سليل عائلة الفلوت سهرة مع البيكولوفي دار الأوبرا

29/05/2014 - 12:04:46

كتبت - رانيا يحيي

استقدم المايسترو المصري نادر عباسي في حفله الأخير مع أوركسترا القاهرة السيمفوني عازف البيكولو العالمي جون لوي بومادييه ،وهو ما يحسب للقائد المتميز الذي عودنا دائماً في البحث عن كل ما هو جديد من خلال حفلاته التي تتلألأ في سماء دار الأوبرا المصرية بين الحين والآخر.. كما يؤكد هذا مدي تحقق الرؤية الفنية لديه كقائد متجدد ومتألق في كل مرة يعتلي فيها مسرح دار الأوبرا ..وهذه المرة كانت من خلال هذا العازف الذي تعلم أصول العزف الاحترافي في بلده فرنسا علي يد جوزيف رامبال بكونسيرفتوار مارسيليا، وبعده استكمل في كونسيرفتوار باريس القومي مع جان بيير رامبال اللذين يعدان من أفضل وأشهر أساتذة آلة الفلوت، وعمل بومادييه بعد تخرجه كعازف بيكولو في اوركسترا فرنسا القومي وحصل علي خبرة كبيرة من احتكاكه بكبار القادة الموسيقيين مثل سيرجي سيليبيداشي ، ليونارد برنشتاين ،لورين مازل ،ساجي أوزاوا ،كارل بوم ،بيير بوليز وغيرهم ، وكان أدائه المتميز سبباً في استضافة الأوركسترات له كصوليست مع أوركسترا فرنسا القومي وأوركسترا أوفرنيه ،أوركسترا فيينا الاحتفالي ،أوركسترا كان ،أوركسترا بيكاردي وغيرها الكثير ،هذا بالإضافة للحفلات المنفردة التي قدمها في العديد من الدول كإنجلترا وإيطاليا وأمريكا والسنغال والبرازيل ..وقام بومادييه بتسجيل عشرين اسطوانة مدمجة منها (العصر الذهبي لآلة البيكولو) والتي حصلت علي الجائزة الدولية الكبري بمسابقة أكاديمية شارل كروس ..أما عن حفله الأخير في مصر فقد أبهر كل الحضور بأدائه الرائع علي تلك الآلة الصغيرة الحجم حادة الصوت والتي استطاع أن يأخذها إلي آفاق بعيدة لم يصل إليها غيره من عازفي هذه الآلة ،كما حقق لنفسه شهرة لا تقارن بغيره من عازفي البيكولو ،وباقتداره ومهارته أمتع الجمهور الحضور بأرق الألحان العالمية والتي ترجع لعصور زمنية قديمة وهي عصر الباروك الممتد من عام 1600 وحتي 1750 تقريباً ،وأمتعنا بكونشيرتو أنطونيو فيفالدي للبيكولو والأوركسترا في سلم دو الكبير مصنف رقم 443 بأدائه الذي يتسم بالحيوية والنشاط والتمكن التكنيكي الحاذق في الحركتين الأولي والثالثة أما الحركة الوسطي فكانت لحنية غنائية ،كما قدم عملا آخر ينتمي للمرحلة الكلاسيكية الممتدة لنصف قرن فقط رغم تأثيرها الكبير علي تاريخ الموسيقي والحياة الموسيقية ،وسعدنا بعزفه المتميز للحركات الثلاث لكونشيرتو كارل فيليب إيمانويل باخ الذي ينتمي لهذا العصر رغم ما به من سمات مشتركة بين عصري الباروك والكلاسيك في وحدة هذا العمل والتي تتضح في اللغة الموسيقية والجو النفسي العام المسيطر علي الكونشيرتو، وكان أسلوب أداء بومادييه درساً لكل المتخصصين والمحبين لهذه الآلة الرقيقة ،كما كان درساً في الإمتاع والتذوق الجمالي لصوت عذب رقيق يخرج من تلك الآلة ضئيلة الحجم والتي تنتمي لأسرة آلة الفلوت ..وحينما أذكر هذه الآلة الرائعة أود أن أقف عندها لكي يتعرف عليها جمهورنا العزيز ويقدر قيمتها الفنية ..فآلة الفلوت معشوقتي وتوأمتي الرقيقة التي تشعرني بحب الورود والأزهار ،وصوتها الناعم يمثل تغريدة بلبل أو كروان صادح بل عصفور يزقزق بآيات الانطلاق والمرح دون خوف أو رهبة ،وحبي الفطري لها الذي وضعه الله في قلبي منذ أن رأيت تلك الآلة ولأول مرة في الكونسيرفتوار أشبه بعلاقة الحب بين الأم ووليدها أو بين العاشق ومحبوبته ،وقد تمخضت هذه الآلة عن تطور حدث لها عبر الأزمنة والعصور المختلفة حيث اكتشف الإنسان البدائي ارتباطه وحبه الغريزي للموسيقي فبدأ في استخدام آلته الطبيعية "الحنجرة" التي حباه الله إياها واستغلها في الغناء ،بعد ذلك نظر لكل ما حوله في الطبيعة باحثاً عن كيفية الاستفادة به ؛لذا فكر في استغلال عظام الحيوانات بعد تحنيطها ،وكذلك أخشاب الأشجار بعد تجويفها ،واستطاع أن يخلق من هذه الأشياء الآلات الموسيقية في مرحلة البدايات ،وليست آلة الفلوت من أقدم الآلات الموسيقية فحسب بل أكثرها طبيعية ؛وذلك لأن رنينها يأتي من خلال النفخ المباشر داخل العمود الهوائي للآلة مثلها مثل مجموعة آلات النفخ النحاسية التي لا تستخدم وسيطا كباقي آلات النفخ الخشبية ذات الريش أو الآلات الوترية ذات القوس أو حتي الآلات الإيقاعية التي تستخدم المطارق لاستصدار الصوت.


واستخدمت كلمة فلوت قديماً لأي آلة ذات جسم مجوف يصدر الصوت بمجرد النفخ فيه عن طريق الفم ،وعرفت الحضارات القديمة آلة الفلوت بأشكال وأحجام مختلفة منذ قبل التاريخ كما سبق وأشرنا من عظام الحيوانات وحتي من عظام الطيور في بعض الأحيان وأيضاً من الغاب والبوص، وظلت تستخدم في العصر الحجري القديم والحديث ،ولكن أخذ الإنسان يفكر في كيفية التحكم في النغمات الصادرة عنها بوضع ثقوب تحدث تغييرا نغميا، وكانت الآلة آنذاك ترتبط بالمعتقدات البدائية التي سادت في تلك الحضارات مثل ارتباطها بالدين أو السحر أو بعض العقائد مثل الموت والحب وخلافه ..واكتشفت بعض آلات الفلوت بجانب بعض المومياوات والتي ظنوا أن هذه المومياوات لعازفين لآلة الفلوت ولكن فيما بعد اكتشفوا أن هذا الاعتقاد خاطئ حيث ارتبطت الآلة بفكرة البعث لدي القدماء ،ولأهمية آلة الفلوت منذ ذلك الوقت انتقلت من بلد لبلد وانتشرت في كثير من دول العالم فنجدها في مصر مع الحضارة الفرعونية القديمة موجودة علي كثير من نقوش جدران المعابد وأيضاً عند الإغريق القدماء وفي جنوب إفريقيا وأوكرانيا ورومانيا وإيطاليا وليتوانيا وإندونيسيا ويوغوسلافيا والصين ،ثم انتقلت لأوربا بشكل أوسع خلال القرون الثلاثة الأولي من الألفية الأولي وفي الأغلب كان ذلك خلال عصر الإمبراطورية الرومانية الشرقية حيث نجدها في ألمانيا وفرنسا وإنجلترا، وبعد فترة أخذت تتطور الآلة شيئاً فشيئاً حتي ظهرت منها أنواع تختلف في طبقتها الصوتية وأحجامها فصنفت الفلوت السوبرانو المعتاد شكله لدينا والشائع الانتشار ،ثم فلوت الألطو وهو الأكبر حجماً وأكثر غلظة ،وأخيراً فلوت الباص وهو أب هذه الأسرة بصوته الغليظ وحجمه الكبير ،أما البيكولو فلوت فهو ليس أصغر هذه الأسرة فقط بل أصغر آلات الأوركسترا حجماً علي الإطلاق وأحدها صوتاً وقد دخل البيكولو ضمن آلات الأوركسترا في أواخر القرن الثامن عشر.


ولم تتوقف محاولات الصناع لتطوير آلة الفلوت من حيث زيادة عدد الثقوب والتحكم في استخدام الأصابع ،كما أثبتت الأبحاث تطور الفلوت في فرنسا وألمانيا خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر من خلال الصناع المهرة مثل الفرنسي جاك مارتن هوتيير والألماني يوهان يواخيم كفانتس ،وقسمت الآلة لثلاثة أجزاء هي الرأس، والجزء الأوسط أو جسم الآلة ،ثم الذيل أو القدم ،كما وضعت سدادة من الفلين في أعلي وصلة الرأس ،وكانت الآلة تصنع غالباً من خشب البقس أو الأبانوس أو العاج والمفاتيح تصنع من الفضة أو النحاس.


وفي أوائل القرن التاسع عشر تقابل وليام جوردون أحد الجنود السويسريين الذي يرجع لأصل اسكتلندي مع الألماني ثيوبولد بوم واتحد هدفهما في تحسين الآلة ،وكان للأخير فضل كبير في وصول الآلة لشكلها الذي عرفناها به حتي يومنا هذا حيث أخذ في تطوير الفلوت والتحكم في ثقوبه والخامات التي يصنع منها ووصل الفلوت لآخر تطور علي يد بوم عام 1847 ،ويبلغ طول الآلة ستين سنتيمتراً تقريباً وقطرها 1.9 مليمتر وتضيق الآلة كلما وصلنا إلي أعلي جزء فيها لتصل حوالي 1.7 مليمتر وتستخدم تسعة أصابع في العزف عليها والأصبع العاشر يتحكم في الإمساك بالآلة فقط.. ولم تطرأ تطورات علي فلوت بوم إلا بعض التغييرات الطفيفة جداً علي يد كل من الفرنسيين دروس وبوفيه والإنجليزي روكسترو والإيطالي برتشيالدي.. لكن يظل اسم ثيوبولد بوم هو الأكثر التصاقاً بتطور آلة الفلوت.. ورغم أنها تصنع من المعدن سواء الفضة أو الذهب إلا أنها تظل تنتمي لأسرة آلات النفخ الخشبية نظراً لتقارب صوتها مع صوت هذه المجموعة الآلية.


وقد كتب كل المؤلفين الموسيقيين أعمالاً كثيرة جداً عبر العصور المختلفة لآلة الفلوت بأشكالها وتطورات صنعها في الأزمنة التاريخية المتباينة سواء مؤلفات منفردة أو في موسيقي الحجرة أو ضمن الآلات الأوركسترالية وتلقي هذه الآلة قبولا جماهيريا كبيرا لما تتميز به من جمال ورقة وعذوبة في صوتها اللامع في أغلب الأحيان والدافء في أحيان أخري ،فهي تتميز بجماليات عدة محببة للكبار والصغار.. وتعتبر آلة الناي العربية المستخدمة إلي الآن في بلادنا الشرقية امتدادا لإحدي الأنواع التي استخدمت قديماً في الحضارات الفرعونية والأندلسية.