جزيرتان.. وجسر إلى الحقيقة

20/04/2016 - 11:56:38

بقلم - محمد الشافعى

يعانى المصريون من حساسية مفرطة.. تجاه كل ما يمس "أرضهم".. ويربطون دوماً ما بين الأرض والعرض، وقد تولدت تلك الحساسية نتيجة رحلة طويلة من الاعتداءات والاحتلال بداية من الهكسوس.. ومروراً بالرومان والإغريق والعثمانيين والإنجليز والفرنسيين وحتى الصهاينة.. ولذلك لم يكن غريبا تفجر تلك "الغضبة الضيقة" بعد الإعلان عن تبعية جزيرتى "تيران وصنافير" للمملكة العربية السعودية.


ومع الغضب تفجر خلاف كبير بين مؤيدى ما أعلنته الحكومة، وبين من يتمسكون بتبعية الجزيرتين لمصر.. وقد تولد الغضب ثم الخلاف، نتيجة مُصادرة حق الناس فى المعرفة والمشاركة فى شئون الوطن.. والأهم نتيجة ذلك الإخراج السيئ والمسىء لعملية الإعلان عن تبعية الجزيرتين للسعودية.


ورغم إعلان العديد من الرموز والقامات الوطنية المُحترمة تأييدهم لتبعية الجزيرتين للسعودية؛ إلا أننى أقف وبشدة مع المقتنعين بتبعية الجزيرتين لمصر.. وقد بنيت قناعتى على العديد من الحجج والأسانيد.. أحاول أن أجملها فى النقاط الآتية:


أولاً: فى كتابه العمدة "تاريخ شبه جزيرة سيناء الحديث والقديم وجغرافيتها" الصادر فى عام ١٩١٦، يؤكد نعوم بك شقير تبعية الجزيرتين لمصر، حيث يقول " أما خليج العقبة الذى يحد سيناء الجنوبية من الشرق، فطوله من رأس محمد إلى قلعة العقبة نحو مائة ميل، وعرضه من سبعة أميال إلى أربعة عشر ميلاً.. وفيه ثلاث جزر "جزيرة تيران"عن قاعدته تجاه رأس محمد، وبينهما مضيق حرج لمرور المراكب، وجزيرة "سنافر" شرقيها وكلتاهما قفر بلقع.


ثانياً: الدكتور جمال حمدان يؤكد فى كتابه "سيناء" والصادر عن "دار الهلال" تبعية تيران لمصر، حيث يقول فى الصفحة ٢٥٣ "والواقع أن مدخل خليج العقبة المخنوق إنما يمثل جيولوجياً قواطع عارضة.. قواطع تيران التى تقع إلى الجنوب من شرم الشيخ وجزيرة تيران.. وتفصل الخليج عن البحر. ويعود "حمدان" فى صفحتى ٢٥٨، و٢٥٩ للتأكيد على مصرية "تيران".


وفى هذا الإطار نشير إلى ما قاله السفير سيد قاسم "والرجل مازال حياً يرزق" أول سفير مصرى فى الرياض بعد القطيعة التى نتجت عن "كامب ديفيد"، حيث يؤكد بأنه حمل رسالة من د. عصمت عبد المجيد وزير الخارجية المصرى فى ذلك الوقت، إلى وزير الخارجية السعودى سعود الفيصل تؤكد على مصرية "تيران"


ثالثاً: الذين يزعمون أن اتفاقية ١٩٠٦ بين مصر والدولة العثمانية كانت ترسيم الحدود البرية وليست البحرية، لم يقرأوا الاتفاقية جيداً، والتى تنص على أن حدود مصر من ناحية خليج العقبة هى "إمارة الحجاز".. بما يعنى أن خليج العقبة بكامله بحيرة مصرية.


رابعاً: نشأت المملكة العربية السعودية كواحدة من تجليات اتفاقية "سايكس بيكو "١٩١٦ بعد أن تم ترحيل الشريف حسين وشقيقه فيصل من الجزيرة العربية ليحكما الأردن والعراق، وتم إخلاء إمارتى نجد والحجاز لآل سعود، الذين أعلنوا دولتهم فى عام ١٩٣٢.. وقبل ذلك بسنوات كانت السيادة المصرية أمراً واقعاً على جزيرتى "تيران وصنافير".


خامساً: قيل إن الملك عبد العزيز أرسل إلى الملك فاروق عام ١٩٥٠ رسالة يطلب فيها من مصر حماية "تيران وصنافير" من التهديدات الصهيونية، ومثل هذا الخطاب غير موجود ولن يكون موجوداً فى أى وقت.. وكل ما يمكن التوقف عنده ما تردد عن خطاب من الملك عبد العزيز إلى "وزيره المفوض" فى مصر يحمل نفس المعنى.. ومثل هذا الكلام ينسف كل المزاعم.. فعندما يريد ملك السعودية من مصر أمراً، فلابد وأن يخاطب ملكها وليس مجرد "وزير مفوض" فى سفارة بلده. وهناك وثيقة تنسف كل هذا الكلام، وهى خطاب موجه من وكيل الخارجية المصرية فى ٢٥ فبراير ١٩٥٠ إلى وكيل وزارة الحربية والبحرية، يقول فيه: "بالإشارة إلى كتاب الوزارة رقم ٢ سرى المؤرخ ١٦ يناير سنة ١٩٥٠ بشأن ملكية جزيرة تيران الواقعة عند مدخل جزيرة العقبة.. أتشرف بأن أبعث مع هذا صورة من كتاب وزارة المالية رقم ف ٢١٩ - ١/٤ والذى يتبين منه أن هذه الجزيرة تدخل ضمن تحديد الأراضى المصرية.


وفى اليوم التالى لوصول خطاب الخارجية إلى الحربية أى فى يوم ١٧ يناير، رفع رئيس هيئة أركان الجيش المصرى خطاباً لوزير الحربية والبحرية، يتضمن تشكيل القوات الذاهبة لتيران.


وفى ٢١ يناير ١٩٥٠ أرسل مدير العمليات الحربية، رسالة إلى قائد القوة الموجودة فى تيران بضرورة احتلال "صنافير".


سادساً: هناك العديد من الخرائط القديمة التى تؤكد تبعية "تيران وصنافير" لمصر وأهمها خريطة بالمر "١٨٦٨"، ومورجان "١٨٩٥"، وفرتان "١٩٠٤".


سابعاً: نشرت الصحف المصرية أن الرئيس الأسبق حسنى مبارك قد طلب فى عام ١٩٨١ من الرئيس السودانى الأسبق جعفر نميرى، أن ينقل إلى الملك السعودى خالد بن عبدالعزيز رغبة مصر بتأجيل مُطالبة المملكة بالجزيرتين.. ومثل هذا الكلام غير مقنع.. فإذا كان مبارك قد طلب ذلك.. فهل يعقل أن يبادر بعد أشهر قليلة وفى عام ١٩٨٢ بإصدار قرار منشور فى الجريدة الرسمية بإقامة نقطة شرطة مصرية دائمة فى جزيرة "تيران"؟، وفى عام ١٩٨٣ يصدر منشوراً باعتبار "تيران وصنافير" محميات طبيعية.


ثامناً: نصل إلى النقطة المحورية فى هذه الأزمة، حيث أن أشقاءنا فى المملكة السعودية لا يملكون أى ورقة؛ إلا الخطاب الذى أرسله الدكتور عصمت عبد المجيد وزير الخارجية الأسبق إلى نظيره السعودى سعود الفيصل يعترف فيه بتبعية الجزيرتين للمملكة.


تاسعاً: تمثل جزيرة "تيران" أهمية استراتيجية كبيرة لمصر، وقد تعرضت هى و"صنافير" للاحتلال أثناء العدوان الثلاثى ١٩٥٦ والعدوان الصهيونى عام ١٦٦٧.. وكان غلق الرئيس عبد الناصر لمضيق "تيران" فى ٢٢ مايو ١٩٦٧ إحدى الشماعات التى برر بها الكيان الصهيونى عدوانه على مصر.


عاشراً: يعتمد الكثيرون بمن فيهم الحكومة على القرار الصادر عن الرئيس الأسبق مبارك فى تأكيد تبعية الجزيرتين للسعودية، رغم أن هذا القرار فيه إحالات لقرار عام ١٩٥١ وقرار جمهورى عام ١٩٥٨ واتفاقية ترسيم الحدود البحرية عام ١٩٨٢ .. ولابد من العودة لهذه الإحالات لقراءة القرار بشكل صحيح.


حادى عشر: غضب المصريون وتألموا لأنهم (أخذوا على حين غرة) .. وباغتهم هذا القرار المفاجئ بإخراجه السيئ، وكان من الممكن التمهيد لهذا القرار منذ عدة شهور بالإعلان عن ترسيم الحدود البحرية بين الدولتين، ثم الإعلان عن الادعاء السعودى بملكية الجزيرتين.. ثم تكوين لجنة قومية لدراسة هذا الادعاء.. وأخيراً الإعلان عما تتوصل له اللجنة.. ولكن الحكومة أخطأت.. وخرج الرئيس السيسى وتحدث إلى الناس وأكد أن الأمر فى يد البرلمان.. وألمح إلى تكوين لجنة قومية لدراسة الأمر .. وهذا هو الحل الوحيد بأن يتم الإعلان عن تكوين لجنة حقوقية من أعضاء الجمعيات ذات الاختصاص، بشرط أن تتاح الفرصة كاملة لمن يتمسكون بمصرية الجزيرتين للتمثيل فى هذه اللجنة، فإذا ما انتهت اللجنة إلى مصرية الجزيرتين انتهى الأمر، وإذا ما رأت تبعيتها للمملكة السعودية، فيجب العمل على اتخاذ الجزيرتين كنقطة ارتكاز فى الجسر المزمع إنشاؤه بين مصر والمملكة.. ونقاط الارتكاز ستحتاج إلى حماية عسكرية ستوفرها مصر.. كما أن تكوين هذه اللجنة سوف يعمل على اختبار نوايا أشقائنا فى السعودية، خاصة بعد إعلان مسئولى الكيان الصهيونى بأن المملكة قد نسقت معهم قبل وقت كافٍ من زيارة الملك سلمان لمصر.