الهوس بالاستشهاد.. من زمن الدولة إلى الهياج الداعشي

19/04/2016 - 10:11:31

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

عبد الجليل معالي - كاتب تونسي

   تنظيم "داعش" الذي ازدهر مباشرة إثر اندلاع الثورات العربية في تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن، وكان أحد تعابير حصادها المر، كان ظهوره و"بقاؤه وتمدده" يحمل مفارقات شتى. ظهوره نقيض لروح الثورات وروحيتها. وشعاراته خيانة لشعارات رُددت في الشوارع والميادين. استبداده على الناس كان على أنقاض استبداد حاولت تلك الثورات، جهرا، أن تنهي مفاعيله، وحاولت تجارب أخرى، سرا، أن تتفاداه. كان ظهور تنظيم داعش "خطيئة" طالما رمي به الثوار من خصوم الثوار، مع يقينهم أن الدواعش لم يكونوا يوما شركاء في ثورات أطلقت أياديهم من ربقة المستبدين. المفارقة الأخرى، متصلة بعدد وحجم ومشاركة التونسيين الذين دُجّج بهم التنظيم. مفارقة تنطلق من أن تونس كانت فاتحة الثورات، وتتصل بأن البلد الصغير بني على أرضية حداثية مدنية صلبة حرصَ الحبيب بورقيبة، بتؤدة وإتقان وحرص واستبداد أيضا، على إنشائها وصونها من كل معارض أو خائن أو إخواني، فكانت تونس نموذجا لدولة تباهى "مجاهدها الأكبر" بورقيبة بأن دينها القانون.


    التقارير الأخيرة الحديثة المحدّثة (الوثائق التي نشرتها سكاي نيوز البريطانية مؤخرا) كشفت أن أغلبية العناصر في تنظيم داعش من تونس، هم أقل أو أكثر قليلا من ثلاثة آلاف عنصر. رقم مخيف إذا تحول إلى نسبة قياسا لعدد السكان، وإذا عرفنا أن ذلك العدد يقتصر على الذين "يجاهدون" في البؤر المعروفة (سوريا والعراق وليبيا واليمن) ويكبر العدد حتما إذا أضفنا أولئك الذين ينتظرون الانضمام أو الذين يساندون التنظيم في أساليب إدارته للتوحش.


    المعروف والمتداول أن الثورات العربية أفرزت، من جملة ما أفرزت، نزوعا نحو الأسلمة، ونكوصا وارتدادا مخيفين حتى على النزر القليل من المكاسب في ما يخص إرساء دولة "المواطنة" بدل دولة "الرعية" أو دولة "الأشياء" في صياغات عربية أخرى. والمعروف أيضا أن هذا النزوع إلى الأسلمة كان ترجمة لصعود التيارات الإسلامية إلى السلطة في غير مكان، أو اقترابهم منها وعلوّ منسوب أثرهم (ولو بتفاوت الأقطار) إلا أنّ تأمل الحالة التونسية وفق المفارقة المشار إليها يظل حقيقا بالبحث والمساءلة؛ كيف نفسر ظاهرة الدعوشة في بلد بورقيبة؟ وكيف نفهم الانزياح الكبير من مرحلة "المجاهد الأكبر" (الصفة التي أطلقها بورقيبة على نفسه) إلى زمن الجهاد الداعشي العابر للحدود والفائض على الحيز التونسي الصغير؟


    عندما أطلق الزعيم التونسي الحبيب بورقيبة على نفسه، أو أطلقوا عليه في أواخر الثلاثينيات، لقب "المجاهد الأكبر"، كان الأمر تعبيرا عن التعالي البورقيبي، واختزالا للذات المعتدة بذاتها، وترجمة ستتأكد لاحقا بأن بورقيبة يرى على شاكلة لويس الرابع عشر أن "الدولة هي أنا". لكن، طالما وأن لكل قضية وجوها شتى، فإن صفة المجاهد الأكبر التي احتكرها بورقيبة وفخر بها طوال عقود، كانت أيضا إخراجا لصفة المجاهد والجهاد من حيزها الديني التاريخي إلى فضاءات جديدة.


    الحبيب بورقيبة، العبقري أو المستبد باختلاف منطلقات التقييم، ابتكر تأصيلا جديدا لمفهوم الجهاد، إذ دعا إلى "الجهاد" من أجل بناء البلاد بعد استقلالها وكان يستعمل المفهوم "الديني" داخل قاموس مدني جديد من قبيل "تعميم التعليم"، و"حرية المرأة"، "ومكانة تونس الحديثة بين الأمم"، و"الكفاح من أجل مستقبل أفضل"، و"الحق في التنمية". كان للجهاد بالمفهوم البورقيبي فهم مخصوص، اقتصادي وتنموي وسياسي وثقافي وتعليمي، ولم يكن للملمح الديني أثر فيه، بل إن بورقيبة المعروف بجرأته وإقدامه على السير في الأراضي الملغومة تجاسر على اقتحام مناطق كان يعرف أنها محتكرة من قبل رجال الدين. مجلة الأحوال الشخصية التي كانت إحدى أولى منجزات الرجل، أعلنت في أغسطس 1956 بعد أشهر قليلة من استقلال البلاد (20 مارس 1956) والتي أصّلت وضعا جديدا للمرأة والمجتمع، ومنع بمقتضاها تعدد الزوجات، وسحبت القوامة من الرجل، وجعلت الطلاق بقرار من المحكمة، وكانت عملا قانونيا مدنيا أثار لغطا كبيرا، إلا أن بورقيبة مضى في تطبيقها مستمدا عمقها من أفكار الإصلاحيين التونسيين على غرار الطاهر الحداد صاحب أثر "امرأتنا بين الشريعة والمجتمع" الذي أصدره عام 1930.


    بورقيبة الذي أقر إجبارية التعليم ومجانيته، والذي أكد حقوق المرأة، والذي ألغى الأحباس والأوقاف، وألغى المحاكم الشرعية ووحد القضاء التونسي وفق القوانين الفرنسية حرص على أن ينحت للجهاد مفهوما خاصا به. جدير هنا التذكير بخطابه الشهير المثير للجدل، الذي ألقاه يوم 5 فبراير 1960، والذي عرف بخطاب بورقيبة عن صوم رمضان، والذي قال فيه "إن ديننا دين جميع فروضه قائمة على العقل والمنطق وغاياتها معروفة يتناولها التدريس.. وهي تمرين وتجربة وتطهير. ولكن ما يتعارض منها مع ضرورة الحياة وما تقتضيه الحياة والكفاح من أجل الحياة فإنّها تسقط بطبيعتها ويصبح المسلم في حلّ منها". وأضاف "إن الدين يأمركم أن تقووا على أعدائكم كي لا تبقوا في مؤخرة الأمم، وإذا أردتم أن يكتب الله لكم ثوابا في الدار الآخرة فما عليكم إلاّ أن تعملوا بضع ساعات إضافية خير لكم من صوم لا عمل فيه يدفعكم إلى زيادة التقهقر". المثير في الأمر صدور فتوى من مفتي الديار التونسية، الشيخ محمد العزيز جعيط، بعد أيام قليلة من الخطاب كان عنوانها "الأعذار المبيحة للفطر في رمضان".


    هنا كانت الفكرة والفتوى والأعذار كلها نابعة من التصور البورقيبي لواجب الصيام وعلاقته بواجب العمل، كما "الحاجة للتفرغ لبناء الأمة ونهضتها قبل أداء الفريضة الدينية".


    لسنا هنا في وارد الدفاع عن بورقيبة، فللرجل ما له من مآثر ومنجزات، وما عليه من مثالب وأخطاء، ولسنا بصدد استعراض موقف بورقيبة من المسألة الدينية، وتلك مسألة مشوبة بالبراجماتية البورقيبية إذ ناور بها متى عنَّ له ذلك، ولكننا نسعى إلى تقديم البون الشاسع بين "الجهاد" البورقيبي الذي أنتج دولة، و"الجهاد" الداعشي الذي يهدمُ دولا وحضارات.


    سئل بورقيبة عن سبب عدائه للإسلاميين، فقال "ليست لي مشكلة مع الإسلاميين ولكن بيني وبينهم 14 قرنا". المسافة الزمنية التي تفصل بورقيبة عن الإسلاميين والإخوان وما جاورهم، اختزلت بسرعة إثر لحظة 14 يناير 2011. في البداية كان ظهور زمرة من السلفيين يحملون أعلاما صادما للناس، لكن "بركات" وصول حزب النهضة إلى الحكم على خلفية انتخابات 23 أكتوبر 2011 حوّلت الأمر بالتدريج إلى ما يشبه الأمر المعتاد. وصول النهضة إلى الحكم، وترديد قادتها لمقولات من قبيل "استعادة البلاد لهويتها"، و"عودة الإسلام إلى تونس" و"مقامة المد التغريبي البورقيبي" وغيرها، التقت مع تأثر شباب تونسي نصف متعلم، بالأطروحات السلفية (بمختلف مدارسها العلمية والجهادية والجامية وغيرها) وذيوع شعار "اسمعوا منا ولا تسمعوا عنا" الذي كان يتداول كثيرا في تلك المرحلة، وكان ضربا من مغازلة التونسيين للتدليل على أنهم أكثر وداعة وسلمية مما يروّج عنهم.


    حذّر الشهيد شكري بلعيد آنذاك الحكومة المنتصبة في تونس، من وجود معسكرات تدريب جهادية في جبال الشعانبي، فقوبل تحذيره بعاصفة من الرفض والاستهجان، وقيل عنه إنه يصطاد في الماء العكر ويستعمل الإرهاب فزاعة، بل قال مسؤول تونسي رفيع إن هؤلاء "يمارسون الرياضة". وعزز راشد الغنوشي ذلك بالقول بأن "هؤلاء شبابنا الذين يبشرون بثقافة جديدة" وهم يذكّرونه بشبابه.


    التقى الفكر السلفي الوافد من الكتب القديمة وثقافة الكاسيت، مع رغبة سياسية رسمية بتوظيف الشباب السلفي المندفع وتحويله إلى خزان انتخابي سيفيد لاحقا، كما تم الترخيص لـ"حزب" غير سياسي بممارسة السياسة بغير قواعد السياسة، هو حزب التحرير الذي يعتبر الديمقراطية كفرا وينادي علنا بمقاومة الديمقراطية التي أتاحت له أن يعقد اجتماعاته وخيمه الدعوية. لكن سعي حركة النهضة إلى الاستفادة من السلفيين في المعارك السياسية القادمة، كان يوحي بأن الأمر أخطر ممّا يسوّق إليه، ليس في الأمر رهان سياسي فقط، طالما أن هؤلاء (السلفية والتحرير) لا يعترفون بالسياسة بقواعد السياسة، ولا يؤمنون بالديمقراطية ولا بالدولة، ولا نعتقد أن المراهنين كانوا يجهلون ذلك حين كانوا يدافعون عن فكرة جلب هؤلاء إلى مربع الفعل السياسي وهم لا شك سيُصلحون (هكذا قالوا يومئذ) وإنما الأخطر والأعمق أنه لا اختلاف بين النهضة والسلفيين والتحرير إلا في الشكل الخارجي، طالما أنهم ينهلون من ذات المنهل ومن نفس الأدبيات.


    "الهوس بالاستشهاد" في الرقة أو في الموصل أو في سرت أو في بن قردان أو في سواها، هو هوس يستحق أن يُخضع للدرس بمعايير علم الاجتماع وعلم النفس وبقية التخصصات الاجتماعية، لكنه أيضا كان بديلا مرّا عن "جهاد" كرّسه بورقيبة ذات عقود من بناء الدولة وأثمر دولة كان بانيها يحاول أن يكون دينها القانون. دولة صمدت، بمؤسساتها ومجتمعها المدني وثقافتها وتعليمها، حتى أقلعت طائرة زين العابدين بن علي مساء 14 يناير 2011.


    هوس الاستشهاد و"القتل في سبيل الله" كان نتيجة موضوعية لتعاقب ثغرات تركها بورقيبة في بناء دولته (كان أيضا رئيسا مدى الحياة وكان صدره يضيق بمعارضيه)، وللارتجال في حكم زين العابدين القادم من ميادين المدارس الأمنية والذي سلم البلاد إلى حكم عائلي كان عادلا في توزيع القمع، وأيضا لأخونة استعجلت السطو على الثورة وتصرفت بمنطلقات الفاتحين الجدد لبلاد أخرجها "بورقيبة من ملة الإسلام".


    حينما يسود القانون ودولة المواطنة التي تسمح للجميع بأن ينظروا إلى السماء كما يشاؤون سيختفي هؤلاء وسينجلي الهوس بالقتل باسم الله.. وقبل ذلك، وفي انتظار ذلك، ثمة أثمان وجب أن ندفعها؛ شهداء من الشعب والأمن والجيش، طالما تحولت الدولة إلى عدو والعاملون في إطارها إلى "طواغيت" والمفكرون إلى "كفار".