مصر الوجود والحدود

20/04/2016 - 12:13:29

  الجزيرتين فى عهدة مصر منذ عهد الملك فاروق وبموافقة الملك عبدالعزيز آل سعود الجزيرتين فى عهدة مصر منذ عهد الملك فاروق وبموافقة الملك عبدالعزيز آل سعود

بقلم - أ.د السيد فليفل استاذ بمعهد البحوث والدراسات الإفريقية

مصر نموذج الدولة الذى تبدأ به صفحات كتب التاريخ وكتب السياسة ونظم الحكم فى كل دول العالم، وعندما تكون دولة ما نموذجا تكون أعباؤها على قدر ما قدمت، ويكون دورها على قدر ما تبذل. قد اتسمت مصر عبر تاريخها بأنها كونت إمبراطورية فى عصور شتى، لكن توسعها كان بأسلوب الضم والتنوير وليس بأسلوب الفتح والتدمير، ولذلك ليس من فراغ أن تجد المعبودات المصرية القديمة موجودة فى الشام، وفى بلاد المغرب، كما تجد آثارها وأهرامها موجودة فى شمال السودان وفى إثيوبيا وفى زيمبابوى، وهذا يعنى أنها قد أخذت بيد غيرها ونجحت فى أن تجعل منهم أدواتها للتأثير فيمن يعيش إلى جوارهم، وهكذا حمل السودانيون والشوام والفينيقيون معالم حضارتها إلى كل مكان فى حوض البحر المتوسط وفى قلب إفريقيا. وليس من فراغ إن كانت أول الكنائس المسيحية هى الكنيسة المصرية رغم أن المسيح بدأ من فلسطين، وليس من فراغ أيضا أن أعظم مدارس الإسلام هو الأزهر الشريف رغم أن الإسلام نزل فى الحجاز، وليس من فراغ أيضا أن حمل أنبياء الديانات كلها دما مصريا أو نسبا مصريا أو اسما مصريا أو حبا مصريا، وذلك فى تجسيد واضح لحمل مصر رسالة لا تموت.


ولم تكن الرسالة المصرية مقصورة على الدين وحده، ولكنها امتدت إلى التنوير ففلاسفة الإغريق بكل أمجادهم جاءوا إلى مصر أو ذهبت علومها إليهم، كذلك فإن مصر التى تكرر استعمارها من قوى عديدة كانت من الدول القليلة التى أحالت المستعمرين إلى مواطنين ونجحت فى تمصيرهم بحيث أنهم بعد عقود قليلة كثيرا ما حملوا السلاح دفاعا عنها. وهذه السمات المصرية فى الامتصاص الحضارى والثقافى والانبعاث من جديد هو الذى يجعلنا نقول أن شمس مصر لا تغيب، وأنها تحسن إخراج نفسها فى صور متعددة، ولمن شاء أن يمشى فى عواصم المدن الإفريقية يجد أن مصر حملت رسالة الخلاص من الاستعمار ومن العنصرية الأوروبية بحيث صار قائدها الرمز جمال عبد الناصر موجودا بصور مختلفة فى هذه العواصم، بل إن بعضها لم يكتف بأن يحمل الشارع الرئيس اسم ناصر بل إنك تجد أيضا شارعا آخر متقاطعا عليه يحمل اسم جمال عبد الناصر، كما تجد مدرسة هنا ومستشفى هناك تحمل اسم عبد الناصر، وقد استطاعت مصر أن تحمل لواء التحرر فى شراكة استراتيجية عملاقة عربية إفريقية جمعت قيادات القارة من الآباء المؤسسين للاستقلال والوحدة الإفريقية، كما استطاعت أن تجسد أيضاً الحلم القومى العربى فى نفس الوقت، ولم تر فى إحداهما بديلا عن الأخرى، فالقومية عربية، والانتماء الجغرافى والجيواستراتيجى إفريقى، ومصر بتكوينها جسد يمتد من عمق النيل إلى رأس البحر المتوسط، وتمد جناحين صوب المشرق والمغرب العربيين، وهى كلما ارتبطت بالمشرق أو المغرب تعمق وجودها فى قلب إفريقيا، وكلما ارتبطت بإفريقيا تفاعل وجودها فى المشرق والمغرب العربيين، وهو نمط من الأداء تتفرد فيه ولا يستغنى عنه، ولا يحل عنها بديل فيه.


وعلى الرغم من عمق الدولة المصرية فى قلب التاريخ، فإن لها فى كل أقاليمها أريجا خاصا بالجوار، فكلما اقتربت من فلسطين تجد روح المشرق العربى، وكلما اقتربت من السلوم تجد ريح المغرب العربى، وكلما تعمقت فى الجنوب تجد ريح النيل وإفريقيا. وبالتالى عاشت مصر مركزية تخصها وامتزاجا يخص جيرانها فوجدت فيهم رحمها ووجدوا فيها أنفسهم. على ذلك نستطيع أن نقول أن وجود الدولة المصرية يمتد إلى الجذور المحيطة بالمركز على نحو يقطع ألا حياة لها بغيره، وفى القلب من ذلك السودان بحكم التكوين النيلى لمصر، ومصلحة الوجود التى تمثلها مياه النهر العظيم للمصريين، والتى بسببها نشأت مصر على حد قول العلامة جمال حمدان: وقد امتلكت شارعا طويلا يمتد من الجنوب إلى الشمال، ونعنى به نهر النيل. وعندما يتواصل حسن فتحى المعمارى الفذ مع ذلك الجغرافى الفذ يقول إن مصر تفتح شبابيكها كلها فى الاتجاه النيلى، بيد أنها شكلت عمارتها ومبانيها لاتقاء الشمس من قلب الصحراء، والمناطق الجبلية المحيطة بالنهر وبنت منها أهرامها وشيدت جسورها ومشاريعها بحيث صارت بيئة النهر والجبل والصحراء والبحر هى البيئة التى يستقى منها المصريون ثقافتهم وأفكارهم ويحافظون من خلالها على حياتهم، ومن ثم لم يشكل البحر والصحراء حاجزا أمام المصريين فى التواصل مع الجوار، ولهذا فأنت تستطيع أن تبحث عن الوجود المصرى فيما وراء حدودها السياسية الحالية، وتبحث عن وحدتها الوطنية فى داخل هذه الحدود.


وإذا كانت الحدود السياسية ظاهرة مصطنعة عرفناها مع الأوروبيين المستعمرين فإنها صارت الإطار الذى يعرف به العالم دولة من الدول أو شعبا من الشعوب، وذلك منذ نشأت الدول الحديثة وتبلورت مع نشأة عصبة الأمم ثم هيئة الأمم المتحدة.


ونحن الآن نعيش فى عالم صنعته اتفاقات القوى الاستعمارية منذ مطلع القرن العشرين، أى منذ الاتفاق الودى (١٩٠٤) واتفاق سايكس بيكو (١٩١٦) والذى شكل من خلاله المستعمرون القدامى الخريطة السياسية الراهنة للمنطقة، وقد نهضت الحركة الوطنية المصرية والحركة القومية العربية رافضة هذا التقسيم وساعية إلى التواصل عبر الحدود، وبدلا من أن ننجح فى إنجاز الوحدة العربية والوحدة الإفريقية إذا بنا نعيش عصر تقسيم العرب إلى مزيد من الأقسام، وتقسيم إفريقيا إلى مزيد من الأقسام، وذلك فيما بات يعرف باسم الشرق الأوسط الجديد أو الكبير أو الموسع والقرن الإفريقى الكبير أو الجديد أو الموسع، وهما يمثلان أطروحة الولايات المتحدة ورؤيتها لعالمينا العربى والإفريقى. ومن معالم الوضع الراهن أن أمريكا بعد قرن كامل من التقسيم الأوروبى تريد تقسيما متشظيا لإفريقيا والعالم العربى يقوم على وحدات سياسية- عرقية بحيث تبدو إسرائيل أكبر الوحدات، وبحيث تتلاشى الكيانات الكبيرة، وكانت الولايات المتحدة من الذكاء بحيث وظفتنا فى أغراضها وحملتنا سلاحها ليقتل بعضنا بعضا تنفيذا لأهدافها. ثم إنك لتعجب بعد ذلك أشد العجب إذ تسمع متحدثا فى الكونجرس الأمريكى يقول أنه لا توجد سياسة واضحة فى الشرق الأوسط وإفريقيا، فماذا لو كانت هذه السياسة واضحة.


إذن فوجود مصر الدولة رهن بعمق الدولة الدور فى جوارها، وبقوة التفاعل والتلاحم مع أهليها العرب والأفارقة، فمنهم وبهم تتجدد الحياة وتتوالى العطاءات، وتتفاعل مناحى القوة ليتجدد كل شىء من حولها وليعطى كل الجوار نمطا متجددا من الفكر والأداء الحضارى، ولعل هذا هو الذى جعل صلات مصر بجيرانها لا تنقطع.


وفيما يتعلق بالمشرق العربى فإن مصر من عام الرمادة على عهد سيدنا عمر بن الخطاب (رضى الله عنه) تحملت مسئولية الحرمين الشريفين وصارت فى كل دولة من دول الإسلام أيا كان مقرها المدينة المنورة، أو دمشق أو بغداد أو القاهرة أو اسطنبول، صارت مسئولة عن إرفاد الحرمين وأهل الحرمين بكل حاجاتهم، وإلى منتصف الستينيات من القرن العشرين كان موكب الحج المصرى يحمل مع كسوة الكعبة المواد الغذائية ناهيك عن الدفاتر والكتب والأقلام الرصاص والمساحات لزوم التعليم، كما كانت توفد المعلمين على نفقتها يعيشون شظف العيش ويقتاتون من جهدهم ثم يعودون بعدما خلفوا وراءهم طلابا نبهاء فضلا عن أبناء وزوجات. وسواء كانت الرابطة فى عصر هذه الدولة أو تلك فإن الالتزام المصرى ظل قائما إلى أن أدت السياسة- لعنها الله- والنفط – أدامه الله- إلى التغييرات التى نعيشها. على أن الاستعمار البريطانى لم يترك بلادنا إلا وقد صنع فيها ما صنع من مشكلات حدودية حاول من خلالها أن يعقد قواعد التواصل الحضارى والإنسانى آنفة الذكر حتى أنه ليعد المسئول الأول عن تعيين حدود الدولة المصرية، وذلك عبر اتفاقات وقعها أو إعلانات أصدرها، وهذا ما جرى مع المملكة العربية السعودية شرقا، ومع الاستعمار الإيطالى غربا، ومع الحكومة المصرية تحت الاحتلال جنوبا، ولأن التقسيم تم بالمخالفة لمعطيات التاريخ والجغرافيا فقد صارت هناك حالة ضبابية حول الحدود كلها، وقد استطاعت مصر أن تقدر العامل الإنسانى الذى يربطها بجيرانها وفى نفس الوقت تحافظ على ما للدولة – أى دولة- من حقوق إزاء رعاياها وإزاء الوافدين إليها. وكانت نقطة التوازن الأساسية هى كيف تنشأ المواطنة المصرية وفى نفس الوقت يكون وفود الأشقاء وفود الأهل وليس وفود الأجانب، وهذه معجزة مصرية خالصة لم نعرف لها نظيرا إلا بعد نشأة الاتحاد الأوروبى بعد خمسين عاما حيث بات الأوروبيون يتحركون بحرية بعد أن خاضوا حروبا طاحنة وأنهوا حياة عشرات الملايين من البشر.


وقد اضطرت مصر إلى تعيين حدودها منذ ١٨٩٩ حيث أراد الاستعمار البريطانى أن يؤسس لنفسه سلطة مستقلة فعليا فى السودان، وإن كانت تحمل شارة مصرية لإسكات القوى الأجنبية، وتحديدا فرنسا، فنشأ خط عرض ٢٢ درجة شمالا ليكون هو المبتدأ للسودان الذى استقل فى عام ١٩٥٦، وقد شكل هذا الخط الحد السياسى بين دولتى وادى النيل، ولكن نظر إليه شعبا وادى النيل باعتباره نقطة تنظيم التواصل وليس نقطة تفعيل الانفصال. وتبدو الإدارة المصرية كما لو كانت لم تفهم معنى اتفاق الحكم الثنائى الذى فرضته بريطانيا حيث أصدر وزير الداخلية المصرى مصطفى فهمى قرارا بأيلولة منطقة حلايب لإدارة أحد الحكام الفرعيين فى شرق السودان باعتبار قرب المسافة بينهما انطلاقا من أن الجميع يعمل فى دولة واحدة، وكان ذلك فى عام ١٩٠٧، وكان هذا الإجراء يمضى على غرار إجراء حاكم عام السودان (الحكمدار البريطانى) فى عام ١٩٠٢ بتكليف مسئولى الإدارة فى حلفا السودانية بإدارة شئونها انطلاقا من الأراضى المصرية بحكم بعد الإدارة فى السودان عنها، وهو الأمر الذى ألغاه هذا الحاكم بعدما انتقل أبناء حلفا إلى عمق الأراضى المصرية وتمصروا وعاد بعضهم إلى عمق الأراضى السودانية وتسودنوا.


وقد استمرت الإدارة السودانية لحلايب ٩٢ سنة، ولكن اختلف الأمر بعد الاستقلال بحكم مطالبة حكومة حزب الأمة بقيادة عبد الله خليل باعتبار حلايب أرضا سودانية وهو ما رفضه الرئيس عبد الناصر، ولكنه فى نفس الوقت لم يشأ أن يسيل دم من أى من البلدين فى هذه البقعة الغالية، ثم مارست مصر بتوافق السلطة السودانية كافة أشكال السيادة على المنطقة وعلى نحو متواصل ومستمر ودون انقطاع، وتمثل هذا فى إصدار التراخيص للشركات المصرية الحكومية والخاصة للعمل فى مجال التعدين فى مثلث حلايب- شلاتين- أبرامات على نحو جعل بوسع الإدارة المصرية أن تجبى الضرائب وأن ترسل الكتب للتعليم وأن تتابع الحالة الجنائية وأن تضبط الحدود عند خط ٢٢ درجة شمالا. ولم يكن عشرات الجنود السودانيين إلا إخوة متزاملين مع نظرائهم المصريين إلى أن قرر الرئيس البشير فى مطلع التسعينيات أن يمنح شركة تعدين هولندية الحق فى استخراج الذهب من المثلث، وذلك فى وقت كانت الدولتان فيه تعانيان خلافات سياسية طاحنة بعد دخول صدام حسين إلى الكويت. فلم تجد الحكومة المصرية أمامها بدا من رفض هذه الإجراءات فرد الرئيس البشير بتصعيد عدد القوات السودانية من عشرات الجنود إلى ٢٥٠٠ جندى، وفى هذه الحالة كان الجنود ينتمون إلى القوات المسلحة وليس إلى الشرطة، وهنا اجتاحت القوات المصرية الممكنة بأقل عدد من القوات ومن محاور تبعد كثيرا عن أماكن وجود القوات السودانية وتصل إلى خط ٢٢ درجة دون احتكاك بأحد، ثم مارست سياسة الصبر الطويل إلى أن انتهى وجود الجنود السودانيين وعادوا إلى بلادهم بعدما أخذوا من الزمن ما يشاءون دون أن يمس الجنود السودانيون منهم أحدا، بل كانوا وتحت مشهد منى شخصيا يتناولون طعام الإفطار فى رمضان ويتبادلون الكعك فى العيد الصغير واللحوم فى العيد الكبير، وبهذا عادت السيادة المصرية بأقل التكلفة الإنسانية على الإطلاق فى عملية كانت إنسانية أكثر من كونها عسكرية، وهكذا توافقت مصر مع تاريخها الطويل فى التليد والتواصل فإذا بها تقرر لنفسها حقوقها وتستعيدها ولا تتخذ فى هذا أسلوب العمل بالأسلحة النارية ولا حتى باستخدام مشرط، وذلك تجسيدا لمشاعر الأخوة وحرصا على أن تكون الحدود التى اصطنعها الاستعمار منطقة تعايش وليست منطقة تصادم. وبهذا واصلت مصر منظورها الأخلاقى للروابط مع الأشقاء والعمل على استمرار عطائها تجاههم.


وفيما يتعلق بالحدود البحرية مع المملكة العربية السعودية فإن بريطانيا لعبت أيضا الدور الأكبر فيها حيث كانت هى الحامية للمملكة العربية السعودية منذ فترة مبكرة آن اختراقها لمنطقة الخليج العربى وتواصلها باتفاقات مع ما كان يسمى بالساحل المهادن، أو إمارات الخليج العربى، كما كانت بريطانيا ضد تدخل الدولة العثمانية فى المنطقة ورفضت الدور العسكرى لوكيلها محمد على والى مصر ضد الدولة السعودية الأولى. فلما أنشأ الملك عبد العزيز بن سعود دولته وأقام من الرياض حركة توسعية امتدت إلى الحجاز قابل فيها موكب الحج المصرى مقابلة غير كريمة باعتبار الخلفية الصراعية فى ظل عهد أسرة محمد على ثم سرعان ما توافقت الدولتان على لملمة الموقف ليرث الملك عبد العزيز ما كان للهاشميين فى الحجاز من صلاحيات إدارية على المناطق الشمالية، وبصفة خاصة التى تمتد إلى طريق الحج، حيث كان يمر خط سكك حديد الحجاز والذى شكل الرمز العثمانى الأكثر إيغالا فى الأراضى المقدسة، والذى كان يربط ما بين قلب الدولة العثمانية والحرم القدسى والحرمين الشريفين فى مكة والمدينة. ومجددا رعت بريطانيا الدولة السعودية ومكنتها من وراثة الدولة العثمانية فى الحرمين الشريفين بحكم ما نالته من امتيازات فى النفط السعودى، فوقعت الجزيرتان تيران وصنافير فى أيلولة الدولة السعودية.


والحقيقة أن أبعادا شتى جعلت هذا الإجراء البريطانى متوافقا مع المصلحة السعودية وفى نفس الوقت مع القواعد العامة المعمول بها فى البحار المفتوحة وفى الخلجان وفى المضايق، ومنها خليج العقبة ومضيق تيران. ذلك أن الامتداد البرى للساحل السعودى أقرب إلى الجزيرتين من الامتداد البرى المصرى وذلك بحكم أن المناطق الفاصلة بين الجزيرتين والساحل السعودى هى مناطق يعلو فيها قاع البحر من سطحه وتسوده رؤوس جبلية ناتئة وكذا الشعاب المرجانية التى تجعل الملاحة فى الجانب السعودى غير صالحة إلا للقوارب والسفن الصغيرة. وعلى العكس من ذلك فعلى الجانب المصرى السيناوى الجنوبى فإن البحر «عميق عميق يا ولدى» إلى الحد الذى يؤكد أن الجغرافيا فصلت بين جنوب سيناء والجزيرتين بحيث بات الممر البحرى المصرى هو الممر العميق الصالح للملاحة الدولية، وهنا إذا توافقت الجغرافيا الطبيعية مع الجغرافيا السياسية ونشأت بالتالى حاجة ملحة من الجانب السعودى للاستعانة بالجانب المصرى إذا أراد حماية الجزيرتين إذ لم يكن بوسع بحريته أن تنتقل إلى الجزيرتين انتقالا سهلا لا من البر ولا من البحر، بينما كان الجانب المصرى يصل إليهما بشكل أيسر، وعلى ذلك فلما ادلهمت الخطوب الصهيونية وتواجهت الجيوش العربية معها فى حرب عام ١٩٤٨ اختار الجانب السعودى أن يدخل المواجهة فى كنف الجيش المصرى، فالملك عبد العزيز آل سعود كان يثق فى الجيش المصرى أكثر مما يثق فى منافسيه الهاشميين فى شرق الأردن الذين أزاحهم بالأمس القريب من الحجاز.


ولما انتهت المواجهة العربية الإسرائيلية الأولى بفقدان السيطرة العربية على فلسطين بتآمر دولى واضح من الولايات المتحدة وبريطانيا وغيرهما من قوى الغرب انتقلت إسرائيل من السيطرة على ساحل البحر المتوسط للبحث عن منفذ على البحر الأحمر. وهنا برزت قرون الشيطان البريطانى مرة أخرى فإذا بالجنرال جلوب القائد العسكرى البريطانى للجيش الأردنى الهاشمى حيث ناور بالقوات الأردنية فى منطقة أم الرشراش «الأردنية» على زعم أنه يدرب الجنود على إخلاء المنطقة وإعادة احتلالها استعدادا لهجوم صهيونى فأخلاهم ولم يردهم إليها فدخلت القوات الصهيونية القريبة الميناء لتحيله إلى ميناء إيلات الإسرائيلى، ثم تبدأ عصابة بن جوريون رئيس الوزراء الإسرائيلى فى ذلك الوقت فى استخدامه نافذة لاختراق العالم العربى من البحر الأحمر والوصول إلى منطقة القرن الإفريقى ومن خلفها حوض النيل والعمل منهما ضد المصالح العربية. وعلى الرغم من توقيع هدنة رودس بين إسرائيل وعدة دول عربية إلا أن إسرائيل كعهدها لم تلتزم بما اتفقت عليه معهم ما جعل المصريين يتوجسون خيفة من احتلالهم للجزيرتين السعوديتين، فكان أن بادرت القوات المصرية فى عام ١٩٥٠ «باحتلالهما» ثم شرعت من فورها فى الكتابة إلى الملك عبد العزيز تستأذنه فى الإجراء فيرد عليها بأنه يوافق على قيام القوات المصرية باحتلال الجزيرتين لتأمينهما من العدوان الصهيونى ويضيف بأنه ليس مهما لمن تؤول الجزيرتان لكن المهم أنهما فى عهدة «ملكين جليلين» بمعنى أنه يثق أن الحيازة الفعلية للجزيرتين تستهدف تأمينهما من عدو آخر وليس الأمر اغتصابا لأرضه طالما هناك شرف الكلمة العربية، حيث كانت الدولتان قد أسستا قبل خمس سنوات جامعة الدول العربية وتحسبتا لكل الذى جرى بعد ذلك.


ولم تقف وزارة الخارجية المصرية عند هذا الحد بل بادرت بالكتابة إلى الولايات المتحدة تبرر لها قيام البحرية المصرية باحتلال الجزيرتين وتقول بأنه إجراء مؤقت لمنع الاحتلال الإسرائيلى لهما، وأنه تم بالتوافق مع الأشقاء السعوديين ولا يرتب تغييرا فى الأوضاع السياسية فى مدخل خليج العقبة. وقد عملت الدولتان من بعد ذلك على منع السفن الإسرائيلية من المرور فى خليج العقبة وتوافقتا على أن الاحتلال الإسرائيلى غير المبرر لأم الرشراش لا يرتب سيادة ومن ثم فإنه لا يعطى لإسرائيل حقا فى الإبحار فى خليج العقبة، وقد ردت القوى الغربية على هذا الموقف ردودا حاسمة فقد أصدرت كل من الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا وهولندا والنرويج، تصريحا يفيد بحق إسرائيل فى الإبحار فى خليج العقبة إبحارا بريئا طالما أنه ليس لها مخرج منه لمينائها فى إيلات، ومن ثم يعد الخليج خليجا دوليا، كما أن سكرتير عام الأمم المتحدة داج همرشولد أدلى بتصريحات متعاقبة يقر فيها حق المررو البرىء من مضيق تيران وخليج العقبة ويطلب إعمال القانون الدولى فى هذا الصدد ويرتب على ذلك حقا لإسرائيل فى هذا المرور، بينما كان رأى الدولتين أنه خليج عربى لا يجوز أن تمر منه إسرائيل، وقد دارت معارك شتى حول هذه المبادئ والاختلافات فى وجهات النظر انتهت باعتبار الخليج خليجا دوليا، ومن ثم فلم يكن الرئيس عبد الناصر هو الذى قبل بعد حرب ١٩٥٦ أو ١٩٦٧ مرور إسرائيل من الخليج سرا، كما يزعم الزاعمون من الناقمين على الرجل لأنهم لم ينالوا مكانته ولم يصلوا فى قلوب الجماهير إلى مثل محبته، إنما كان الأمر محض وضع قانونى فرضته القوى الكبرى واتفق عليه المجتمع الدولى.


وقد حاول البعض من عشوائيى الرؤى والأفكار وسيئى النوايا والصدور أن يلمزوا الدولة المصرية سواء فى دخولها إلى الجزيرتين أو فى خروجها منهما وطالوا بذلك رؤساء مصر جميعا فعبد الناصر ورطنا فى قبول الملاحة الإسرائيلية وقد كانت قائمة من قبله ومن بعده، والسادات ورطنا بأن قبل إيراد الجزيرتين فى كامب ديفيد وقد أبت شهامته أن يتم احتلالهما من مصر وألا تتضمن وثيقة استرداد الأرض تحريرهما أيضا، كما لمزوا مبارك فى القول بأنه أصدر القرار ٢٧ لنسة ١٩٩٠ يعترف فيه بالسيادة السعودية وما كان له أن يفعل على الرغم من أنه فى هذا لم يختلف عن سابقيه من فاروق إلى عبد الناصر إلى السادات، وأخيرا قالوا بأن الرئيس السيسى تنازل عن السيادة التى لم يطلبها لا فاروق ولا عبد الناصر ولا السادات ولا مبارك، عن أى شىء تنازل إذن؟ والواقع أن الموقف الراهن فيما يتعلق بالجزيرتين يؤشر على معان استراتيجية شتى:


أن الدولة السعودية التى نأت عن أن تكون طرفا فى المجابهة مع إسرائيل باتت تضع نفسها فى الخط الأول وتجابه المطامع الإسرائيلية بشكل مباشر، وبهذا تشاركت مع مصر فى الأمر على نحو يضيف إلى القوة العربية ولا يسلب منها، ولم يكن ذلك من إبداعات الملك سلمان أو أنه فرض واقعا جديدا أو أنه ضغط لنيل الجزيرتين مقابل ما قدم من مساعدات، بل إن الفكر السياسى السعودى راح يطالب مصر بتسليم الجزيرتين مرة بعد مرة لولا أن أوقفته تطورات الأحداث من مواجهة مع إسرائيل من الخمسينيات إلى السبعينيات ومن حرب إيرانية عراقية فى الثمانينيات، وعراقية عربية فى التسعينيات، وعراقية غربية فى مطلع القرن الحادى والعشرين، وعلى سبيل المثال كتب الباحث السعودى العطوى عناد ابن نجم سليمان رسالته للماجستير بعنوان «تصور استراتيجى للدول العربية المطلة على خليج العقبة فى مواجهة الأطماع الإسرائيلية» وذلك بجامعة نايف العربية للعلوم الأمنية بكلية العلوم الاستراتيحية قسم الدراسات الإقليمية والدولية فى عام ٢٠١٤.


إن البعد الإيرانى كان حاضرا عندما احتلت إسرائيل أم الرشراش ولا يزال حاضرا إلى الآن، ففى دراسة للباحث تشارلز جوردون ماكدونالد بجامعة فيرجينيا الأمريكية والتى أعدها فى عام ١٩٧٦ عن «إيران والسعودية: دراسة لقانون البحار فى خليج فارس» أشار إلى سياسة إيران فى الضغط على السعودية فى منطقة الخليج لإجبارها على التنازل والقبول بتسهيل عبور إسرائيل فى خليج العقبة حتى يصل البترول الإيرانى إلى ميناء إيلات، وهو الأمر الذى تكرر الأيام التى نعيشها، حيث نرى الولايات المتحدة الأمريكية تتفق مع إيران فى الاتفاق الاستراتيجى الذى وقع فى العام الماضى بشأن المسألة النووية الإيرانية والتى انسحبت إيران على أثرها من المواجهة المزعومة مع الشيطان الأكبر «أمريكا» وتراجعت عن ادعاءات الحرس الثورى الإيرانى وفيلق القدس وباتت تضغط على دول الخليج جميعها وتتواصل مع إسرائيل علنا وتسهل إسرائيل مهمتها فى سوريا، والتى تدور حول تفكيك هذه الدولة وإسقاط جيشها عبر حرب طويلة مستمرة.


ويرتبط باتفاق ترسيم الحدود البحرية والتى لا تدخل فيها الجزيرتان على الإطلاق باعتبار أيلولتهما للسيادة السعودية من البدء العمل المشترك بين مصر والمملكة العربية السعودية فى تنمية المنطقتين وتحديد أين تبدأ سيادة كل منهما وأين تنتهى ريثما تتمكن كل منهما من الاستثمار فى منطقتها وجنى العائد لصالحها، وفى هذا الصدد فإن عمل الدولتين الاستراتيجى العملاق المتمثل فى إعادة الاعتبار للقوة العربية والمجابهة الشاملة لوقائع التقسيم الواضحة لكل دولة عربية اقتضت منهما بذل الجهد لتأسيس قوة مقتدرة على مجابهة التحديات، وهو ما رأسناه فى السنوات الماضية من مناورات مشتركة فى البحر الأحمر وفى شمال المملكة وجنوبها وفى الخليج العربى، الأمر الذى استهدف إيران وتهديداتها من ناحية، وأمريكا ومساعيها للتقسيم من ناحية ثانية، وهى الاجراءات التى ثبت من خلالها بطء لوجستيات النقل العسكرى عبر البحر الأحمر وهو ما ظهر واضحا فى أثناء المساعدات المصرية للكويت عام ١٩٦١، و١٩٩٠، والتدخل فى اليمن فى إطار التحالف العربى، فضلا عن وقائع غرق العبارات المصرية فى البحر الأحمر وفشل محاولات سابقة لبناء الجسر البرى عبر جنوب سيناء إلى الجزيرتين إلى البر السعودى لخدمة هذه الأهداف العسكرية وأهداف النقل التجارى والاقتصادى والسياحة ونقل الحجيج، حيث كان الرئيس الأسبق مبارك يستجيب للضغوط الأمريكية والإسرائيلية الرافضة لقيام هذا الجسر والذى يعنى بالفعل منع إسرائيل من تأدية دورها الاستعمارى فى الفصل بين المشرق والمغرب، والذى يحرم مصر من أن تؤدى دورها الحضارى ووظيفتها العربية عبر البحر الأحمر بين المشرق العربى والمغرب العربى.


ومن ثم فإن جملة الظروف توافقت معا بحيث صار اتفاق التقسيم البحرى جزءا من استراتيجية عربية شاملة يلتئم فيها المشرق بالمغرب ويلتحم فيها السعودى بالمصرى، ولنا أن نسأل هذه الضجة الكبرى علام وإلى ما الفراق بينكم إلى ما؟


وإذا كنا قد علمنا متطاولا هنا فى مصر يجأر بما لا يفهم، وينطق قبل أن يقرأ، ويحكم دون دراية، ويتصرف وهو بعد صحفى فى غير مجال أو إعلامى فى غير ميدان، كما لو كان صانعا للقرار أو خبيرا استراتيجيا ينتظر منه الرأى ليتحدد من بعد قوله المسار، وذلك مما شهدناه فى الأسبوع المنصرم، فإن الأمر أيضا لم يخل من غليم سعودى ومتطاول فى هذه الصحيفة أو تلك يزعم أن الملك سلمان لو أقام يوما زائدا لنالت المملكة إلى جانب الجزيرتين شرم الشيخ، وخاب وخسر، وخسئ هذا الغليم ومن دار دورانه، ولف لفه، فهو مثل نظيره بالقاهرة لم يفهم ما الذى يجرى ولم يدر أن القامات الكبيرة فى مصر وفى بلاده تتعامل من منطق مختلف وتبنى على المصلحة المشتركة، بل قل المصلحة الواحدة المصلحة العربية فى مجابهة التحديات الصهيونية- الأمريكية- الفارسية. وما يضيف إليها من قوة نشاط الفسائل القطرية والأردوغانية التى يسعى العاهل السعودى إلى ردها اختيارا قبل أن يرد عليها جهارا وإجبارا. وتبقى أن مصر الدور والوجود قادرة على أن تصون قلبها وأبعادها المركزية وقادرة فى نفس الوقت على التواصل مع أهلها وذويها عبر الحدود السياسية مؤكدة قدرتها على التفاعل الاستراتيجى الخلاق على نحو كبير لا يفهمه إلا عالم الكبار. فيا أيها الصغار صمتا صمتا.