السعدنى.. والفقى.. ونور السيئ !

20/04/2016 - 9:33:14

  أكرم السعدنى أكرم السعدنى

بقلم - أكرم السعدنى

فى يومياته بالأخبار كتب عمى مصطفى الفقى عن أحد الرجال الذين دخلوا دائرة صداقات السعدنى الكبير وأصبح له فى قلب السعدنى مكانة عظيمة وهو عمى نور السيد الذى عمل فى السفارة المصرية فى لندن بعد أن هجر مصر إثر قصة حب لم تنته النهاية التى أرادها وأصر نور السيد على أن يحقق نجاحا مبهرا خارج الديار المصرية وبالفعل استطاع أن يلتحق بعد سنوات من الكفاح فى لندن للعمل بالسفارة المصرية بعقد “محلى” وكان للعم نور جسم رياضى، فهو طويل القامة يجيد لعبة الملاكمة بشكل خطير للغاية.. وكان حريصا على حضور المؤتمر السنوى لليهود فى بريطانيا .. وكنت أندهش لهذا الأمر وأسأله.. ماذا لو أن أحدهم اكتشف أنك مصرى؟ فكان يقول .. ليس كل يهودى إسرائيلياً .. وأغلبهم لا يتحدثون العبرية ثم إن أحداً لا يسألنى عن جنسيتى وبعضهم أصبح يأمن لى بشدة ويعتبرنى مصدر ثقة..


وبالفعل استطاع عم نور أن يتسلل إلى بعض المتنفذين داخل هذه الدوائر وكان معروفا لديهم على أنه رجل أعمال يهودى يقيم فى إنجلترا ويمتد نشاطه إلى معظم القارة.. وكان للعم نور أكثر من مكان للإقامة فى لندن فهناك شقة فى شارع اسمه “سيل بلاس” فى منطقة بادنجتون وهناك منزل على أطراف العاصمة.. وهناك شقة فى العمارة التى اكتسبت شهرة واسعة باعتبارها العمارة التى شهدت سقوط الليثى ناصف والفنانة سعاد حسنى وأكثر من ١٢ شخصا لقوا مصرعهم بالسقوط من النافذة، وقد عرف الولد الشقى نور السيد خلال زياراته المتعددة إلى لندن من أجل البحث عن بصيص للأمل فى علاج شقيقتى العزيزة هالة .. وقد وقع بصر السعدنى على نور السيد واكتشف أنه يركب أحسن سيارة تسير فى شوارع العاصمة البريطانية ويرتدى أفخر الثياب ويشترك فى أعظـم نوادى لندن ولكن يسكنه ابن بلدى مصرى شهم أصيل، فهو فى الشكل خواجة، ولكن فى الموضوع فإن نور السيد لا تزال الحارة والحى الشعبى المصرى وقد ترك فيه بصمات لم تنجح لا عاصمة الضباب ولا غيرها فى أن تجرى لها عملية نيولوك.. بل إن من اقترب من الخواجات من نور السيد تأثر به فقد كان عنوانا للكرم وستجد بيته مفتوحاً على الدوام ومائدته عامرة بأطايب الطعام لكل عابر لعاصمة الضباب من الكتاب والصحفيين والفنانين، وقد بلغ أسماعه ذات يوم فى الستينيات من القرن الماضى أن نجمة شهيرة - لا تزال على قيد الحياة - فى أزمة مادية وأنها فى حاجة إلى مبلغ ٣٠٠ جنيه استرلينى فى ذلك الزمان فغاب نور السيد وعلى رأى المثل.. “غطس وقب” ومعه كيس فى منتهى الشياكة ودون أن يعلم أحد سلمه للفنانة الشهيرة .. وذات يوم مر على الولد الشقى وكنا نسكن فى منطقة اسمها “رويال كورت” وكنا نستأجر حجرة بحمام بمبلغ ٣٥ جنيها فى الأسبوع، وحدث خلاف رهيب بين السعدنى ومستر “شيبا” وهو هندى الأصل، فقد أحس السعدنى بالمهانة لأن شيبا أراد أن يستغفله فى إيجار أسبوع وأدعى أن السعدنى لم يدفع إيجار الأسبوع الماضى ودخل السعدنى فى معارك الهول مع الهندى العنيد، ولم تسفر المعارك عن شئ على الإطلاق سوى أن السعدنى أطلق على الولد شيبا لقب “شيتا” فكل طرف متمسك برأيه وقد جاء عم نور فجأة ليحضر بعضا من التناحر الذى لا ينتهى واحتراما لعضلات العم نور أنحنى الولد الهندى وابتسم فى وجه عم نور واستدار ناحية السعدنى وقال .. نكمل غدا يا مستر سعدنى وكان عم نور قد بلغت أسماعه بعضا من المشاحنات وأدرك أن الخلاف مادى ولم يفتح فمه بكلمة مع السعدنى، ولكنه أبدى دهشته لأنه وجد السعدنى على هذه الحالة التى لم يره عليها أبدا، وانطلق من فم السعدنى مدفع رشاش فى حق الولد “شيبا” انتهى بضحكة من السعدنى قائلا .. “ابن المهروشة” فاكرنى هندى.. المهم أن السعدنى خرج من أجل السهر فى عاصمة الضباب مع العم نور وعاد متأخرا ليبحث عن شيبا الهندى ليستكمل مهمة الدفاع عن حقه - ولكن الرجل كان قد غادر المكان، وفى اليوم التالى ونحن فى طريقنا مع هالة إلى المستشفى.. نظر السعدنى حوله ليجد شيبا يجلس فى ركن بعيد فذهب إليه وهو يقول .. أنا مع ابنتى ذاهب إلى المستشفى وسوف أعود وأرجو أن أجدك هنا.. وانحنى شيبا بشكل مبالغ فيه وهو يقول: كما تحب يا مستر سعدنى المهم أننا عدنا من المستشفى لنجد شيبا واقفا أمام الفندق يفتح باب التاكسى للسعدنى وكان السعدنى مهراجا هندياً وشيبا خادمه المطيع، ثم اتجه إلى باب اللوكاندة «الكحيتى» وفتح للسعدنى الباب واقترب منه قائلا .. لقد اكتشفت خطأ رهيباً فى دفتر حساباتى .. فالمبلغ تم دفعه بالفعل وأرجو قبول اعتذارى عما جرى وابتسم السعدنى وهو يؤنب الرجل ويقول له .. أنا لا أنسى شيئاً على الإطلاق ولا أتأخر فى الدفع أبدا.. وقال الولد الهندى “شيبا» .. حصل خير.. ليس هناك أى مشاكل استمتع بيومك يا مستر سعدنى.


كان هذا الكلام فى العام ١٩٧٤ من القرن الماضى .. وبعد هذه الواقعة بعشر سنوات تقريبا كنا نزور بلدة اسمها “ساوث هول” وهى معقل الهنود فى بريطانيا ومكان تجمعهم .. فإذا برجل وقد اشتعل رأسه شيبا ينادى على السعدنى.. واندهشنا جميعا .. كيف أمكن لهذا الرجل الشبيه بالهنود أن يتعرف على السعدنى.. ساعتها أدرك السعدنى أنه ربما يكون قد شاهده أثناء رحلة المنفى إما فى الكويت أو الإمارات.. واقترب السعدنى من الرجل.. ثم صرخ قائلاً: يخرب بيتك.. مستر “شيتا” وضحك الرجلان ضحكات متواصلة وهما يتعانقان وحكى شيبا للسعدنى عن هذا الخلاف الذى طال بينهما لأكثر من أسبوعين متواصلين وبشكل يومى وقال .. هل تعلم صديقك المصرى، وكان يطلق عليه لقب الرجل الضخم وقال .. المستر نور.. وقال السعدنى نعم كيف تتذكر هذه الحوادث والبشر بهذه الطريقة العجيبة.. فقال شيبا إن هذا الرجل بعد أن قام بتوصيلك إلى “اللوكاندة” وغادر المكان عاد بعد قليل ومعه مظروف فيه ٣٥ جنيها “استرلينى” بالطبع.. وطلب ألا نخبرك بالأمر على الإطلاق.. وفرت من الولد الشقى دمعة على صديق عمره الذى أصدر معه المجلة التى كانت مثار تفاخر لهما معا وهى “٢٣ يوليو” والتى وقفت ضد اتفاقية السلام مع إسرائيل ولكن العرب الأشاوس منهم والمحافظين أيضا وقفوا ضد المجلة وحاربوها لأنها ترفع شعار ثورة ناصر و “٢٣ يوليو” لم يقف معهم سوى الرجل الفاضل حاكم الشارقة الذى شعر أن مصر العظيمة انحرفت عن المسار.. ولكن المجلة لم تصمد سوى عام واحد فقط لا غير وواجهتها ظروف قاهرة اضطر معها السعدنى ونور السيد إلى الاستسلام للأمر الواقع، وكأن السعدنى خلال هذه الفترة قد مر بفترة عصيبة هو والعم نور السيد ولكنهما استطاعا أن يتغلبا بالسخرية على الظروف رغم قسوتها، وكان السعدنى يطلق على العم نور.. لقب نور السييء.. فكان نور يضحك لهذا اللقب من قلبه ويا سبحان الله نور السيد الذى اقتحم مؤتمرات اليهود ليجمع أكبر قدر ممكن من المعلومات..


كان نفسه هو نور السيد الذى تحمس لـ “٢٣ يوليو” للوقوف ضد التطبيع مع الكيان الذى أفنى عمره يقاتل ضده وكان هو نفسه نور السيد الذى أنشأ تنظيم ثورة مصر لينهى حياته من أجل قضية آمن بها ومات فى سبيلها.


لم نشهده متحنجراً ولا ثوريا فوريا كلمنجيا يركب فوق الأكتاف ويدعى بطولة مزيفة.


لعلهم يتعلمون منه شيئاً


الله يرحمك يا عم نور ويا سعدنى يا جميل يا أصيل ويديلك الصحة والعمر الطويل يا عم مصطفى!