عن التباس مفهوم الاستشهاد .. فيلم « الجنة الآن » نموذجا

19/04/2016 - 10:10:50

صورة من الجنة الان صورة من الجنة الان

أحمد يوسف - ناقد سينمائي مصري

يبدو من السهل أحيانا إصدار الأحكام حول قضية ما، إذا ما نظرت إليها من خلال منظور واحد، منظور يتبنى أيديولوجية معينة أو ينكرها، لذلك قد يكون الأقرب إلى موقف كاتب هذه السطور هو أن الاستشهاد يتم تصويره عادة من خلال منظور ديني، باعتباره من وسائل "الجهاد"، التي تعطي وعدا لمن يضحي بنفسه في عملية انتحارية بجنة موعودة، فيها من الجواري الحسان ما لا عين رأت، مع الاستفاضة في وصفهن على نحو حسي وشهواني. ومن المؤكد أن هذا الوعد المؤجل بحياة أخرى يعكس في الأغلب حرمانا من تلك المتع في حياتنا الدنيوية، أو هو في بعض الأحيان رغبة في التطهر من حياة غلب عليها المجون.


  من هذه الرؤية تكون الرغبة في الاستشهاد، والقيام بعملية انتحارية يتم فيها الإنهاء العمدي لأكبر معجزة إلهية، وهي الحياة، تكون تعبيرا عن حالة نفسية مرضية وإن لم تكن واضحة للعيان، حالة من عدم القدرة على التعامل مع الواقع، فيكون الحل هو إلغاء الذات والواقع معا. من جانب آخر، لا يمكن أيضا إنكار أن الاستشهاد يعبر عن أقصى حالات التضحية، من أجل قضية أسمى، ولقد كان اقتياد المسيح إلى الصليب نوعا من الاستشهاد، الذي يعتبره المناضلون أوضح تعبير ديني عن مقاومة الظلم والطغيان، دون التمسح برغبات حسية ومادية عما ينتظر الشهيد من المتع في الحياة الأخرى.


 لذلك ليست هناك في رأيي رؤية واحدة وصارمة حول قضية الاستشهاد، إذ يجب في كل الحالات وضعها في سياقها، الذي يختلف من واقع إلى آخر. لكن فيلما مثل فيلم "الجنة الآن" (2005)، الفلسطيني الفرنسي الألماني الهولندي الإسرائيلي المشترك، يضع نفسه بوضوح إلى جانب الرأي القائل بأن الاستشهاد، والعمليات الانتحارية، ليست إلا وسيلة "غير حضارية" للتعامل مع القضايا السياسية، وهو في عنوانه "الجنة الآن" يشير إلى أن من الممكن إقامة الجنة الموعودة "الآن"، دون أية تصورات مبهمة عن متع الحياة الأخرى.


 ولنكن صرحاء من البداية، فالفيلم يحاول أن يروج لفكرة التعامل مع العدو الإسرائيلي بشكل مختلف عن وسائل العمليات الانتحارية، وهو بذلك يغازل العالم "المتحضر"، ولست أعارض هذه الفكرة بشكل مطلق، لولا أنه يبقى سؤال جوهري: إن كان من المطلوب والممكن إقامة "الجنة الآن"، فأين يمكن إقامتها"؟ وكيف؟ لكنك لن تجد في الفيلم إجابة واضحة، سوى جمل بلاغية لا تغير من الواقع شيئا، ولكنها فيما يبدو تستجدي العدو أن يكف عن عدوانه، ويوافق على شكل مختلف من أشكال الحوار.


 وهنا لا نجد مفرا من أن نعرج قليلا إلى السياسة، فهل نسينا أن هناك شيئا اسمه "المبادرة العربية"، التي تقترح عقد اتفاقية سلام بين إسرائيل و"جميع" الدول العربية، بشرط إقامة دولة فلسطينية؟ إن كنا قد نسينا فلأن إسرائيل لم تعر المبادرة التفاتا بعد طرحها منذ سنوات، وقل لي بالله عليك ما الذي يدفعها إلى القبول بينما الواقع السياسي العربي الراهن على هذا القدر من الهوان والتشرذم؟


 كما لا أجد مفرا من مقارنة "الجنة الآن" الذي يأتي في عصر ما بعد الحداثة، والنظام العالمي الجديد (هو قديم وإن اكتسى غطاء جديدا)، مع فيلم إيطالي من تلك الفترة الثورية التي اجتاحت العالم في السبعينيات، فأوجه الشبه بينهما أعمق مما نتصور، لكن أوجه الاختلاف أكثر عمقا. إنه فيلم "ساكو وفانزيتي" (1971)، للمخرج جوليانو مونتالدو، والذي يحكي قصة حقيقية من تاريخ الحركة الفوضوية في أمريكا، عن اثنين من العمال الإيطاليين المهاجرين، أحدهما هو "فانزيتي" الأيديولوجي قوي البنية، والآخر "ساكو" المتردد ذو الجسم الهزيل، وهما يتعرضان للاعتقال والتعذيب للاعتراف بجريمة "إرهابية" عمالية يتهمان فيها ظلما، وتريد السلطات أن تجعلهما عبرة للعمال الآخرين، لينتهي الفيلم إلى تخاذل الأول بينما يزداد صمود الثاني، حتى لو كان الثمن استشهادهما بالحكم عليهما بالإعدام، فقد ازداد إيمان ساكو بعدالة قضيته، التي يهون من أجلها التضحية بنفسه.


 هذان هما بشكل ما بطلا فيلم "الجنة الآن" لهاني أبو أسعد، اللذان يكلفان بمهمة "انتحارية"، فإذا بالبطل الشجاع يتراجع، لكن البطل المهتز يزداد تصميمه على تنفيذ المهمة. في قلب الفيلم تدور الأحداث وجودا وعدما حول جدوى العمليات الانتحارية، لكن هل عرض الفيلم هذه القضية بالموضوعية – ولا نقول الحيادية – المفترض أن تتجسد في الشخصيات التي نراها على الشاشة؟ يقول الفيلم إنه يدور في مدينة الخليل، ويا لهول ما يحدث في هذه المدينة المناضلة منذ عام 1967 (وكانت تشهد أحداثا مفجعة في زمن عرض الفيلم)، لكننا نراها على الشاشة مدينة هادئة لا يعكر صفوها إلا بعض نقاط التفتيش التي تذكرك في غلظتها بلجان المرور عندنا، ويكفي لكي تغيظ الجنود الإسرائيليين في هذه النقاط أن تفعل مثل البطلة، التي تحشو حقيبتها بملابس تشكل ألوانها العلم الفلسطيني!!


  وفي حدوتة الفيلم لن تعرف على وجه اليقين ما هو دافع البطل المقدام للاستشهاد، أما الثاني المتردد فسوف تكتشف أن دافعه أقرب إلى التطهير النفسي، فهو يريد أن يمحو عار أبيه الذي "أعدمه" الفلسطينيون لتعاونه مع سلطات الاحتلال. وبينما لا ترى من الاحتلال وجهه الحقيقي، فإن الفيلم يركز على الجماعة التي تدبر البطلين للمهمة الانتحارية، في مشاهد تبدو "فولكلورية" بالنسبة للمتفرج الغربي، ومثيرة للسخرية بالنسبة للمتفرج العربي. إن مهمتهم إعداد البطلين للاستشهاد في مشاهد تجعلهم أقرب إلى الوحوش التي لا قلوب لها، يدفعون الآخرين إلى الموت بينما يبقون هم على قيد الحياة. وأرجو أن تتأمل عملية تصوير رسالة الاستشهادي إلى أهله، فالكاميرا تتوقف عن العمل مرة بعد أخرى، ليطلبوا من هذا الانتحاري أن يعيد ما قاله، وهم منهمكون في التهام الشطائر واقتسام السجائر، وانصرافهم أحيانا عن "البطل" الذي يأخذ الأمر وحده على محمل الجد والتقديس.


 قد يكون مفهوما ما أراده صناع الفيلم هنا، من التأكيد على أن في خلفية هذه العمليات الاستشهادية أناسا لا يعبأون بمصائر ضحاياهم الذين يصدقون دعاواهم بالجنة الموعودة، لكن هل من الممكن أن يتم الأمر بهذه الاستهانة المفرطة؟ وهل تعني في التحليل الأخير أن هذا النوع من العمليات الانتحارية عبث كامل؟ سوف يجيب الفيلم عن هذه الأسئلة من خلال شخصية الفتاة الفلسطينية المغتربة، التي تؤكد أن "الجنة الآن" وليست بعد الموت، الجنة التي نحققها على الأرض، وأنه لا بد من طريق آخر غير العمليات الاستشهادية لمقاومة الاحتلال.


 هنا تصبح مناقشة القضية مجردة تماما من أي سياق، ومرة أخرى نؤكد أننا نوافق تماما على أن فكرة الاستشهاد، باعتبارها جهادا دينيا سوف يكافأ المرء عليه بالحور العين، هذه الفكرة مضللة تماما، إذ يمكن بها أن تقود السذج والمحرومين لارتكاب هذه العمليات، أيا كان الهدف والضحية. لكن الأمر يختلف في سياق القضية الفلسطينية وغيرها من القضايا المشابهة، فإذا كان طرق البحث عن "الجنة الآن" تمر عبر أوسلو أو كامب ديفيد أو غيرها من المؤتمرات المزعومة المبتورة، فإن ما يبقى لدى قطاع لا يستهان به من المناضلين الفلسطينيين هو أن الحياة كما هي "الآن" لا يمكن تحملها، وأن الموت أهون منها.


 والحقيقة أن الفيلم يبدو اعتذارا للعالم عن عمليات استشهادية، بينما يتجاهل من يموتون كل يوم برصاصات الاحتلال، ناهيك عن أن هذه العمليات ليست بأي حال مقتصرة على الفلسطينيين أو المسلمين كما يصور الإعلام الغربي، فماذا عن اليابانيين والتاميل وبادرماينهوف والألوية الحمراء وجبهات التحرير الأيرلندية أو الباسكية؟ بل ماذا عن التفجيرات التي دبرها الصهاينة أنفسهم في بداية الخمسينيات وسط دوائر اليهود في مصر والعراق، لدفعهم إلى الهجرة إلى فلسطين؟


 وإذا كانت شعارات "الجهاد المقدس" المزعوم، والاستشهاد من أجل حور الجنة، قد رفعت في الآونة الأخيرة بشكل وحشي في العالم الإسلامي والعربي، فلا ينبغي أن ننسى أن الغرب ساهم بقدر كبير في ذلك، وما يزال. و"الجنة الآن" ليست أبدا هي شواطئ تل أبيب كما ظهرت في الفيلم، وقد احتشدت بالإسرائيليات في "المايوه البيكيني"، الجنة هي وطن يعيش فيه الإنسان حياة كريمة بحق، غير خائف من غد قد يحمل له ألف كارثة صغيرة أو كبيرة، سواء من بطش العدو الخارجي أو ظلم السلطة الداخلية، عندئذ فقط يمكن لنا أن نقول أننا في طريق تحقيق ليس فقط "الجنة الآن"، ولكن "الجنة هنا" أيضا.