تحذيرات «للسيسى» من اختراق الطبقة الرأسمالية الطفيلية نظام الحكم من يحكم مصر؟

20/04/2016 - 12:53:51

بقلم - د. صفوت حاتم باحث وكاتب سياسى

منذ اندلاع ثورة يوليو وانتقال السلطة فى مصر من الملكية إلى الجمهورية،تميزت عملية انتقال السلطة بظروف وأوضاع استثنائية .


فبعد نجاح الثورة عام ١٩٥٢، وتولى اللواء محمد نجيب رئاسة الجمهورية بدا واضحا أن صراعا على حكم مصر يحتدم تحت السطح بين الضباط الشبان المهمومين بقضايا التغيير والمستقبل وبين رئيس الجمهورية الأول، فحقيقة الأمر أن اللواء نجيب  لم يخرج عن العقلية الإصلاحية التى  كانت تبشر بها أحزاب المعارضة الراديكالية كالحزب الوطنى القديم بزعامة المرحوم فتحى رضوان أو مصر الفتاة بزعامة المرحوم أحمد حسين أو التيار الراديكالى داخل حزب الوفد والذى تمثله الطليعة الوفدية بزعامة المرحوم محمد مندور ،على أية حال انتهى هذا الصراع على السلطة بإقصاء اللواء محمد نجيب وصعود نجم الضابط الشاب جمال عبدالناصر.


احتاج جمال عبد الناصر لعدة سنوات كى يؤمن وحدة ومركزية السلطة حول شخصه ومشروعه السياسى .


ونجح  بعد حرب ١٩٥٦ فى تحقيق استقرار سياسى  جنب مصر ويلات الانقلابات العسكرية التى كانت تعصف ببعض البلدان العربية وبعض دول العالم الثالث حديثة الاستقلال آنذاك  .


ورغم أن الواجهة السياسية  لنظام الحكم فى مصر كانت تظهر أن جمال عبد الناصر هو صاحب السلطة الحقيقية فى مصر آنذاك . لكن واقع الأمر وما تكشف بعد ذلك أظهر أن هناك ازدواجية حقيقية فى السلطة بين سلطة مدنية يملك قرارها جمال عبد الناصر وسلطة عسكرية يملك قرارها بالكامل عبد الحكيم عامر !!


وكانت حرب ١٩٦٧  وظروف الهزيمة العسكرية فرصة لعبد الناصر لإنهاء تلك الازدواجية فى حكم مصر بين قيادة مدنية وقيادة عسكرية لتصبح  الثانية خاضعة تماما  للسلطة الشرعية الوحيدة فى البلاد .  


٢ شكلت وفاة عبد الناصر المفاجئة والدراماتيكية عام ١٩٧٠ ظرفا استثنائيا فى عملية انتقال السلطة فى مصر، وتم اجتياز هذا الاختبار الاستثنائى  بأقل تكلفة بشرية .


 فرغم صراع الاتجاهات الفكرية والمصالح والاستراتيجيات فى قمة السلطة السياسية إلا  أن مؤسسات الدولة انصاعت فى النهاية للرئيس المنتخب شرعيا.


وهكذا نجح الرئيس السادات فى الحصول على  قبول واسع من  كل مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية فى  بداية حكمه، وقد مكنه هذا القبول الواسع  من الوصول إلى حرب أكتوبر ١٩٧١ دون معارضة سياسية تذكر. وأكسبته النتائج العسكرية الباهرة  للحرب شرعية سياسية وشعبية جماهيرية غير مسبوقة له، ولكن سرعان ما أدت سياساته الداخلية والخارجية إلى تنامى حدة المعارضة السياسية .


 فسياسة الانفتاح الرأسمالى التى أنتهجها عام ١٩٧٤سرعان ما أنبتت طبقة رأسمالية طفيلية تمتص خيرات البلاد وتجهض أحلام المصريين الذين ضحوا وصبروا  خلال سنوات حرب الاستنزاف واقتصاد الحرب، وما لبث أن انفجر الموقف الشعبى مع أول بادرة  تذمر فى يناير ١٩٧٧ .


وبدلا من أن يعى السادات دلالات هذا الدرس القاسى راح يندفع أكثر فأكثر نحو سياسات أكثر يمينية تنتصر للطبقة الجديدة التى نشأت حوله والتى سماها أحد أقطاب نظامه بطبقة « القطط السمان « .


وعلى المستوى الخارجى لم يقدر الرئيس السادات الحاجز النفسى الحقيقى الذى يمنع الشعب المصرى من التطبيع مع إسرائيل وأمريكا، وظل الشعب يعتبرهما خلال ثلاثة عقود عدوين رئيسيين لتقدمه ومستقبله وسببا لكل أزماته الاقتصادية والسياسية والعسكرية.


 وكما اعتمد الرئيس السادات  « سياسة الصدمات « .. كما كان يحلو له أن يسميها انتهت حياته بصدمة دراماتيكية ومذهلة كسياساته التى أذهلت الكثيرين فى العالم .


 ٣وهكذا للمرة الرابعة فى عملية انتقال السلطة فى  مصر، تولى الرئيس حسنى مبارك  الحكم فى مصر فى ظل أوضاع استثنائية حيث ضرب الإرهاب أركان الدولة المصرية  .


 وكالعادة انشغلت النخبة السياسية المصرية فى بداية حكم الرئيس مبارك بنقد سياسات سلفه  السادات ونقد سياسة الانفتاح وانفراد الرئيس السابق بالقرارات السياسية المصيرية .


 بدا واضحا فى بداية عصر مبارك أنه يتمتع بفترة « سماح « أو «تسامح» من كل طوائف المعارضة السياسية على أمل تدعيم مؤسسات الدولة فى مواجهة الإرهاب المتأسلم .


وما إن هدأت « صدمة الإرهاب « الأولى التى أنهت حياة سلفه، حتى اندفع بسرعة شديدة نحو سياسات أكثر يمينية من سياسات سلفه .


ورغم شعارات الطهارة ومقاومة الفساد التى رفعها الرئيس مبارك فى بداية حكمه إلا أنه أنهى حكمه بمعدلات غير مسبوقة فى الفساد طال كل مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية ،وانهارت مقاومة الدولة المصرية أمام جحافل  قوى الفساد المالى وقوى الإرهاب المتأسلم .


 ٤ من هذا التطور التاريخى سنلاحظ أن الطبقات الطفيلية التى نبتت على أطراف الدولة الناصرية استطاعت أن تخترق وتسيطر على نظام الحكم فى مصر فى عهدى الرئيسين أنور السادات وحسنى مبارك وبعد أن كانت هذه الطبقة الطفيلية تلقى تقييدا وتضييقا فى العهد الناصرى بدا واضحا بعده أنها قد انفلتت من كل قيود بل وتلقى تشجيعا من حكام البلاد وأصبحت شريكا فاعلا فى الحكم وصنع القرار السياسي.


 واكتسبت تلك الطبقة « الطفيلية « قدرتها المطلقة وهيمنتها الفعلية من خلال الارتباط  بالدوائر الأجنبية عبر وكالات الشركات العالمية ومكاتب الاستيراد .


وكان لابد والحال هكذا أن تجهز تلك الطبقة الطفيلية على قدرات الدولة الوطنية وتصفى ركائزها المادية من خلال بيع وخصخصة القطاع العام بأرخص الأثمان .


وانتهى عصر مبارك والدولة المصرية عارية من كل ما يسترها ويحميها بعد أن أغرقتها الطبقة الرأسمالية المسيطرة فى الديون وعمليات النهب المقنن للبنوك وبيع وتحطيم شركات القطاع  العام وغلق المتبقى من مصانعنا الوطنية تحت شعار سوء الإدارة وتدنى مستوى التكنولوجيا بها .


 ٥- مخطط تدمير شامل رسمته دوائر أجنبية ونفذته الرأسمالية الطفيلية وترافق معه كل أنواع الاختراق من التمويل الأجنبى والإعلامى من جمعيات أهلية وصحف ومجلات وفضائيات ممولة من الخارج والداخل بهدف واحد هو إحكام القدرة والسيطرة على الدولة المصرية وإعطاب أى احتمال على نهضتها الوطنية .


 ٦كانت ثورة يناير فى جوهرها الشعبى رفضا شعبيا واسعا للطبقة الطفيلية التى حكمت مصر  خلال أربعين عاما، كانت رفضا للفساد ورفضا للإذلال الاجتماعى التى عانت منه الطبقات الفقيرة والطبقة الوسطى المدنية.


وكانت ثورة ٣٠ يونيه فى جوهرها استمرارا للرفض الشعبى لتيار الإرهاب المتأسلم الذى حاول خلال سنة من حكمه استبدال بعض شخوصه من الأثرياء الطفيليين محل شخوص معينة من الطبقة القديمة المسيطرة أو من خلال ابتزازه لبعض الرموز الرأسمالية القديمة للحصول على « شراكة « مالية وتجارية وامتصاص ما تبقى من دماء الشعب المصرى .


  ٧لقد أبدى الرئيس عبد الفتاح السيسى « تفاؤلا « شديدا فى تعاون الطبقة الرأسمالية القديمة فى التعاون معه من أجل النهوض بمصر من عثرتها .


واكتسب خطابه السياسى معها بنوع من  « النعومة « وربما كان هذا التفاؤل وتلك النعومة هى ما أغرت بكثير من رموز الطبقة الرأسمالية الطفيلية بالتجرؤ على الدولة وتهديدها بالانسحاب من مصر وتوجيه نشاطها للخارج .


وضغطت تلك الطبقة على رئاسة الدولة وأجبرتها على التراجع عن عدة قوانين تحد من نفوذها المالى كقانون الأرباح الرأسمالية على البورصة والحد الأدنى والأقصى للرواتب وقانون الحد من الاستيراد الترفى وقانون المصالحة مع الفاسدين ( !! ) .


٨هذا التراجع المتسارع وغير المنطقى لسلطة الدولة الوطنية أمام جحافل الرأسمال الطفيلى يسير فى نفس الاتجاهات التى ميزت الدولة المصرية منذ سياسة الانفتاح الاقتصادى عام ١٩٧٤ .


ويبدو واضحا للعيان الآن أن الطبقة « الطفيلية « فى طريقها للتعافى تماما من صدمات « يناير» و»يونيه» وأنها لا تألوا جهدا في»احتواء» سلطة الدولة من خلال زرع كوادرها التكنوقراطية كوزراء فى الحكومة أو فى المواقع والمؤسسات الاقتصادية والمالية والمصرفية وجمعيات رجال الأعمال وغرف الصناعات المختلفة ومسلحة بجيوش من الإعلاميين والصحفيين بل وأكاديميين معروفين يخدمونها بإخلاص ودأب مقابل بضعة ملايين يتلقونها من أموال النهب والفساد التى تبلغ  فاتورتها مئات المليارات ( !! ) .


٩  وهنا نقول : إن مايبدو اليوم فى مصر من صراع على السلطة لا يبدو فى حقيقته صراعا طبقيا بالمفهوم المدرسى للصراع الطبقي، بل هو صراع سياسى على السلطة واحتكار القرار السياسى والاقتصادى يدور بين الدولة الوطنية ممثلة فى شخص رئيس الدولة الرئيس عبد الفتاح السيسى من جهة وبين طبقة رأسمالية طفيلية وغير وطنية تزعزعت مكانتها كثيرا أو قليلا فى السنوات الخمس الأخيرة وهى تعاود محاولاتها الدؤوبة منذ السبعينيات فى ضرب الدولة الوطنية وإجبارها على الخضوع .


وقد اكتسبت تلك الطبقة الطفيلية خلال ما يقرب من نصف قرن خبرات لا يستهان بها فى عمليات التحول والتنكر والتغلغل والاختراق للوصول إلى أهدافها .


 ١٠إن التذبذب والتردد الذى أبدته الدولة تجاه هذه الطبقة الطفيلية يشجعها على المزيد من التقدم وكما قلنا من قبل فهذه الطبقة لها أعوانها فى كل مؤسسات الدولة وهى تدفعهم لمواقع القرار السياسى مع تبديل بسيط فى الوجوه، ولا نستبعد أن تكون لها رموزها أو أعوانها داخل مؤسسات السلطة التى تحيط بالرئيس من وزراء ومستشارين ( !! ) .


 إن حجم التآمر الذى تتعرض له مصر يجبرنا على مصارحة رئيس الجمهورية الرئيس عبد الفتاح السيسى أن عودة تلك الطبقة للاقتراب من السلطة السياسية، واستجابة جهات معينة داخل السلطة السياسية لضغوطها وتهديداتها وابتزازها الاقتصادى، ليس سوى مقدمة لعملية « الاحتواء»والهضم التى مارستها مع رئاسة الدولة فى عهد الرئيسين السادات ومبارك. وفى ظل اختلال ميزان القوى الاجتماعى وخلو الساحة من أحزاب شعبية ووطنية  حقيقية تبدو النتيجة شبه محسومة حتى الآن على الأقل !!


كلمة أخيرة لازلنا نعتقد فى وطنية وإخلاص الرئيس عبد الفتاح السيسى ولازلنا نعتقد برغبته المخلصة فى إنقاذ الدولة المصرية بعد أن تضعضعت.


  إن الوضع الحالى  فى مصر  يجعلنا نطرح  أسئلة المستقبل وهى تحتاج إلى إجابات واضحة وسريعة منها مثلا :هل يمكن التقدم إلى الأمام فى ظل التخريب الممنهج الذى تمارسه الطبقة الطفيلية وحواشيها ؟! وهل يمكن النجاح فى الحرب على الإرهاب فى ظل مناخ اجتماعى متأزم تزيده الطبقة الرأسمالية الطفيلية تأزما بضيق أفقها الوطنى واستعدادها الدائم لبيع البلد لأى مغامر يؤمن لها مصالحها ويضمن لها دوام نهبها لثروة البلاد؟!


والسؤال الأخير: هل ستسير مصر مرة ثالثة على الطريق المسدود الذى سار عليه من قبل أنور السادات وحسنى مبارك ؟؟!