الجهاد «النسبي» في سبيل الله .. من يمنح صكوك «الشهادة»؟

19/04/2016 - 10:13:47

سعد القرش سعد القرش

سعد القرش

    لا يحتاج الدفاع عن الوطن، وحماية الأرواح والثروات من أي عدوان، إلى فتوى دينية بالإباحة أو التحريم؛ فمثل هذه القضية المصيرية محل إجماع «وطني» يفرض التصدي للمعتدي، ولو كان يعتنق الدين نفسه. هنا لا تصبح الحرب وجهة نظر دينية، بل ضرورة «وطنية»، تنأى عن تأويلات مرجعيتها اجتهادات فقهية واكبت زحف «جيوش المسلمين»، قبل أن تنتمي الجيوش للأوطان لا الأديان، وتضم في صفوفها من يعتنقون هذا الدين أو ذاك، ومن ينكرون وجود الله، «فلو شاء الله لهدى الناس جميعا». رصاص العدو أعمى لا ينتقي غير المسلمين من الجنود أو من الشعب، كما كان السيف أعمى في مقولة عبد الله بن عمر للإمام علي: «اعطني سيفا يفرق بين المسلمين والكافرين لأبايعك»، وهو ما لخصه أيضا سعد بن أبي وقاص حين دعي للقتال، والفتنة تلوح، فقال: «لا أقاتل حتى يأتوني بسيف له عينان ولسان وشفتان يعرف الكافر من المؤمن».


    ولكن الدعوة إلى «الجهاد»، بمداعبة خيال البؤساء كارهي الحياة بما سينالونه بعد «الشهادة»، ربما تقترب من الخيانة العظمى. لا يملك «المفتي» في هذه الحالة أن يحتمي بحقه في الاجتهاد والخطأ، ونيل أجر عن هذه الجريمة. هنا والآن يجب أن يخرج بيان قاطع ممن يرون أنفسهم ناطقين باسم الدين، باسم كل الأديان، يؤكد بوضوح انتهاء مفهوم «الشهادة في سبيل الله»، وفقا لتصور إسلامي سابق؛ فأغلبها لن يكون في سبيل الله، وكذلك انتهاء مفهوم «الحرب المقدسة»، لأنها تنتهي بإبادة شعوب، وتفتيت دول وتشريد مواطنيها. تحت راية الكتاب المقدس جرى غزو قارتين، ومحو حضارتها ومواطنيها، وتزوير أسمائهم؛ إذ لم يكونوا هنودا ولا حمرا. وتحت الراية نفسها أطلق البابا أوربان الثاني في فرنسا (1095) شرارة الحروب الصليبية فاشتعلت في العام التالي، واستمرت حتى عام 1292. دور البابا تقمصه جورج بوش، حين أصر على غزو بلاده للعراق عام 2003، بدعوى أنها «حرب صليبية جديدة».


    تسعى وجهتا النظر الأصوليتان، المسيحية والإسلامية، إلى «تديين» العالم، وإضفاء صبغة أخلاقية وإلهية لتسويغ جريمة. في «رسالة الجهاد» يقول حسن البنا: «إن الإخوان المسلمين سيستخدمون القوة العملية حيث لا يجدي غيرها، وحيث يثقون أنهم قد استكملوا عدة الإيمان والوحدة... فاعملوا للموتة الكريمة تظفروا بالسعادة الكاملة، رزقنا الله وإياكم كرامة الاستشهاد فى سبيله». فهل ستكون «الشهادة» من عضو تنظيم الإخوان في سبيل الوطن؟ أو دفاعا عن حرمة «مواطنين مسيحيين» يراهم طبيب طائفي اسمه ياسر برهامي من «الكفار. إن بقوا على كفرهم فهم في نار جهنم والعياذ بالله»، وهو أمر محل إجماع شيوخ السلفية الدعوية، أما زعماء السلفية «الجهادية التكفيرية» فيترجمون الكفر إلى استحلال، منذ قتل تنظيم «الجهاد» عام 1981 بعض المسيحيين في نجع حمادي، واستحل سرقة أربعة من محلات الذهب، وفي العام نفسه استولى على محلين للذهب يملكهما مسيحيان في القاهرة، تنفيذا لفتوى عمر عبد الرحمن باستحلال أموال المسيحيين.


    بين مقولة البنا وبرهامي تزول قشرة النفاق الديني والوطني عن «حقيقة» كثيرين، وعلى رأسهم يوسف القرضاوي الذي مسه طائف من الشيطان شمل أغلب قادة تنظيم الإخوان بعد عزل محمد مرسي، فدعا مسلمي العالم «في كل مكان، من إندونيسيا وماليزيا ونيجيريا والسنغال وباكستان وبنجلادش والهند والصومال والعراق وإيران وليبيا وتونس وسوريا ولبنان وفلسطين والأردن، وفي كل بلاد الدنيا» ليكونوا شهداء في مصر.


    القرضاوي تجاهل أفغانستان، حرصا على ألا يثير ذكرها إخوانيا بريئا حديث العهد بالتنظيم، فيسأل عن مصائر «المجاهدين»، بعد نجاحهم في كسر شوكة الغزو السوفيتي، وكيف صار رموز الجهاد أقرب إلى ملوك الطوائف؟ اقتسموا جغرافيا البلاد، ثم تصارعوا على القسمة، وأصبح القتل عابرا للقارات، وبلغ أمريكا حليفة «المجاهدين»، وقد سهلت في بروكلين افتتاح مركز لمساعدتهم، وكان يديره المهندس المصري مصطفى شلبي الذي استقبل عمر عبد الرحمن حين منحته أمريكا تأشيرة دخول عام 1990، واختلف الرجلان، بسبب بضعة ملايين من الدولارات، أمر عبد الرحمن بإرسالها إلى مصر لتمويل «الجماعة الإسلامية»، ورأى شلبي أن يحصل على موافقة المتبرعين؛ لأنهم دفعوها بهدف مناهضة الاتحاد السوفيتي السابق، فانفعل الشيخ الضرير قائلا: «أنا الأمير الذي يأمرك، وعليك أن تسمع وتطيع»، وفي مارس 1991 عثر على شلبي مقتولا بطعنات نافذة ورصاصة في الرأس. وسجلت الكاتبة الأمريكية ماري آن ويفر في كتابها «صورة لمصر» أنها سألت عبد الرحمن عن المهندس القتيل فأنكر معرفته به.


    القرضاوي تجاهل أيضا أن في فلسطين فريقا يرفع راية الشريعة والشهادة في سبيل الله، قتل مسلمين بإلقائهم من فوق البنايات في غزة، ضمن صراع على السلطة، وبسببه هذا الصراع يتقاتل مسلمون في بضع «دول» عربية، كل منهم يرفع راية الله، تفرق الصومال في عهد «المحاكم الشرعية» شيعا وقبائل وتناسل دولا. أما إيران فتستعد للتنازل عن لافتاتها الدينية، وتنزع عن أمريكا لقب «الشيطان الأكبر» إذا أدت المفاوضات إلى تخفيف حصار دولي يرهق اقتصادها، وإنهاء ملف «حقوقها النووية». إيران والعراق دفعتا إلى ساحة القتال، طوال ثماني سنوات، بنحو مليون نفس بشرية، لا ندري أيهم الشهيد وأيهم القتيل. فكيف يأتي «المجاهدون» من ست عشرة دولة سماها القرضاوي ليجاهدوا في مصر؟ لا أحسب أن في الشريعة بابا عنوانه «الشهادة في سبيل الشرعية»، دفاعا عن استمرار حاكم أصبح مرفوضا شعبيا، وجمع بين الفشل والفتنة بإعلانه، في 15 يونيو 2013، الجهاد في سوريا، عقب قرار باراك أوباما تزويد معارضي بشار الأسد بأسلحة ثقيلة مضادة للطائرات.


    هل يكون «المجاهد» القادم من هذه الدول الست عشرة شهيدا إذا قتله جندي مصري يمارس حقه في الدفاع عن وطنه؟ أم أن هذا «الانتحاري» المسلح بنداء القرضاوي سيكون قد استمع أيضا إلى ملتاث آخر اسمه وجدي غنيم وصف الجيش المصري بأنه «أنجس أجناد الأرض. والله العظيم أنجس وأحقر وأقذر أجناد الأرض»، ودعا إلى السيطرة على مواقع الجيش «وسرقة ما فيها من سلاح على وجه السرعة، وبدء تشكيل جيش مصري حر يسترد الوطن المسلوب بقوة السلاح من عملاء اليهود».


    لن ينتهي مسلسل الدم إلا بالنظر إلى هذه الاجتهادات الفقهية والتفاسير القديمة في سياق عصورها، ثم تبقى هذه الأعمال كتراث شاهد على ماض من العار إنسانيا وأخلاقيا استدعاؤه، وبث الروح فيه، والدعوة إلى استلهامه، بعد أن تجازوه التطور الروحي والفطرة الإنسانية، واستقامة أخلاقية ترفض العودة إلى جرائم السبي، وبيع الرقيق، واقتسام الأنفس كغنائم حرب. لن يخلو الأمر من شماتة عنصري أو طائفي كاره للإسلام ينظر إلى وقائع تاريخية ويلصقها بجوهر الدين، متجاهلا أن ما نراه الآن جرائم ضد الإنسانية كان سمة لتلك العصور، ولم يتورع مؤمنون بكل الأديان عن ارتكابها والتباهي بها. ولكن ما يجعلنا نشعر بالخجل أن بعض رموز السلفية المشوهين إنسانيا مثل الحويني يجعلون من تلك الجرائم مصدرا للفخر، ويرفضون الانخراط في عصر يرفض مصطلحات تاريخية مثل «أهل الذمة»، و«الجزية»، بعد أربعة عشر قرنا على اجتهاد عمر بن الخطاب وإلغائه سهم «المؤلفة قلوبهم» من أموال الزكاة.


    الجهاد الأكبر، في أحد مقاصده، هو التخلي عن كل ما يخلف العقل الذي كرم الله به الإنسان.