يساوى بين المصريين والأجانب: قرار تملك الأراضى بالمجان.. هل يحرك الاستثمار الراكد فى الصعيد

20/04/2016 - 10:09:51

تقرير: أميرة جاد

«تحديد وتخصيص أراضٍ للمستثمرين بدون مقابل».. هذا هو ملخص القرار الذى أصدره الرئيس عبد الفتاح السيسى قبل أيام، القرار حمل رقم ١٥٧ لسنة ٢٠١٦، صدر بغرض تحديد المناطق التى يجوز تخصيصها للمستثمرين بُدون مقابل، استنادًا إلى نص المادة ٧٤ من قانون ضمانات وحوافز الاستثمار المضافة بالقرار بقانون رقم ١٧ لسنة ٢٠١٥.


مجانية تخصيص أراضٍ للمستثمرين أثارت جدلا واسعا عقب صدور القرار الجمهورى، «المصور» تُحقق في تبعيات القرار، لتتعرف أيضا على خريطة المناطق التى تتمتع بمجانية المنح والتخصيص، والمعايير التى على أساسها، يمكن تخصيص الأراضى للمستثمرين والضمانات اللازمة لعدم لجوء المستثمرين للتسقيع أو البيع أو تغيير الأنشطة المقررة، بالإضافة إلى الوقوف على السند القانونى لمجانية التخصيص وجدواه.. فضلا عن التعرف على ما إذا كانت تجربة التخصيص المجانى أثناء حكم مبارك كانت بمثابة حافز استثمارى حقيقى أم أنها محاباة لرجال الأعمال ؟.


الخبراء أكدوا لـ»المصور» قرار تفعيل الحوافز الاستثمارية موجود منذ عام ٢٠١١، لكنه غير مُفعل، وطالبوا بمراقبة حركة ملكية الأراضى الممنوحة للمستثمرين منعا للتسقيع، وتحديد جداول زمنية صارمة للبدء. لكنهم في الوقت ذاته أكدوا أن التناقض بين المادتين ٧٤ و ٧٢ بقانون الاستثمار يخلق حالة من الغموض والتخبط لدى المستثمر.


خريطة المناطق التى سيتم التخصيص فيها بالمجان، تحددها المادة الأولى من القرار الجمهورى الصادر قبل أيام، والتى تنص على «أن تسرى أحكام المادة ٧٤ من قانون ضمانات وحوافز الاستثمار الصادر بالقانون رقم ٨ لسنة ١٩٩٧، وهو المعدَّل بالقرار بقانون رقم ١٧ لسنة ٢٠١٥ على الأراضى المملوكة للدولة ملكية خاصة، وتتضح حدودها ومساحتها وإحداثياتها بقرارين جمهوريين رقم ١٥٨ لسنة ٢٠٠١، والآخر يحمل رقم ٣٧٠ لسنة ٢٠٠٤، وقرار رئيس مجلس الوزراء رقم ٢١٢٢ لسنة ٢٠١٥.


من جانبه، قال الدكتور عوض الترساوى أستاذ القانون التجارى، ومستشار الجمعية المصرية للأوراق المالية: إن هذا القرار يعنى أن المناطق التى سيتم تخصيص الأرض بالمجان هى محافظات «المنيا وأسيوط وسوهاج وقنا وأسوان والوادى الجديد وبنى سويف والأقصر»، لافتا إلى أن القرار الجمهورى الذى أصدره الرئيس السيسى مؤخرا قرار إدارى تنفيذى للمادة ٧٤ من قانون الاستثمار الجديد، والذى أقره مجلس النواب، موضحا أن القانون أقر العديد من الحوافز الاستثمارية وحدد خريطة المناطق المطلوب الاستثمار فيها، لأنها الأولى بالرعاية الاقتصادية لتراجع معدلات التنمية فيها.


وألمح «الترساوى» إلى أن هذه الخريطة تشمل الظهير الصحراوى للمناطق الصناعية فى محافظات الصعيد، وبعض المناطق فى البحر الأحمر، مؤكدا أن قرار السيسى بمجانية الأرض ماهو إلا تفعيل لحوافز استثمارية موجودة؛ لكنها غير مفعلة، لافتا إلى أن نجاح حافز مجانية تخصيص الأراضى للمستثمرين يتوقف على عدة معايير أهمها، اللامركزية ومنح المحافظ والوزير المختص سلطة التخصيص لتسهيل المساءلة حال فشل التخصيص، فضلا عن التسهيل على المستثمرين، بالإضافة إلى ضرورة إلزام المستثمرين بعدم تغيير النشاط واستمراريته.


وشدد «الترساوى» على ضرورة مراقبة حركة ملكية الأراضى الممنوحة وحال رغبة المستثمر التخلص من ملكيتها تعود للدولة منعا للمتاجرة والتسقيع، موضحا أن القرار الجمهورى لن يتم تفعيله؛ إلا بعد إصدار مجلس الوزراء الشروط والمعايير التى يجب توافرها فى المستثمرين، لأن المادة الثانية من قرار السيسى تنص على أن يكون التصرُّف بدون مقابل فى الأراضى المبينة بالمادة السابقة للمستثمرين المستوفين للشروط الفنية والمالية، التى يصدر مجلس الوزراء  قرارا بتحديدها، فيما نصَّت المادة الثالثة على أن يتم النشر فى المحافظات المعنية لحصر المساحات المتبقية دون استخدام، وذلك وفقًا لقرارات التخصيص المشار إليها والتنسيق فى هذا الصدد، مع كل من الأجهزة المختصة بوزارة الدفاع للحصول على قواعد وضوابط الاستخدام من وجهة النظر العسكرية قبل بدء تنفيذ مشروعات الأنشطة الصناعية، والهيئة العامة للتنمية الصناعية، وجهاز شئون البيئة، وأجهزة الدولة المعنية.


وحول التجارب الدولية فى منح الأراضى بالمجان للمستثمرين، قال «الترساوى» إن التجارب كثيرة، وأبرزها المغرب ودول شرق آسيا والصين.


وعما يتعلق بجنسية المستثمرين الذين تمنحهم الدولة أراضى مجانية للاستثمار، قال «الترساوى» يستوى فى ذلك المصريون والأجانب، لافتا إلى أن القانون لا يحول دون منح أراضٍ مجانية للأجانب، مشيرا إلى أن هناك بعض المناطق الحساسة التى لها طبيعة خاصة مثل سيناء لايجوز التملك فيها. و»باعتبار أن قرار السيسى بشأن منح الأراضى للمستثمرين بالمجان «قديم – جديد» فإن تقييمات التجربة فى السابق تفاوتت بين النجاح والفشل تبعا للمنطقة»، وهو ما أكدته وفاء صبحى النائب السابق لرئيس الهيئة العامة للاستثمار، قائلة إن تجربة منح الأراضى للمستثمرين فى الصعيد باءت بالفشل، نظرا لانعدام المتابعة وسوء البنية التحتية، إلى جانب غياب التخطيط أثناء منح الأراضى، فما حدث بالصعيد أنه بمجرد أن يتم افتتاح مشروع لإحدى الصناعات ويحقق نجاحا، يتم منح عشرات القطع من الأراضى لعشرات المستثمرين لعمل نفس المشروع، وهو ما يصيب المشروعات كلها بالفشل، نظرا لانعدام التنوع، وهو ما يمكن ترجمته فيما يعرف بانعدام مفهوم التنمية الشمولية.


وأكدت «صبحى» أن إنجاح حافز مجانية الأراضى الصناعية يتطلب ضرورة ربط المشروعات الممنوح لها الأراضى بخطة التنمية القومية ٢٠٣٠، حتى يتم تحقيق نمو قطاعى متوازن، موضحة أن نجاح التجربة أيضا يستلزم تحديد جداول زمنية مُحددة وصارمة للبدء والانتهاء من المشروع مع مراعاة طبيعة الاستثمار والقطاع الإنتاجى الممنوحة الأرض من أجله.


وألمحت نائب رئيس الهيئة العامة للاستثمار السابق، إلى أن الأراضى يجب تخصيص جزء منها للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وعدم قصرها على كبار رجال الأعمال، حتى يتم خلق ما يعرف بالاقتصادات التكميلية، إذ تقوم المشروعات الصغيرة والمتوسطة بالتخديم على الصناعات الأكبر، وبالتالى ضمان عمليات تشغيل واسعة ومُعدلات إنتاج كبيرة، بالإضافة إلى فرص عمل أكثر مما يمكن أن تنتجه المشروعات الكبرى فقط.


فى ذات السياق، قال محسن الجبالى رئيس جمعية مستثمرى بنى سويف، ورئيس مجلس أمناء مدينة بنى سويف: إن القرار الجمهورى الصادر قبل أيام جاء استكمالا لقرارات سابقة بتخصيص الأراضى بالمجان، مؤكدا أن المنطقتين الصناعيتين الوحيدتين فى بنى سويف تم منح جميع أراضيهما للمستثمرين بالمجان، وأنه عقب ثورة «٢٥ يناير» عام ٢٠١١ توقفت عمليات التخصيص نظرا لحالة الارتباك والتغيير المستمر فى قيادات الهيئات، بالإضافة إلى تداخل الاختصاصات فى التخصيص بين هيئة التنمية الصناعية والمحافظة، وكلها أمور أدت إلى توقف التخصيص بالمجان فكانت المحافظة تلجأ لتخصيص الأراضى بمقابل لدعم ميزانيات الترفيق. وأكد «الجبالى» أن نظام مجانية الأراضى الاستثمارية الصناعية قد حقق نجاحا فى محافظة بنى سويف، مشيرا إلى أن قرار السيسى الأخير يعيد حركة الاستثمار من جديد فى المناطق الصناعية، وخاصة فى المناطق الفقيرة تنمويا. وعن معايير التخصيص السابقة والتى تم على أساسها منح الأراضى أثناء حكم مبارك، قال الجبالى إنها تضمنت تنفيذ المشروع خلال ٣ سنوات، بالإضافة إلى أن الأولوية فى منح الأراضي تكون للمشروعات التى توفر فرص عمل أكثر.  


يشار إلى أن المادة الرابعة من القرار، تقر مسئولية  مجلس الوزراء فى  إصدار الشروط الفنية والمالية التى يتوجب توافرها فى المستثمرين الجائز التصرف إليهم فى الأراضى الموضحة بالقرار بدون مقابل، وما يلزم لذلك من قواعد وقرارات تنفيذية.


وعن مدى جاذبية حافز «مجانية الأراضي للمستثمرين، قال المستشار نبيل الجداوى الخبير الاستثمارى، ومستشار الهيئة العامة للاستثمار سابقا: إن قرار السيسى بتحديد الأراضى المجانية للمستثمرين تنفيذى للمادة ٧٤ من قانون الاستثمار الجديد، والتى تنص على أنه يجوز خلال ٥ سنوات ابتداءَ من أبريل ٢٠١٥ تخصيص الأراضى بغرض التنمية دون غيرها، وفى المناطق التى يُصدر بتحديدها قرار من رئيس الجمهورية بعد موافقة مجلس الوزراء، ويسرى ذلك على أى من صور التصرف المشار إليها فى المادة ٧٢ من القانون».


وأوضح «الجداوى» أن المادتين ٧٢ و ٧٤ متناقضتان، نظرا لأن الأولى تُحدد أشكال التصرف فى البيع أو حق الانتفاع أو التأجير، بينما المادة ٧٤ تنص على المجانية.. أى بدون مقابل، وهو ما يخلق حالة من الغموض والتخبط لدى المستثمر، وكلها أمور تنفى عن المجانية صفة الجاذبية الاستثمارية. منتقدا قانون الاستثمار الجديد، قائلا: «ملىء بالتناقضات والعوار.. وما كان على مجلس النواب أن يقره».


في غضون ذلك، قال «الجداوى» إنه لم تكن يوما أسعار الأراضي أو الضرائب ولا حتى سعر العملة، عوائق استثمارية، وإنما المشكلة الأساسية للاستثمار، هى السياسات غير المستقرة، وانعدام التخطيط، وما يصاحبه من بيروقراطية.