مواقع التواصل الاجتماعى الحائرة بين قوى الخير.. وقوى الشر

20/04/2016 - 12:37:56

أ.د وليد فتح الله بركات

مواقع التواصل الاجتماعى ظاهرة طفت على السطح منذ حوالى عقد من الزمن واتسع نطاقها حتى أصبحت إدماناً لدى البعض، وبخاصة من فئة الشباب والمراهقين، مواقع التواصل الاجتماعى باختلاف أسمائها سواء فيس بوك أو تويتر أو انستجرام أو غيرها تهدف بالأساس إلى تحفيز علاقات البشر بعضهم البعض وتنشيطها حتى مع التباعد المكانى بين أطراف العلاقة، وكم ساهمت فى إيقاظ علاقات بين أصدقاء أو جيران أو زملاء دراسة انقطعت بسبب الانتقال إلى مسكن فى مكان آخر أو تغير أرقام الهواتف، إلا أن ظهور هذا الزميل القديم على شبكة من شبكات التواصل أتاح لباقى أصدقائه القدامى فرصة لمعرفة ما طرأ على أحواله خلال سنوات التباعد من كافة النواحى الوظيفية والأسرية وغيرها.


وكيل كلية الإعلام جامعة القاهرة


لكن مواقع التواصل الاجتماعى بالرغم من مميزاتها فقد ظهرت لها سلبيات جراء سوء استخدام البعض لها، فمثلما هى وسيلة للتجميع والترابط أصبحت أيضاً وسيلة للتشتيت والتفريق من خلال ما يكتبه البعض على صفحاتها من آراء أو أفكار أو معلومات، فيكفى أن أكتب على صفحتى على أحد هذه المواقع معلومات مغلوطة عن قصد أو بدون قصد لكى تنتشر هذه المعلومات كالنار فى الهشيم خلال دقائق ولا أقول أياماً أو شهوراً لتصل إلى كل أصدقائى المسجلين على صفحتى، الذين بدورهم ينشرونها إلى أصدقائهم وهكذا لتتسع الدائرة خلال دقائق معدودة، والمشكلة تكمن فى أن كثيراً من الناس لا يدقق فيما يقرأه على هذه المواقع قبل أن يسارع بنشره وإشراك الآخرين فى قراءته، فقد تكون معلومات غير حقيقية أو آراء هدّامة، ومن هنا تحولت مواقع التواصل الاجتماعى من وسيلة لربط الناس بعضهم البعض وتبادل أخبارهم الاجتماعية إلى وسيلة لنشر الشائعات فى بعض الأحيان، وهو ما وقع بالفعل من جماعة الإخوان التى شكلت (الميليشيات الالكترونية) جنباً إلى جنب مع الميليشيات التخريبية، فالأولى تزرع بذور الفتنة والخلاف حينما تقوم الثانية بزرع الألغام والعبوات الناسفة والسيارات المفخخة.


ويحضرنى ما وقع لى منذ بضعة أيام عندما وصلتنى عبر رسالة إلكترونية صورة (قرار مزيف) ممهور بتوقيع رئيس جمهورية مصر العربية (عبد الفتاح محمد السيسى) يسمح فيه للرجال بالزواج الثانى والثالث والرابع ويشجعهم عليه، وبالطبع فللوهلة الأولى يظن متلقى الرسالة أنه مجرد مزاح شأنه شأن أمثاله من الصور الكاريكاتيرية أو النكات، خاصة أن التزييف واضح من اسم رئيس مصر فاسمه الحقيقى (عبد الفتاح سعيد السيسى)، غير أن المدقق يكتشف أنها حيلة خبيثة لضرب التأييد الجارف الذى يتمتع به رئيس مصر من جانب النساء وخلق وقيعة بين الطرفين، خاصة أن كثيراً ممن سيشاهدون هذه الوثيقة المزيفة لن يمحصوها أو يدققون النظر مثلما فعلت، بل إن كثيراً من نساء مصر - وبخاصة ممن لم يحصلن على قدر كاف من التعليم- سيغضبن على الفور ويسارعن بإرسال الوثيقة المزيفة إلى صديقاتهن فتنخفض شعبية الرئيس بين هذه الفئة من الشعب خلال ساعات قليلة.


كثير منا أصبح يمتلك هاتفاً ذكياً Smart Phone وهو الهاتف الذى يتيح لمستخدمه بعض التطبيقات (المجانية) وأكرر (المجانية) للتواصل مع آخرين صوتاً أو صوتاً أو من خلال الرسائل المكتوبة، ومن بين هذه التطبيقات (سكايب) و(واتس آب) و(إيمو) وغيرها كثيراً، ألم يفكر أحد فى الفائدة التى ستعود على الشركات التى استحدثت هذه الخدمات (المجانية)؟!! وطبعاً هذه الشركات تنتمى للجنسية الأمريكية أو الإسرائيلية أو غيرها، وهى دول لا تعرف الخدمات المجانية وتحاسب مواطنيها على القرش قبل الجنيه وعلى السنت قبل الدولار، فلماذا هذا الكرم الزائد على مواطنينا ؟!


المسألة لا تحتاج إلى ذكاء للتعرف على أهداف هذه الشركات، فهى وسائل استخباراتية للحصول على المعلومات، كيف ذلك؟ من المعروف أن أجهزة المخابرات فى العالم كله تعمل بأسلوب لوحة الموازييك أو الفسيفساء التى تتكون من آلاف من قطع الأحجار الملونة التى توضع بجوار بعضها فى تكوين فنى لتشكل صورة جميلة، ونفس الشىء يحدث مع أى جهاز مخابرات فهو يجمع (قطع) المعلومات من كل مكان ومن كل شخص تصل إليه يداه ويرصها بجوار بعضها لتشكل (جملة مفيدة)، وهذا هو جوهر المسألة.. فهذه التطبيقات المجانية الخاضعة للمراقبة الدقيقة من جانب الشركات المنتجة والمشغلة لها ستحوى ملايين المكالمات الهاتفية وملايين الرسائل النصية التى يمكن أن يستخرج منها رجال الاستخبارات آلاف (قطع) المعلومات التى تمثل لهم ثروة حصلوا عليها وهم جالسون فى مكاتبهم يعملون إلى أجهزة الكمبيوتر، وبالطبع فإن المعلومات الاجتماعية والإنسانية قد تكون بالنسبة لأجهزة المخابرات أهم وأثمن فى بعض الحالات من المعلومات العسكرية.


فقديماً كان جهاز مخابرات إحدى الدول يجند عملاء من الخونة من مواطنى دولة منافسة أو معادية ويطلب منهم أن يندسوا وسط الناس فى بيئتهم الطبيعية فى الأسواق أو المقاهى أو غيرها ويرصدون ما يتناقله الناس من معلومات وكلام عادى – قد يبدو تافها- ويبلغونه إلى هذا الجهاز الاستخبارى، حيث تخضع هذه المعلومات للتحليل ويستخرجون منها معلومات ذات أهمية بالنسبة لهم إذا ما تكاملت مع غيرها من (قطع) المعلومات، وهذا بالضبط ما يحدث الآن ولكن بصورة أوسع وأشمل، فقد تخلوا عن العميل المندس وسط الأسواق ليستمع إلى عشرات الأشخاص، وحل محله متخصص جالس إلى جهاز الكمبيوتر يتنصت على ملايين الأشخاص وهم يتحدثون فى قارات العالم الخمس ويسجل ما يتبادلونه من النكات والمعلومات والطرائف ويختار منها ما يهمه، بل إنه قد يمارس الدور العكسى ويروج عبر جهاز الكمبيوتر ما يريد أن يبثه من معلومات أو أفكار إلى مواطنى دولة منافسة أو معادية لتهييج الرأى العام مستغلاً اسماً مستعاراً عبر حساب على موقع للتواصل الاجتماعى أو أحد التطبيقات الالكترونية للهاتف الذكى، وسرعان ما تنتشر المعلومات (المسمومة) بين الناس وهم يتبادلونها عن غير وعى بمصدرها، ولن ينجو من هذا المصير إلا من تحصن بـ (التطعيم) المضاد للمعلومات المسمومة وهو (عقل يفكر) ولو للحظات ويحاول قراءة ما وراء الكلمات أو الرسم أو المزاح، وإذا شك فى نوايا من صنع هذه الرسالة يتوقف عن نشر (السم) على نطاق أوسع وبالتالى يحد من تأثيراته الضارة، ولعله يتخطى ذلك إلى تحذير الآخرين من هذه الرسالة التى قد تصلهم من مسار آخر.


الرأى العام الرقمي:


من المعروف أن تعبير (الرأى العام Public Opinion) يشير إلى الرأى السائد بين غالبية الناس فى موضوع معين، ويتم قياسه باستخدام مناهج بحثية علمية يطبقها متخصصون فى علوم الإعلام والاتصال وتستفيد منه مؤسسات الدولة قبل إصدار قراراتها أو وضع خططها، وفى السنوات الأخيرة ومع انتشار المواقع الالكترونية وظهور مصطلحات مثل (الإعلام الالكترونى) و(الإعلام البديل) و(إعلام المواطن) واكب ذلك ظهور مصطلح (الرأى العام الرقمى) أو (الرأى العام عبر الانترنت)، بمعنى رصد آراء وتوجهات المواطنين عبر المواقع الالكترونية ومن بينها شبكات التواصل الاجتماعى، غير أن ذلك لم ينه بحوث واستطلاعات الرأى العام بشكلها التقليدى الذى يعتمد على استبيانات يصممها ويطبقها متخصصون على عينة من الجمهور من خلال مقابلات وجهاً لوجه، ذلك أن رصد الرأى العام عبر المواقع الالكترونية قد يأتى بنتائج مضللة، وكثيراً ما نجد موقعاً لإحدى الصحف أو القنوات التليفزيونية يطرح استطلاعاً للرأى يتمثل فى سؤل واحد: هل تؤيد “كذا” أم لا؟ ولديك اختياران أوافق أو لا أوافق، وبذلك فالاستطلاع لا يرصد أسباب الموافقة أو عدم الموافقة، أو البدائل الأخرى التى يطرحها المواطن غير الموافق، علاوة على إمكانية التأثير على نتائج هذا الاستطلاع من خلال تصويت شخص واحد عدة مرات من عدة أجهزة كمبيوتر أو هواتف ذكية يمتلكها، وبالتالى فالنتائج مضللة ولا تشير إلى حقيقة الأمر.


ومن ناحية أخرى فالبعض يعتمد على كثافة ما تتناقله مواقع التواصل الاجتماعى باعتباره مؤشراً على اتجاهات الرأى العام إزاء موضوع ساخن، وهو أيضاً قياس غير موضوعى لأن هذه المواقع يدخل إليها الأطفال والمراهقون والناضجون وكل الفئات من المتعلمين والنابهين أو غير ذلك، وبالتالى فالضجيج المرتفع لا يشير – بالضرورة- إلى أنه صادر عن مجموعة من المتعمقين فى القضية أو العارفين بها، فقد يكون البعض فقط (فاهم) والكثير من المشاركين فى (الضجيج) مجرد صدى للصوت الأصلى دون وعى أو إدراك حقيقي.


أما الطامة الكبرى فهى وسائل الإعلام التى تنقل عن هذه المواقع ما تتناقله باعتباره (أخباراً صادقة)، فإذا كان المواطن العادى لا يملك آليات التمييز بين الخبر الصادق والخبر غير الصحيح والخبر المدسوس فإن الصحفى يملك هذه الآليات والأدوات بطبيعة عمله، ولديه من مصادر الأخبار الكثير الذى يستطيع من خلاله أن يدقق فى الخبر ليتأكد من صدقه أو كذبه، كما أن ضخامة عدد القنوات التليفزيونية والمواقع الالكترونية خلال العقد الماضى أدى إلى تسابقها المحموم على (السبق الصحفى) تاركة (الدقة) فى المرتبة التالية.


وفصل الخطاب أن هذه المواقع مثلما تحمل الخير فهى قد تحمل الشر، فإذا كان الأعداء قد استخدموها لضرب مصر على اختلاف أهدافهم وأسمائهم سواء الإخوان أو تركيا أو قطر أو غيرهم، وإذا كان الإعلام المصرى ممثلاً فى بعض قنواته الفضائية أو صحفه الخاصة أو مواقعه الالكترونية قد وظف هذه المواقع لتحقيق أهدافه الصالح منها والطالح فلماذا لم تستفد الحكومة المصرية - ممثلة فى الإعلام الرسمى- من هذه المواقع فى الدفاع عن نفسها وهى تتعرض لهجمات شرسة آناء الليل وأطراف النهار، والأهم من ذلك لماذا وضعت نفسها من الأساس فى موقف من يدافع عن نفسه، لماذا تعاملت بنظام رد الفعل، وبصفة خاصة فى موضوع الطالب الإيطالى ريجينى أو موضوع الجزيرتين (تيران وصنافير)، كان جديرا بها أن توظف نفس الوسائل فى عرض وجهة نظرها بنفس الأسلوب الذى استخدمه المهاجمون والصائدون فى الماء العكر، كان من الأفضل لها أن تكون البادئة بتهيئة الرأى العام وتنويره وعرض الحقائق حتى وإن كانت قليلة وحتى وإن كانت مريرة حتى لا تصبح فى موقف لا ينفع معه الندم على الفرصة الضائعة، لقد اعتمدت الحكومة الإيطالية على ما نشره نشطاء مصريون على مواقع التواصل واتخذته (دليلاً) على أن الشرطة المصرية هى مَن قتلت ريجيني، فماذا فعلت الحكومة المصرية ممثلة فى وزارة الداخلية، هل أصدرت بياناً فور الكشف عن الحادث توضح فيه أى معلومات أو تذكر فيه أى شىء... لا لم تفعل وتركت الملعب خالياً لفريق الشر ليصول ويجول ويحرز الهدف تلو الآخر، ونفس الشىء حدث فى موضوع الجزيرتين تركت الدولة غربان التواصل الاجتماعى يصرخون واكتفت ببيانات أقل ما توصف به أنها جاءت متأخرة جداً لتوضح الموقف.


إذا كان الإخوان قد شكلوا ميليشيات إلكترونية، فالأحرى بالدولة المصرية التى تملك جيشاً نظامياً وطنياً نفتخر به ولا تستخدم الميليشيات أن تشكل هى الأخرى (جيشاً إلكترونياً) يدافع عنها وعن توجهاتها يتكون من ملايين الشباب والمراهقين والنساء والرجال، بعيداً عن منطق أننا أصحاب محطة التليفزيون الواحدة والصحيفة الواحدة والإذاعة الواحدة، وأننا مصدر المعلومات الوحيد، فقد تغير الزمن ولم يعد كما كان، ولتكن المبادرة دائماً من جانب الدولة فالشعب سيحترم من يحترم عقله.