خيرت الشاطر بدأ العمل بها منذ سنوات كتائب الإخوان الإلكترونية.. جيش «الكيبورد والبوستات»

20/04/2016 - 12:48:37

تقرير: مروة سنبل

القارئ الجيد لتاريخ جماعة الإرهابية، يدرك جيدا أن جماعة تتقن استخدام وتطويع كافة الوسائل المتاحة لخدمة أفكارها، وفى الوقت ذاته لا توجد لديها خطوط حمراء فيما يتعلق بمعركتها مع من تضعهم فى خانة «الخصوم والأعداء»، تعد السيناريوهات اللازمة لعملية المواجهة.. وتعرف جيدا كيف تختار الوسيلة، أو الأداة، المناسبة لإدارة معاركها السياسية.


«كتائب الإخوان الإلكترونية».. واحدة من الأدوات التى مكنت الجماعة، فى أكثر من موقف، من حسم معاركها مبكرا، فقيادات مكتب الإرشاد، وتحديدا المهندس خيرت الشاطر، كان على رأس الذين فطنوا لأهمية إيجاد كيان إلكترونى يتحدث بلسان الجماعة، ليس هذا فحسب، لكنه طور من امكانيات هذا الكيان، ومنحه صلاحيات أخرى، وأسلحة ليدير معاركه مع الخصوم، سواء عن طريق ممارسة الاغتيال المعنوى للخصم، أو إطلاق الشائعات التى تصب فى صالح الجماعة.


خلال السنوات القليلة الماضية، وتحديدا بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، منحت الجماعة مساحة أكبر لـ»كتائبها الإلكترونية» كى تتحرك فيها، ويمكن القول أن الأخيرة أجادت استخدام تلك المساحة، وطوعت غالبية الأزمات لصالح «الإخوان»، ومع وصول الدكتور محمد مرسى، الرئيس المعزول، لـ»سدة الحكم»، بدأت الكتائب تمارس سياسة أكثر عنفا ضد الأصوات المناهضة لحكمها وقرارات رجلها فى «الاتحادية»، حتى تم عزله.


يمكن القول أيضا، أن الفترة التى تلت عزل «مرسى» شهدت – هى الأخرى، تطورا فى أداء «الكتائب الإلكترونية الإخوانية»، لكنه كان تطورا قائما على إطلاق الشائعات، ومحاولة تقويض النظام الحاكم، عن طريق مطاردته بـ»مقاطع فيديو مفبركة»، أو العمل على ترويج أخبار كاذبة من شأنها زعزعة الأمن الداخلى للبلاد.


فى مقابل نشاط تلك الكتائب، يقوم قطاع التوثيق والمعلومات بوزارة الداخلية ومباحث الإنترنت، بملاحقة الصفحات التى دأبت على التحريض على العنف، وقد تمكن بالفعل من إغلاق ٣٣٤٣ صفحة إخوانية على موقع التواصل الاجتماعى «فيس بوك»، وضبط ٢٥٤ متهما وراء التحريض على العنف وإثارة القلق خلال عامين.


«أطلق الشائعة واترك لمجتمع النميمة المصرى البقية.. سيقوم بنشر هذه الشائعات والترويج لها» .. هذه رؤية خيرت الشاطر لاغتيال المعارضين له ولجماعته، والتى عبر عنها خلال إحدى الجلسات الإخوانية عام ٩١ والتى كان يتم الحديث فيها عن كيفية مواجهة القوى المعارضة للإخوان، مؤكدا أن الأمر بسيط وأنه لا يجب أن يدخل الإخوان فى مواجهة صريحة مع المعارضين والمعاديين لهم ؛ فقط عليك إطلاق الشائعة.


حديث «الشاطر» أكده القيادى الإخوانى «المنشق»، المفكر السياسى ثروت الخرباوى، حيث قال: هناك مجموعات مؤهلة تتولى مهمة إطلاق الشائعات بينما يطلب من عموم الإخوان تفعيل البوستات والأخبار بالتعليقات والمشاركات لترويجها ونشرها، ولكن بعد سقوط الإخوان أصيبت الكتائب بحالة من الارتباك، وبدأت فى اتباع سياسة التحريض المباشر، وتوجيه التكليفات لشباب الإخوان فى المحافظات».


«الخرباوى» فى سياق حديثه كشف أيضا أن كتائب الجماعة سبق أن أطلقت العديد من روابط «الهاشتاجات» التحريضية من خلال صفحات مركزية تدار من القاهرة، وخصصت أيضا صفحات فرعية بالمحافظات مهمتها نقل التكليفات والمعلومات الخاصة بمواعيد وأماكن التظاهرات والتحريض على العنف والاغتيال المعنوى بترويج الشائعات ونشر الأكاذيب التى تستهدف خصوم وقيادات المعارضة للإخوان، واتجهت بوصلة الشائعات الإخوانية إلى الرئيس السيسى فأطلقوا شائعة أن والدته يهودية وهى ذات الشائعة التى أطلقوها على الرئيس الراحل جمال عبد الناصر..!


وعن تاريخ الكتائب الإلكترونية للجماعة، قال «الخرباوى»: منذ أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات كانت هناك رؤية من الإخوان لاستخدام الميديا واستغلال الصحف، لذلك كانت الجماعة تسعى لشراء بعض الصحف واستخدامها للتأثير على الرأى العام، واستخدامها كوسيلة من وسائلهم لنشر الشائعات وإثارة الرأى العام عبر أخبار ملفقة، فقاموا بشراء جريدة النور التابعة لحزب الأحرار ثم اشتروا صحيفة الأسرة العربية التى كانت تابعة لحزب العمل واستطاعوا فرض سيطرتهم على صحيفة الشعب، واستطاعوا من خلالها توجيه الرأى العام فى كثير من القضايا ولفقوا فيها كما كبيرا من الشائعات واتهموا بعض قيادات الدولة فى ذلك الوقت بالفساد والشذوذ، فقيادات الجماعة هى التى أطلقت شائعة أن الدكتور يوسف والى وزير الزراعة الأسبق مصاب بالشذوذ الجنسى وغيرها من الاتهامات لعدد من رموز الدولة، إلى أن أثاروا ضجة كبرى عام ٢٠٠١ حول رواية «وليمة لأعشاب البحر» لكاتب سورى وكتبوا ما يحمل سبا وتكفيرا للوطن كله عبر أحد كتابهم، وتم إغلاق صحيفة الحزب بعدها، ثم قاموا بشراء مساحات فى الصحف لتنشر فيها مقالاتهم التى كانوا أيضا يروجون من خلالها كما من الأفكار تصب فى مصلحتهم وتتضمن كما كبيرا من الشائعات المغرضة، وصولا إلى استخدام بريد القراء فى الصحف المصرية كالأهرام والأخبار.


وأوضح «الخرباوى» أيضا أنه كانت هناك تعليمات فى فترة من الفترات من خيرت الشاطر ومحمود عزت وقيادات الإخوان بأنه على كل أخ أن يرسل مرة فى الأسبوع على الأقل خطابا لبريد القراء يحمل قضية معينة يطرحها الإخوان مسبقا، وبالتالى تم استغلال بريد القراء بشكل واضح لترويج بعض شائعات من جماعة الإخوان.


وعن موقف الأنظمة الحاكمة خلال تلك السنوات من الأمر، أكد «الخروباوى» أن الحكومات السابقة لم يكن لديها أى مانع من وجود مواقع علنية للإخوان مثل (إخوان أون لاين ونافذة مصر) وموقع إخوانى يمثل كل محافظة من المحافظات كانت تستغل فى ترويج الشائعات، ليبدأ التركيز على استخدام «السوشيال ميديا» فضلا عن مواقع أخرى ومنتديات، إلا ان «الفيس بوك» اختطف الجميع وصدرت أوامر من قيادات الإخوان بأن يتم إنشاء صفحات بأسماء وهمية على الفيس بوك بعض هذه الصفحات أو معظمها يبدو فى صورة ليبرالية أو ناصرية أو شيوعية لتبدو فى ظاهرها أنها تخاصم الإخوان لكن تتضمن كما من الأخبار المعادية للدولة والمعادية للنظام واستغلت هذه المواقع فى إثارة الجماهير وتهيئة رأى عام ضد النظام.


القيادى الإخوانى «المنشق»، ثروت الخرباوى، أنهى حديثه بقوله: هذه الكتائب نجحت فى نشر الفتنة بين الشعب المصرى وإشاعة حالة من الانقسام، واستنكر بشدة حالة الرخاوة فى مواجهتها رغم أن الإمكانيات موجودة.


فى ذات السياق قال الدكتور كمال حبيب، الخبير فى شؤون الحركات الإسلامية: كان خيرت الشاطر يستخدم هذه اللجان الإلكترونية لتوجيه قرار الجماعة وتوجيه أفرادها فى نواح معينة وبالتالى هم لديهم خبرة كبيرة فى هذا الأمر ولديهم بالفعل كتائب إلكترونية تبث أخبارا وشائعات لإثارة حالة من الفوضى، مثل ما روجه الإخوان منذ فترة عن حدوث انقسامات فى الجيش وهذا غير صحيح، وما تتم إثارته حاليا حول وجود تصارع فى القرارات بين أجهزة الدولة، وهم يركزون دائما على فكرة الصراع داخل أجهزة الدولة المصرية على سبيل المثال بين الرئيس وبين الجيش والشرطة وهكذا، بالإضافة لاستخدام الوثائق المزيفة مثل الوثيقة الأخيرة التى استخدمها أيمن نور وتناقلتها وسائل التواصل الاجتماعى فيما يتعلق بما أثير حول حصول الرئيس وأعضاء الحكومة على ساعات «رولكس» من السعودية وغير ذلك، إلا انه تم الرد سريعا من السعودية على هذه الوثيقة وكشف تزييفها وتم تفنيدها بشكل علمى مما قطع دابر هذه الشائعة وانتهت، فضلا عن المبالغة فى أعداد القتلى والمسجونين وتصوير الوضع الاقتصادى والسياسى وكأن البلاد ستنهار.


«الإخوان لم يعد لديهم القدرة على التأثير بحيث يمكنهم تهديد وحدة الصف المصرى الشعبى أو إثارة حالة من الانقسام» هذا ما أكد عليه د. كمال حبيب، وأكمل بقوله: الشعب لديه الإدراك والوعى الكامل بوحدة بلده وجيشه. وخطاب الإخوان لم يعد خطابا موثوقا فيه حيث ثبت أنه ليس له مصداقية وما يبث من صور وأخبار كاذبة لا تلبث أن يتم اكتشافها، كما أن التنظيم يعانى من خلافات وانقسامات حادة تضرب أركانه، وأريد الإشارة هنا إلى أنه عندما نعالج مشكلة علينا ألا نعلقها فى رقبة عنصر ليس له علاقة بموضوع المشكلة من الأساس، فالإخوان يعملون حينما نغيب نحن، أو بمعنى أدق تنجح الجماعة فى أهدافها إذا غابت الدولة عن المشهد فى توضيح المعلومة كما أن بعض الثغرات والإخفاقات من الحكومة وراء نجاح الإخوان فى تحقيق بعض أهدافها، وهذا لا يكشف قدرتها بقدر ما يظهر ضعف أداء الحكومة فى بعض الأحيان، على الجهات الرسمية توضيح المعلومات بمصداقية وبكل شفافية وتداول المعلومات لمواجهة الشائعات.


حديث الدكتور كمال حبيب، اتفق معه رأى سامح عيد، المتخصص فى الحركات الإسلامية الذى قال بدروه: الإخوان لهم خبرة فى مجال اللجان الإلكترونية إلا أنه أصبح حاليا هناك لجان الكترونية أخرى من غير الإخوان من انتماءات و أيديولوجيات أخرى، هذا بجانب أن الجماعة عملت طوال الفترة الماضية على استخدام مواقع التواصل الاجتماعى من أجل افتعال المشاكل والأزمات السياسية واختلاق قضايا وهمية ونشر الدعوات المحرضة على العنف للنيل من استقرار الدولة.


وفيما يتعلق بـ»ضعف الجسد الإخوانى فى الوقت الحالى»، وفقا لما أورده الدكتور كمال حبيب مسبقا فى حديثه اتفق «عيد» مع الأمر وأكمل عليه قائلا: تنظيم الإخوان لم يعد بنفس القوة المؤثرة والزخم بعد ٣٠ يونيو، فهناك حالة من الإحباط أصبحت مسيطرة على أفراد التنظيم، والخلافات الداخلية مسيطرة على كيان التنظيم بشكل أكبر، فضلا عن نقص التمويل فى ضوء الضربات الأمنية وهناك مباحث الكترونية نشطة حيث تم القبض على بعض ممن يديرون هذه المواقع، وما تتم إثارته الآن من أخبار كاذبة وشائعات من الإخوان هى جهد فردى شخصى أكثر منه جماعيا منظما مستغلين أحيانا حالة عدم الشفافية وضعف المعلومات من الجهات الرسمية والتباطؤ من المسئولين فى تفنيد الشائعات لذلك لابد من توفير كافة المعلومات بكل شفافية بحيث يلجأ إليها المواطن للتأكد منها عندما يلتبس عليه خبر أو معلومة.


من جانبه قال هشام النجار، الباحث فى شؤون الحركات الإسلامية: يغفل الكثيرون مكانة وأهمية دور التكنولوجيا الإلكترونية والإنترنت والسوشيال ميديا فى المخطط الأمريكى الغربى لاختراق وتوجيه واقع المجتمعات العربية نحو السياسات والمصالح الغربية حيث أطلق مستشار هيلارى كلينتون على تلك الوسائل وصف «جيفارا القرن الحادى والعشرين» كمحرك للشعوب وجرها للغضب والسخط على حكوماتهم ومؤسسات دولهم، وذكرها البروفيسور جوزيف ناى كأهم وسائل وأدوات «القوة الناعمة» التى اعتمدت عليها الولايات المتحدة الأمريكية فى تنفيذ إستراتيجيتها الجديدة فى الشرق الأوسط ولا تزال تستخدمها كبديل عن التدخل العسكرى المباشر، واستوعبت الإخوان تلك المتغيرات وفطنت لأهمية امتلاك هذا السلاح السحرى القادر على قلب الحقائق وتشويه الخصوم وعرض الروايات السياسية التى تصب فى إشعال الواقع السياسى وخطط تقويض الأنظمة وإفشالها وتشويه أى إنجاز تحققه، فضلاً عن الترويج لأفكار الجماعة وطرح رؤاها الدينية التى توظفها لصالح طموحاتها وأطماعها السياسية كأدوات رئيسية تعتمد عليها لإحراز مكاسب سياسية وحشد القوى الإسلامية خلفها فى صراعها مع الدولة واستغلال تدين المصريين الفطرى وغيرتهم على الثوابت الدينية فى جذب الكثيرين ممن لا يعلمون خلفيات القضايا وأبعادها إلى تبنى رؤية الجماعة.


«النجار» تابع قائلا: أرى أن هذه الحرب الإلكترونية الموجهة والممنهجة أخطر بمراحل من الحرب التقليدية العسكرية، فقد فشل الأطلسى والولايات المتحدة فى تحقيق أهدافها فى مواجهة محور البريكس وروسيا والصين باستخدام الحروب التقليدية فى أفغانستان والعراق، ونجحوا بالسوشيال ميديا التى حركت الثورات فى جورجيا وأوكرانيا وتم تهديد العمق الروسى بدون أن تتكلف الولايات المتحدة جندياً واحداً، وكذلك الإخوان فشلوا فى العودة للمشهد والتأثير فيه وإثارة الشعب ضد النظام بالعنف والتخريب لكنهم أحرزوا بعض النجاح باستخدام حرب الشائعات والتشويه واستغلال بعض الأحداث بترويجها على غير حقيقتها من خلال السوشيال ميديا، وهنا يتأكد دور ومسئولية الحكومة التى تتحمل جزءاً كبيراً من المسئولية فى ضرورة طرح الحقائق على الرأى العام، مثلما حدث فى مسألة سوء إدارة ملف الجزيرتين إعلامياً حيث كان يجب التمهيد للحدث من خلال الفضائيات وتنظيم مؤتمرات ودورات نقاش مجتمعى حول القضية كتمهيد طبيعى للتجاوب معها شعبياً بإيجابية وقبول وتفهم قبل أن يوظفها من ينتظر مثل تلك الفرص لتصفية حسابات والانتقام من السلطة ومحاولة إفشال الدولة.