ألم تكن هناك سيناريوهات أخرى؟! سوء التوقيت ومتاهة الملابسات فى التوقيع على اتفاقية تيران وصنافير

20/04/2016 - 12:15:33

بقلم - يوسف القعيد

كتبت الزميلة الصحفية رانيا العبد فى جريدة الأخبار اللبنانية، عدد ١٥ أبريل الماضى، مقالًا عنوانه: النواب ينقلبون- الاستفتاء الشعبى هو الحل، وبعد أن استعرضت آراء نواب فى البرلمان فى قضية الجزيرتين: تيران وصنافير، كتبت عنى: فيما ذهب النائب المعين رئاسيًا يوسف القعيد أبعد من ذلك، حينما قال: ليس من حق شريف إسماعيل توقيع هذه الاتفاقية لأنه يسلم بها أرض ملك المصريين لدولة أخرى، وأضاف القعيد الذى انضم إلى ائتلاف ٢٥/٣٠ المزمع تشكيله فى حديثه إلى الأخبار: أنه لا يمكن التنازل عن أرض تملكها الدولة، إلا باستفتاء شعبى.


من كثرة التدخل فى هذا الموضوع، أحب أن أبدأ بداية شبه شخصية، مع أننى لا أحب هذا إطلاقًا، وأقف ضد النرجسية التى تصيب أى إنسان وتجعله يبدو أمام الآخرين كما لو كان قد تقوقع حول ذاته، واعتبر أن نفسه نقطة الارتكاز الأساسية فى هذا الكون.


المباغتة كانت عنوان ما جرى، وربما يمكن استبدالها بالصدمة وهو العنوان الذى اختارته المصور فى العدد الماصى، لتناولها لموضوع الجزيرتين، وأقول أن ما قدمته المصور كان النغمة المغايرة لمعظم ما جاء فى الإعلام القومى حول موضوع الجزيرتين، وهو التناول المهنى والوطنى الذى جمع بين المهنية التى تصل لحدود الاحتراف كما حافظ على ثوابت الموقف الوطنى من قضية الجزيرتين، وهو ما لم نجده حتى فى بعض الصحف المستقلة أو الحزبية.


رغم أن الموضوع تدور فيه مفاوضات ومناقشات ودراسات منذ تسعة أشهر مضت، حسب ما جاء فى كلام الرئيس عبد الفتاح السيسى فى لقاء الأسرة المصرية، فنحن لم نعلم أى شىء إلا يوم الجمعة قبل الماضى عندما جرى التوقيع على ١٧ اتفاقية بين مصر والمملكة العربية السعودية بمناسبة زيارة الملك سلمان بن عبد العزيز لمصر، ربما كانت أهمها وأخطرها اتفاقية أعلن لحظتها أنها خاصة بترسيم الحدود المائية بين مصر والمملكة العربية السعودية، وعندما كنت أتابع وأستمع، لم أدرك خطورة الاتفاقية التى تم التوقيع عليها ولا مغزاها.


رغم أنها الاتفاقية الوحيدة المرتبطة بكيان الدولة المصرية وحدودها وترابها الوطنى، الذى ورثناه عن الآباء والأجداد، ولا بد من تسليمه كما تسلمناه للأبناء والأحفاد، إلا أن هناك اتفاقيات لفتت نظرى ولا نعرف عنها أى شىء، مثل الاتفاقية الثقافية الموقعة بين وزير الثقافة المصرى ووزير الإعلام والثقافة السعودى، وأيضًا الاتفاقية الموقعة بين المفتى المصرى ومفتى المملكة العربية السعودية، وتم التوقيع عليها بدار الإفتاء، ولم توقع فى مؤسسة الرئاسة مثل اتفاقيات الوزراء مع نظرائهم، إن فى الاتفاقيتين ما يستوجب التوقف أمامه طويلًا، ولا أحب أن أبدى أية أحكام قبل قراءة النصوص.


حتى تصلنا هذه الاتفاقيات ونقرأها ونعرف ما فيها، سيكون لنا رأى يراعى ثوابت الوطن التى لا يمكن الاقتراب منها، حتى بجميع المتغيرات الراهنة التى يمكن أن تقترب من هذا الموضوع أو ذاك، فإننى أكتب فقط عن اتفاقية إعادة ترسيم الحدود بين مصر والمملكة العربية السعودية.


لا بد من الفصل بين أمرين أساسيين، الأمر الأول هو: الموقف من الرئيس عبد الفتاح السيسى، فأنا أؤيده - كنت وما زلت وسأظل – ومثلما أؤيده، فأنا أصدق ما يقوله، وتأييدى له نابع من موقفه من حكم الجماعة الإرهابية التى اغتصبت مصر وقررت إما أن تستولى عليها أو أن تدمرها، علاوة على معرفة إنسانية على البعد تؤكد وطنيته وصدقه ونزاهته.


ما قام به الرجل مغامرة كبرى لو تخيلنا عواقبها فيما لو فشلت ثورة الثلاثين من يونيو لأدركنا حجم ما قام به الرئيس السيسى لمصر، هذا موقف ثابت لا أعتقد أنه قابل للتغيير، ولكن رغم ثبات الموقف فإن متغيرات السياسة لا بد أن يكون للإنسان موقف منها حسب كل موقف على حده.


بعيدًا عن الخرائط والرسومات وحكايات التاريخ وانقسام المجتمع المصرى، فأنا لم تعجبنى أبدًا المباغتة التى تم الأمر بها، كيف تجرى مفاوضات فيما يخص أرض الوطن لمدة تسعة أشهر دون أن نعرف؟ خوفًا من أن تهاجم المملكة العربية السعودية؟ ثم بعد التوصل لشبه قرار كيف نباغت به على شكل توقيع اتفاقية من بين سبع عشرة اتفاقية، وكأن الهدف أن يتم الأمر بعيدًا عن الشعب المصرى صاحب مصر وصاحب أى قرار يمكن اتخاذه بشأن مصر وأرضها وحياتها.


حتى لحظة كتابة هذا الكلام ظهر الجمعة الماضى لم أتمكن من الوصول إلى نص الاتفاقية، على الرغم من كونى عضوًا بمجلس النواب، وكان يجب أن تصل الاتفاقية إلى المجلس بمجرد التوقيع عليها، وقد قاومت تصديق ما كتبه الإعلام الصهيونى من أن الاتفاقية كان عندهم علم بها قبل أن توقع بعشرة أيام، وأن الإدارة الأمريكية كانت فى قلب الصورة قبل التوقيع بأسبوع، ثمة تناقض من الذى أبلغ؟ بعض أجهزة الإعلام قالت إن المملكة العربية السعودية هى التى أبلغت أمريكا وإسرائيل، والبعض الآخر قال إن مصر هى التى تولت إبلاغ العدو الإسرائيلى، لأن الأمر يتصل بمعاهدة السلام معه، الموقعة سنة ١٩٧٩.


فهل يعقل أن تكون المعاهدة متاحة للعدو الصهيونى قبل أن تتاح لنا؟ أخبار تل أبيب تقول أن الكنيست قام بدراسة الاتفاقية فى جلسة الأحد الماضى، وأرجو ألا يكون هذا الكلام دقيقًا، وأن يمكن وضعه تحت خانة الحروب النفسية، حروب الكلمة والمعتقد التى تمارس ضدنا، رغم وهم السلام مع العدو الصهيونى.


إننى أتساءل: ألم تكن هناك سيناريوهات أخرى أمام القيادة السياسية للتعامل مع هذه الأزمة تجنب مصر الدخول فى متاهة التنازل عن أرض مهما قيل عنها أنها سعودية؟ فعن نفسى فإن وجدانى يرى أنها مصرية، بالإحساس الوطنى وبثوابت التاريخ ولا يمكن قبول ما رواه الرواة من الفريق الإعلامى المتضامن مع وجهة نظر السعودية والمعبر عنها، والذى وصل بأحدهم للزعم أن جمال عبد الناصر قام بعمل مراجعة لموقفه من جزيرتى صنافير وتيران بعد الخامس من يونيو ١٩٦٧ واعترف بسعوديتهما.


الإحساس الوطنى لدىَّ، وقد قضيت تسع سنوات من عمرى من سنة ١٩٦٥ حتى ١٩٧٤ مجندًا فى جيش مصر العظيم، عاصرت خلالها صدمة يونيو ويقظة أكتوبر، ومع هذا حاولت بعد هذه الصدمة أو المباغتة أن ألجأ لأهل العلم لأجد الفتوى عندهم، وأنا أعرف أين توجد المعلومات الدقيقة فى هذا الموضوع:


١- الجمعية الجغرافية المصرية.


٢- الجمعية التاريخية المصرية.


٣- علماء الحدود البحرية والبرية بين الدول وخبرائها، وما أكثرهم فى مصر.


بعد أن بدأت البحث عن هذه الجهات الثلاث، اكتشفت أن البحث لا جدوى منه ولا يمكن أن أعود منه بشىء، طالما أن نص الاتفاقية وملاحقها – إن كانت لها ملاحق – ليست فى يدى، وأن نقطة البدء الوحيدة العثور على النص الكامل لما تم التوقيع عليه.


وما قلته عن حدود سلطة المهندس شريف إسماعيل رئيس مجلس الوزراء، عندما وقَّع على الاتفاقية ما زلت مصرًا عليه، لأن الدستور شديد الوضوح فى الكلام عن التنازل عن أرض مصرية لدولة أجنبية حتى لو كانت شقيقة، فهو يلزم هذا بأمرين أساسيين، الأول: عرض الاتفاقية على مجلس النواب، والثانى: اللجوء لاستفتاء شعبى، هذا نص الدستور الواضح والصريح فى المادة ١٥١ منه.


هل هناك أخطر من التنازل عن أرض من التراب الوطنى المصرى حتى يتم بليل بعيدًا عن التوافق الشعبى والمناقشات المجتمعية وآراء القوى السياسية والأحزاب وأجهزة الدولة المختلفة، كل هذا كان يجب أن يتم قبل التوقيع على هذه الاتفاقية، ثم هل الوضع العام فى مصر يسمح بالاقتراب من هذا الموضوع الآن؟


أوشك أن أقول أن القصة كلها فى نقطة محورية أو مركزية لا نعرفها، وإن كان صحيحًا الإلحاح السعودى على هذا الموضوع الذى وصل إلى ذروته فى الزيارة الأخيرة، فإن اعتبارات الوضع المصرى كانت تستلزم تأجيل الأمر، الذى لا معنى للعجلة والهرولة فيه، مهما قيل.


إن كان صحيحًا أن الرئيس الأسبق حسنى مبارك أوشك أن يتخذ قرارًا فى أوائل تسعينيات القرن الماضى عندما كان الفريق أول يوسف صبرى أبو طالب وزيرًا للدفاع بعد تنحية المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة عن وزارة الدفاع، أن الرئيس مبارك أبلغ السعوديين أن الموقف غير موات وأن الظروف غير مناسبة.


أتساءل: أليس الموقف أكثر صعوبة الآن؟! أليست الظروف أبعد ما تكون عن أن تناسب فكرة الموافقة والتوقيع فى غفلة عن الشعب المصرى؟ وبعيدًا عن صاحب المصلحة الأولى والأخيرة فى الحفاظ على كيان الدولة المصرية، إن وحدة التراب المصرى يجب أن تكون الهم الأول والأخير لمن يحكمون مصر الآن، فالتراب المصرى لم يكن مهددًا فى أى فترة مضت مثلما هو مهدد الآن، وبالتالى فإن الحفاظ عليه مهما كانت الخسائر مسألة حياة أو موت.


لدىَّ يقين أنه لا بد من وجود مخرج ما من الأزمة غير سريان الاتفاقية، واعتبارها أمرًا منتهيًا، ولا بد من محاولة التوصل إلى هذا، فإن كان الموقف المصرى يكتنفه سر لا نعرفه ولا يريد أولو الأمر أن نعرفه، ولو حتى من بابا التسريبات التى لا نعرف من أين جاءت ومن أين تذهب؟ فلا بد من وجود مخرج ما غير السيناريو الذى تسير إليه الأمور الآن، والذى يضع مصر وأهل مصر على عتبات المجهول