرار، ولكن مع عملية الاستقرار هناك مجموعة أزمات لايمكن تجاهلها، أولًا نحن فى وضع اقتصادى مرهق، ولتهدئة الناس توسعت كل الأنظمة السابقة فى عملية إرضاء الناس، ومثلا تم تعيين كل المؤقتين فى مؤسسة الأهرام وفجأة أصبح هناك ٢٠٪ زيادة فى العمالة والأجور، ولا توجد هناك زيادة فى الإنتاجية، وهذا ينطبق على كل مؤسسات الدولة، كل هذا إلى جانب الزيادة الكبيرة التى حدثت فى عجز الموازنة.


وهناك مشكلة الإخوان، والشباب الذين دخلت بعض رموزهم السجن، ويرغبون بصراحة شديدة فى التظاهر طول الوقت، وبالتالى نحن دخلنا على مرحلة صعبة، والرئيس السيسى يحاول الحفاظ على التوازن خلال هذه المرحلة وبالفعل قام بأشياء كثيرة، فالدول عندما تحدث لها مشكلة اقتصادية تقوم بعمل حزمة من المشروعات تحرك الاقتصاد، لهذا كان مشروع قناة السويس الجديدة وإنشاء الطرق وغيرها، ورغم أن هذه المشروعات منحت الأمور دفعة كبيرة للأمام، إلا أننا نواجه فى المقابل زيادة سكانية، ٨ ملايين مواطن تقريبا.


ما سبق ينقلنا للإجابة عن تساؤل «الخوف والقلق من الداخل»، وهناك أطراف بعينها فى الداخل وتحديدا من يرفعون لواء المعارضة يتصيدون الأخطاء، ولك أن تعرف أن الإعلام يلعب دورا فى هذا الأمر، وسأضرب لك مثالا على كلامى هذا، عندما كنت فى الولايات المتحدة وجدت أن غالبية المرشحين السياسيين يتهمون الإعلام بالضغط على أعصابهم.


وهنا فى مصر يمكن القول: إن الإعلام أصبح يضغط على أعصاب الساسة والرئيس أيضا، بدليل أنه فى أكثر من لقاء أشار إلى أن الإعلام لا يركز على الإيجابيات، ومن الممكن الرد على هذا الأمر بأن السلبيات فى تزايد مستمر، هذا بجانب أن التركيز على السلبيات من صميم العمل الإعلامى.


قاطعته: تزايد السلبيات.. والضغط الإعلامى على الرئيس.. من وجهة نظرك هل من الممكن القول بأن هذه الأمور انتقصت من شعبية الرئيس؟


الرئيس لاتزال لديه كتلة قوية جدًا فى البلد، هذا بجانب أنه يريد تأييد الناس لأن ظروف البلد بدأت تتحسن، كما أنه يبذل جهدا، وهناك أيضا من يؤيده تحت بند «الخشية من المجهول»، ولهذا علينا التفرقة بين نوعين من التأييد، الأول منهما تأييد نتيجة أن السياسات القائمة حققت درجة من الرضا العام لأنها مجدية وتعيد عجلة النمو الاقتصادى والبطالة والتضخم والعملة إلى الدوران، والنوع الثانى من التأييد يمكن وصفه بـ»تأييد البدائل القاسية»، بالنظر لما يحدث فى سوريا وغيرها، وبالتالى الناس تؤيد السيسى لأنه المنقذ.


ويجب أن نضع فى اعتبارنا أيضا أن الرئيس تواجهه معارضة ترفض وجودا عسكريا فى الحكم، وبعض من عناصر أو أطراف قوى المعارضة تلك فوضويون، ورغم أننى أرفض هؤلاء لكن هذا لا يمنعنا من الاعتراف بوجودهم، وهناك أيضا ٦ محطات تليفزيونية تابعة للإخوان، والجزيرة وشبكات التواصل الاجتماعى وعليها محطات كثيرة جدًا، وللأسف الشديد تتوجه للداخل والخارج وجزء من حالتنا غير السعيدة بالخارج سببها شبكات التواصل الاجتماعى، التى تتوجه للخارج، وكل المنظمات الحقوقية تعرف جيدًا كيف تتحرك.


وهنا أريد الإشارة إلى أنه أصبح واجبا على الرئيس السيسى أن يعرف أن السياسات بطيئة جدًا (الاقتصادية والتعليمية والصحية)، كما أنه لا يمكن أن تطالب بمجتمع نشط، بينما أنت تطارد الجمعيات الأهلية، ولا يمكن أن نقول الاقتصاد جيد لمجرد إقامة المشروعات، لأن الأخيرة لا تعمل منفردة، لكن هناك نظاما للعمل وقوانين تحدده، وعلينا إدراك أننا تأخرنا منذ الثورة فى جميع المؤشرات الدولية المعروفة من تقرير التنمية البشرية، وتقرير التنافسية وغيرها، ولا يجب القول هنا أو تبرير التراجع بأن الرئيس لا يفعل، لكن يمكن القول إن ما ينجزه الرئيس غير كاف، «فالطائرة حتى تتمكن من الطيران لابد أن يكون عزم الموتور قويا جدا».


بالحديث عن الموتور والعزم القوى.. هناك من يقول إن الحكومة بأدائها البطيء تتحمل جزءا من التأخر الذى تحدثت عنه.. إلى أى مدى تتفق وهذا الأمر؟


لا أنكر وجود هذا الأمر، لكن يجب القول أيضا بأن الرئيس يمتلك المقدرة على اتخاذ القرار، فى حين أن الحكومة مقيدة بعدد كبير من القوانين، فمثلا إذا أراد وزير بيع قطعة أرض مثلا فلن يتخذ القرار مباشرة، وينفذه لأنه وقتها سيدخل السجن مباشرة.


وهناك مثال ثانٍ.. واقعة وزير الزراعة السابق، الذى تم القبض عليه وخضع للمحاكمة فى قضية «رشوة»، فإن طريقة القبض عليه، والملابسات، التى أحاطت بالقضية أعطت رسائل خاطئة فى التعامل مع السلطة والثروة ورجال الأعمال.


والرئيس يحاول إصلاح كل شىء لكن بعد أن تم حفر حفرة كبيرة، ولاحظت أثناء تواجدى فى الولايات المتحدة الأمريكية أن العالم أجمع تابع قرار مصر برفع الدعم عن الطاقة، وهو قرار جاد للإصلاح الاقتصادى، ويتعامل مع الأمراض المصرية بشكل جاد، لكننا للأسف قلنا إن رفع دعم الطاقة سيستمر تدريجيًا على خمس سنوات رغم أن هناك دولا قامت به فى عام واحد، وأول مرة قمنا بها كان جيد جدًا، والسنة الثانية لم نقم بشىء رغم أننا فى الوقت الحالى لدينا فرصة ذهبية لرفع الدعم عن أسعار الطاقة، وبالتالى تستطيع عجلة الاقتصاد أن تسير بشكل طبيعى.


ويجب التأكيد هنا أن هذا الدعم يشوه الحالات الطبيعية فالمسألة هى تحرير الاقتصاد، وبدون تحرير الاقتصاد والقيام بمشروعات كبرى سيصبح الأمر مجرد رواج وقتى تستفيد منه طائفة معينة، مثل العاصمة الجديدة وسوف يستفيد كل العاملين فى التشييد والبناء فقط، لكن نحن نتحدث عن بلد فيه ٩٠ مليونا، والمشروعات جيدة إذا كانت مرتبطة بعملية تحرير الاقتصاد والمجتمع.


ما الذى تعنيه بمصطلح «تحرير المجتمع»؟


أن تعطى الفرصة للجمعيات الأهلية والمجتمع لخلق روابط تنموية، فالقطاع الأهلى يتولى مثلا مهمة إنشاء المستشفيات والجامعات والمدارس، وقتها لن تكون الدولة بمفردها هى التى تتحمل العبء.


وأريد من هنا الانتقال إلى نقطة ثانية، وهى أن الرئيس السيسى مطالب الآن بأن يحدد أولويات «ما الذى يريد أن يفعل؟»، وما الحزمة التى يريد تقريرها، ولدينا وثيقتان مهمتان، من الممكن أن تجد فيهما قصورا، لكنهما رغم هذا تشكلان نقطة بداية جيدة، أولًا رؤية مصر ٢٠٣٠، وثانيًا بيان الحكومة، وأرى أنه أصبح لزاما علينا وضع السياسات، التى تؤدى لتنفيذ هذه الرؤية، والنظام هو من يقوم بهذا، ولا نقوم بعمل نظم موازية مثل صندوق تحيا مصر، وأنا أرى أن صندوق «تحيا مصر» هو عمل المواطنين، وهم الذين يعملون صناديق لتنمية مناطق فقيرة أو عشوائيات إلى آخره، لكن الدولة لا تقوم على تبرعات، بل تقوم على وجود نظام للاستثمار، يشجع الناس على الاستثمار، فالرئيس عندما قرر حفر قناة السويس وطلب من المصريين الاستثمار الناس مباشرة استثمرت، وهذا يؤكد أن الناس لديها ذكاء اقتصادى، والأمر ذاته يمكن تطبيقه فى مشروعات تنمية محور القناة، وهذا أيضًا ينطبق على الطرق، فالمملكة العربية السعودية، سبق وأن خصخصت الطرق وأصبحت برسوم، وأيضًا خصصت جزءا كبيرا من التعليم والصحة، وأعرف أن هناك معسكرا من الناصريين واليسار ضد كلمة الخصخصة، حتى وزير قطاع الأعمالد. أشرف الشرقاوى «مرعوب»، ويؤكد دائما فى تصريحاته أنه لن تكون هناك خصخصة، أرى أن استمرار الوضع كما هو عليه الآن يعنى استمرار استنزاف القطاع العام للدولة وللموازنة العامة، واستنزاف الهيئات القومية بما فيها الصحافة القومية.


باختصار.. علينا أن نتخلص من كل شيء يؤدى إلى نزيف، والمؤسسات النازفة يجب أن لا تُوظف أحدا، فإذا كانت غير منتجة ولا توفر وظائف، فكيف تأخذ حوافز وأرباحا، وهناك أمور ربما «ربنا بعت الرئيس السيسى حتى يتصدى لها»، وكان من الصعب على مبارك اتخاذ قرارات فى مثل هذه الأمور، إنما الآن عبرنا المسافة، ونظام مبارك كانت له توازنات تتناسب مع زمنه، وكان لا يعرف الانطلاق.


هناك من يتحدث عن رجال الرئيس أو «بطانة الرئيس».. بصراحة هل هناك بالفعل «بطانة للرئيس».. وإن وجدت كيف تنظر لها؟


بكل صراحة لا أعرف من هم.. وببساطة شديدة نحن نعرف السفير علاء يوسف، المتحدث الإعلامى فقط، والبقية الباقية لا نعرف عنها شيئا، وهناك من هم فى مناصب إدارية، لكن الحديث عن المصدر الذى يحصل منه الرئيس على الاستشارة لا أعرفه، كما أننى لا أعرف هل يتبع الرئيس نفس سياسة «مبارك»، الذى كان يأخذ رأى المخابرات العامة والجيش والخارجية والمالية، وبالتالى تكون للرئيس وجهة نظر واحدة وهى وجهة نظر الحكومة المقيدة بالقوانين، التى يريد الرئيس تغييرها لأنها معوقة للانطلاق.


لو طلب منك إعداد ورقة استراتيجية ليسترشد بها الرئيس.. ما الذى يمكن أن تتضمنه تلك الورقة؟


سوف تتضمن أولًا التحرير الاقتصادى، والتأكيد أن السياسات النقدية لابد أن تعبر عن الواقع الاقتصادى، وثانيا يجب أن نتحمل، والرئيس فى خطبة سابقة قبل الترشح للرئاسة، قال إن الإعلام سيزداد فى المواجهة، ولذا يجب عليه أن يتعامل مع هذه المواجهة كونها أمرا طبيعيا.


وأدعو الرئيس أن ينتهز الفرص التى سبق وأن قام بخلقها وإيجادها، وأن تعمل الرئاسة كمحطة قوية جدا لرفع الطاقة فى كل الفرص الموجودة، فرئيس الوزراء لاتوجد لديه السلطة أو الشجاعة أحيانا لأن يقول سنخفض أو نلغى كذا، وهذه القرارات ذات طبيعة اقتصادية إلا أن جوهرها سياسى، لأنه يتضمن الحديث مع الناس، مثلا موضوع الخبز الرئيس نجح فيه، فى الوقت الذى كانت هناك طوابير تطالب به أيام حكم «مبارك»، ورغم أن موضوع الكروت كان أيامها مطروحا، لكن مبارك لم يقترب منه، حيث كان المنتفعون يعترضون، واليوم الناس أصبحت تستفيد من نظام الكروت والنقاط.


بالعودة إلى الحديث عن الإعلام.. هناك من يشير إلى أن الرئيس بدأ صبره ينفد بسبب اعتماد الإعلام على «فيس بوك».. وتلازم مع الأمر ذاته الحديث عن وجود «مراكز قوى» تحديدا فى الإعلام الخاص (صحف وقنوات).. هل تتفق مع كل ما سبق؟


يجب أن نشير أولا إلى أن الإعلام الورقى كله يتراجع، والصحافة الورقية مؤثرة فى إطار ضيق جدا من المثقفين والمتعلمين فوق سن الخمسين، وكل من هو أقل من الخمسين يدخل على الفضاء الإلكترونى، وأصبح التليفزيون كله مسلسلات تركية ومصرية وهندية، وهناك محطة مثل ON tv «قلبت كورة».


وفيما يخص برامج «التوك شو» أرى أنه علينا النظر لنسبة المشاهدة، لأن نسبة المشاهدة محدودة لبرامج التوك شو فى مصر ماعدا برامج معينة، ولهذا لابد أن تعلن للناس نسبة المشاهدة، وهناك ثلاثة أسماء تقدم «توك شو» يمكن القول أنها مع الدولة بشكل مطلق وهم «أحمد موسى ولميس الحديدى وأسامة كمال»، ويجب أن نشير هنا إلى أن البرامج الثلاثة تتمتع بنسبة مشاهدة كبيرة.


وفيما يتعلق بالحديث عن «مراكز القوى»، أريد التأكيد أن حجم تأثير البرامج التليفزيونية مقارنة بـ»الفضاء الإلكترونى» لا يقارن، فالتأثير الأكبر هو الموجود فى الفضاء الإلكترونى (مواقع التواصل الاجتماعى) وهى مؤثرة فى شريحة معينة مابين سن (١٨ ٢٤)، ويتم استغلال الشباب من قبل جماعات المعارضة من الإخوان والفوضويين والاشتراكيين الثوريين و٦ أبريل، وهم الذين «خرجوا بدرى من حلف ٣٠ يونيه»، والكتلة الرئيسية من المجتمع مؤيدة للرئيس ومازالت تنتظر منه المزيد، وإذا كان هناك عبء عليه، فهذا لأن التوقعات عليه أعلى من أى رئيس كان موجودا من قبل فى مصر. وطالما متوقعون تزيد نسبة الإحباط، ووظيفة السياسى هنا تتمثل فى التوضيح للناس بأن عملية تحويل «الفلوس لمشروع محتاجة وقت»، والانتهاء من عمل تشريع يتطلب وجود تشريع بديل له، وهذا لايعنى أن يكون عذرا، لأن بعض القوانين الجوهرية لابد أن تنتهى وبسرعة، مثل الاستثمار واللائحة الخاصة به، وموضوع ازدراء الأديان، وتحويل الدستور كله لقوانين كل هذا أمر مهم.


هل ترى أن الرئيس يحتاج إلى «نخبة جديدة» تمتلك المقدرة والرؤية المطلوبة للتعامل والعمل معه؟


البلدوليس الرئيستحتاج لنخبة جديدة، كما أن النخبة لا تتكون لمجرد أنك تريد نخبة، النخبة تتكون عندما ينمو اقتصاد الدولة، وتصبح هناك رؤية جديدة للمجتمع وعملية الإنتاج والمشروعات المختلفة، كل هذا الكلام يحتاج لنخبة جديدة، لأن النخبة التى عاشت مع نمو ٨٪ نموا تختلف مع النخبة، التى عاشت مع ٣٪ نموا.


ويجب التأكيد أنه ليس هناك رئيس يحتاج تشكيل نخبة جديدة، إلا إذا انطلق البلد، والنخبة الصناعية لايمكن أن تقوم إلا إذا توافر مجتمع صناعى وصناعة تنمو، وليس بقفل المصانع.


لكن هناك من يردد أن النخبة المحيطة بالرئيس بدأت تنفض بعد أن راودها شعور بالقلق من عدم وجود تقدم ملموس.. ما تعقيبك؟


الفترة من ٢٠١١ حتى وقتنا الحالى لها ثمن، كما أنها أسهمت بشكل كبير فى حدوث تأخير فى أشياء كثيرة، والرئيس يحتاج الصبر، ورغم الجهد العظيم الذى يبذله، إلا أن هذا الجهد فى أمس الحاجة لأن تتم مضاعفته، ويجب أن يتم تقسيم الأمور بين الرئيس وبين بقية رجال الحكومة، لأننا نلاحظ دائما أن كل موضوع يدافع عنه بنفسه، فأين رئيس الوزراء، وكذلك الوزراء المعنيون؟، وللأسف الشديد عندما يخرج ويتحدث وزير يرتكب كوارث وكلام لاينبغى أن يقال، والرئيس الأمريكى مثلا تحدث عن قضية فى خطاب ١٥ دقيقة ثم يترك الأمر للمستشار المختص بالملف أو القضية، والإخوان كان لديهم ٣٢ متحدثا رسميا، وبعد كل قضية تثار يخرجون ليتحدثوا فى كل وسائل الإعلام، والرأى العام جزء أساسى من نجاح أى سياسة، وكيف تسوق لقضية معينة، وهكذا تحدث الرئيس عن الرأى العام عندما قال لو طرحت موضوع جزيرتى تيران وصنافير، كان أصبح الناس فى غضب شديد منذ ٧ شهور.


على ذكر «صنافير وتيران».. هل تقف فى جانب الأصوات التى تؤكد أن الرئيس كان يجب أن يتحدث مع الشعب فى الأمر منذ فترة؟


بالفعل.. أتفق مع هذا الأمر.. كان الأفضل أن يفاتح الشعب فى الموضوع من البداية، ونحن نحتاج لدراسة تاريخية، وحال الجزيرتين وقت قيام الدولة المصرية الحديثة سنة ١٩٢٢، ووقت قيام الدولة السعودية سنة ١٩٣٢عندما سألت فى الخارجية لم أجد إجابة، وهذا الموضوع لا أريده أن يغطى مشكلات مصر الأخرى، فهناك قضية التنمية والتطور ومحاربة الفقر إلى آخره، ولا أريده أيضا أن يؤثر على العلاقات المصرية السعودية.


كما أننا يجب أن نتساءل هل الحل الوحيد أن تكون الجزيرتان معهم أو معنا؟، فهناك مناطق تنمية مشتركة وكانت هناك منطقة محايدة بين السعودية والكويت، والجسر هو بداية التنمية المشتركة، ويمكن الالتقاء عند حلول وسط إذا وصلنا إلى أن الموضوع ملتبس، وإذا تحدثنا عن ترسيم حدود فلابد أيضا من وجود مزايا للمصريين.


فى مسألة «تيران وصنافير».. هناك أصوات خرجت لتؤكد أن «حالة الثورة مستمرة «.. كيف ترى أصحاب هذه الأصوات؟


هذه الأصوات أصبح واجبا عليها تحمل المسئولية قليلا، أنهم يريدون إرجاع مصر للوراء من الناحية الفكرية، وثمن ما ندفعه اليوم لابد أن يتحمل مسئوليته أحد، ليس بالمعنى الجنائى لكن بالمعنى التاريخى والسياسى، وبعض التطورات والشخصيات فى الحقيقة لم تساهم فى بناء هذا البلد، بل على العكس تسببت فى كثير من الانشقاقات، وللأسف لا أحد يتحمل المسئولية، ولو أننا بدأنا من اليوم فسيكون من الغباء الشديد أن نكرر ما فعلناه من قبل.


من هؤلاء الذين تتحدث عنهم؟


أتحدث عن التيارات اليسارية والناصرية والفوضوية الموجودة، وهى فى الحقيقة حجر الزاوية فى فكرة التظاهر من أجل التظاهر، وأريد التأكيد أن محاولة تصوير الأمر وكأنه تظاهر وأن تشل مؤسسات عامة ومواصلات عامة، تحت دعوى أن هذا جزء من حرية التعبير، هذا أمر لا يمكن تقبله، إذا نحن كنا نريد بناء البلد والحالة الاقتصادية تتحسن على مدى زمنى معقول، وحسب قدرات شعبنا الذى به ٣٠٪ أمية وفقرا طبيعى أن نتحرك بسرعة، ولو استمرت التظاهرات فسوف يتراجع البلد أكثر ما هو متراجع.


هناك من يطالب بأن تكون هناك ميعاد شهرى يتحدث فيه الرئيس ويكشف كل الأمور للشعب..؟


أنا ضد الحديث الشهرى المستمر، لأن وسائل التواصل مع الناس كثيرة، ولايوجد تواصل مرة واحدة، والناس لا تنفذ الفكرة من الحديث عنها مرة واحدة، الناس تستقبل رسائل كثيرة كل يوم، وحتى تستمر رسالتك لابد من التكرار الكافى، ولكن لاتصل بها لدرجة الملل أو تقصر فيها، فيتم نسيانها ثانى يوم، ولابد من معلومة تلفت الانتباه، ولابد من دراسة فكرة الحديث الشهرى ولابد أن يحتوى على معلومات ونكهة، وهو يمتلك النكهة والشخصية، والرئيس السيسى دائمًا ماتكون لديه خطة ونقاط للحديث، ولابد أن يقرر ما الأولويات التى يريد التركيز عليها، والرسالة الأساسية التى يريد توصيلها للناس، ولابد أن تكون الخطبة مركزة فى بضع دقائق، وتفويض الناس له لايعنى أنه “شيك على بياض”.


خلال حركات التغييرات التى تتم فى بعض الأماكن.. يخرج فريق ليؤكد أن الرئيس لا يعتمد إلا على العسكريين.. هل يمكن أن تقدم لنا تفسيرا لهذا الأمر؟


كل حاجة عندما تزيد على حد معين من الممكن أن تؤدى إلى نتائج سلبية، وحقًا كان من الطبيعى ما فعله الرئيس، لكن بعد عامين من وجوده بالسلطة لابد أن يتم توسيع الدائرة، وأستشف من هذا التوجه أن الرئيس فاقد للثقة فى المدنيين ورجال الأعمال، خاصة أنه ذو خلفية عسكرىة، وقائمة مشاكل البلد والعدد الموجود فيها يجعل القماشة، التى تأتى من جهة واحدة ضيقة، صحيح أن القماشة التى تأتى من العسكرية أكثر انضباطًا، لكن هذا الأمر يكون جيدا فى أمور معينة، لكن فى أمور أخرى الوضع مختلف، والأهم من هذا حتى تصل البلد لنقطة الانطلاق نحتاج لتعبئة كل الطاقات الموجودة، وبالتالى نحتاج إلى جانب العسكريين رجال الأعمال والنخبة الموجودة فى المحافظات والشباب، والفنيين المصريين بالخارج، فتعبئة كل هذا جزء من وظيفة السياسى والرئاسة، وحتى تتم تعبئتهم لابد من سماعهم، والرئيس عندما التقى المثقفين قال: إنهم يقولون كلاما نظريا، وأحدهم طالب بمشروع نهضاوى، فرد عليه اعملوا المشروع النهضاوى، وكلامى فى هذا الإطار لا أوجهه للرئيس فقط، لكننى أوجهه أيضا للنخبة التى تقابله.


وكيف ترى النخبة؟


النخبة هى كل من يؤثر فى اتخاذ القرار سلبًا أو إيجابًا، من إعلام وأصحاب المصالح ورجال الأعمال والقوات المسلحة والجمعيات الأهلية وغيرهم، أرى أنهم ضجيج كبير جدًا، لابد من توجيه السهم فى المكان الذى تريد التأثير فيه.


صانع القرار يريد من النخبة أن تتحدث عن خيارات وبدائل بشكل واقعى، ولابد أن نعلم الشعب هذا، وحمدين صباحى مع تقديرى له، لابد من أن كل كلام وفلسفة ونظرية يتبناها أن تتحول إلى استراتيجية، وكل استراتيجية تتحول إلى برنامج عمل، وكل برنامج عمل يتحول إلى جدول زمنى، وهذه هى وظيفة النخبة، النخبة المرتبطة بالسياسة.


هل ترى أن النخبة لم تقدم شيئًا؟


النخبة لم تؤد وظيفتها، وحدث لها تأميم بعد سنة ٥٢، وبعد ٢٥ يناير لا تعرف كيف تسير، ونحن غير مدربين على فكرة الخيارات، وبالنسبة لرؤية مصر ٢٠٣٠ أرى أنها نقطة بداية جيدة جدًا، وبرنامج الحكومة كل الناس تنتقده جدًا، لكن فى نفس الوقت لم يقدم أحد من النخبة برنامج بديل، ولا أتصور أن هناك حزبا سياسيا يرد على بيان الحكومة ببيان مضاد، البديل المضاد لابد أن يشمل الثمن ومن أين يأتى بالتكلفة.


هل يمكن القول إن هناك أطرافا ما تحاول عزل الرئيس عن الشعب؟


لا أمتلك معلومات تؤكد هذا الأمر.. لكننى فى الوقت ذاته أنظر للقاءات ونتائجها، كما أننى غير واثق أنها مفيدة للرئيس، النوايا طيبة لكنها لابد أن تُخدم على استراتيجية، وليس يقول كل شخص رأيه، لأن وقت الرئيس أثمن بكثير من أن نضيعه، كما أننى متوجس من طريقة الاختيار والفلسفة التى تحكم من يجلسون مع الرئيس فى شكل مجالس رئاسية متخصصة، ولم يثبت لى حتى الآن أنها مفيدة للرئيس.


هل هناك تنسيق بين هذه المجالس الاستشارية والحكومة؟


أشك فى أن يكون بينهما تنسيق، أو أن الحكومة تعطيهم كل المعلومات التى تمتلكها، ما أراه صالحا للبلد وقد أخطئ وأصُيب -، أن تكون هذه المجالس موجودة فى قصر الرئاسة بشكل دائم، ويكون هناك مجالس تنسيقية بين الجهاز التنفيذى والمجالس الموجودة بالرئاسة ويجتمعون بشكل دورى، بحيث يكون لدينا علاقة عضوية بين الرئاسة والجهاز التنفيذى للدولة، وأرى أن عنصر التنسيق الوحيد هو الرئيس، وهذه رؤية خارجية قد أكون مخطئا فيها.


هل أخطأ الإعلام فى قضية سد النهضة أو الجزيرتين أو الشاب الإيطالى ريجينى؟


موضوع سد النهضة فنى ومعقد وتراكم بشكل كبير منذ بث الجلسة أيام مرسى وأيمن نور، ونحن ندفع ثمنها حتى الآن، فقد خلقت نوعًا من الشك.


أما عن الشاب الإيطالى ريجينى، فالإعلام لا يختلق المشكلات، إذا أردت أن تحاسب أحدا عليك محاسبة الرسالة وليس المُرسل، الإعلام لا يختلق شيئا غير موجود، حيث يوجد فى مصر مراسلون أجانب وسفراء، وهناك إعلام إلكترونى، وأيضًا طريق المعالجة، والمشكلة فى الإعلام أنه تابع القضية وسأل أسئلة صعبة، وليست وظيفة الإعلام توجيه الاتهامات أو الدفاع، لكن وظيفته طرح الأسئلة، والموضوع متراكم ولا يمكن النظر لـ»ريجيني» فقط، لكن يجب النظر أيضًا للمنظمات الحقوقية وموضوع حقوق الإنسان، ولدىّ يقين أنه هناك أمورا الرئيس السيسى يرفضها تمامًا، وفى موضوع الحبس الاحتياطى الآن لدينا ناس تظل ٤ سنوات فى السجن بدون حكم وهذا النظام تم تفعيله بعد ثورة ٢٥ يناير، لتعويض إلغاء قانون الطوارئ، وقانون الطوارئ كان أرحم، لأن ظلمه كان واضحا والناس كانت ضد القانون.


وفى موضوع «ريجينى» ظهرت مصر وكأنها تتصرف كحالة خاصة، وهذا أيضًا فى ظل وجود إرهاب وهذا يدفع للشك، وفى حدود ما أعلمه لم يتهم الجانب الإيطالى الأمن المصرى وكل القضية هى فى مدى المعلومات المتبادلة، وفى مسألة إدارة الأزمة هناك تراكم، وفى أكثر من مرة تحدث الرئيس عن مراجعة كشوف المسجونين، والرئيس لديه درجة من الثقة فى المجلس القومى لحقوق الإنسان، وهناك أشخاص مدربون على التعامل مع القضايا الدولية، فلذلك لابد من الاستفادة من خبراتهم خاصة أنهم يتمتعون بنزاهة دولية، وليسوا معادين للدولة.


من وجهة نظرك.. هل هناك أخطاء نكررها دائما يمكن أن تبرر لنا حالة التراجع التى تصاب بها البلاد كل فترة؟


نعم هناك شيء خطأ ودائما، نحن منذ مائتى سنة لم نخترق حجب التخلف، ودائما ما نقوم بخطوات للأمام ثم نقف، بينما العالم يجرى، فى سنة ٥٠ على سبيل المثال كنا مثل البرتغال وإسبانيا وإيطاليا وأفضل من تركيا بكثير، الآن تقدموا هم علينا، والتقدم هنا يعنى أن يكون النمو ذاتيا ومستقرا ويحدث فتتبادل القيادات والناس تدفع فى الجوانب المختلفة للتقدم والتغير، ولهذا أرى أن الرئيس عبد الفتاح السيسى آخر فرصة لدينا فى ذلك، وكلنا لدينا أمل بأن يحقق النجاح.



آخر الأخبار