أحلام المثقف في زمن الميلشيات .. مكابدات وتحولات المثقف اليمني نموذجا

19/04/2016 - 10:10:04

ميليشيات الحوثى ميليشيات الحوثى

فتحي أبو النصر - كاتب يمني

   في خضم الصراعات المعقدة القائمة في اليمن اليوم، يحاول المثقف اليمني جاهدا الانحياز إلى ما يمثل جامعا وطنيا والتموضع داخل حلم المدنية والمواطنة. صحيحٌ أن الوجود الاغترابي على رأس أزمات المثقف اليمني حاليا، وقد صارت تحاصره الهويات المناطقية والمذهبية، لتجعل وعي الدولة يتراجع إلى الهامش، بينما يقفز وعي العصبويات إلى المتن في أولويات عديد مثقفين، إلا أن الصورة مازالت فاعلة بالنسبة للمثقف الحداثي الوطني اليمني الذي لا يرضخ للثقافة العنفية المسيطرة، ومكاسب الجماعات المغلقة. لكن الصادم هم أولئك المثقفين الذين يمارسون الانتقال من الضد إلى الضد، بينما يستنهضون التبرير والوعي الزائف، إذ يبررون اجتثاث خصومهم بكل أريحية وانفصام واستخفاف، وقد كانوا إلى قبل أعوام قليلة مثلا يطالبون بالتسامح والشراكة والمصالحة والسلام!


شروط الواقع القاسية والمتخلفة!


    إن التحولات العميقة التي وصلت إلى أعلى تمظهراتها خلال الثلاثة أعوام الأخيرة في اليمن، كشفت مقدار الحساسيات الطائفية والعصبوية التي يزخر بها المثقف اليمني للأسف. والحال أن شروط الواقع القاسية والمتخلفة قد جعلت كثير مثقفين في حالة خصومة مع القيم التي كانوا ينادون بها وأبرزها قيم الحداثة والتشبث بمحمولات قيم الأرض والوحدة والإبداع الوطني اللائق.


    فمثلا شاعر قصيدة نثر كان من أبرز المناضلين من أجل الحقوق والحريات والدمقرطة، تحول إلى داعية لحق "الولاية"، مناصرا من اختارهم الله – حسب رؤيته - لتحمل مسؤولية الأمة كسلالة مقدسة!


    كما أن مفكرا وحدويا ماركسيا علميا كبيرا، أصبح شوفينيا مخبولا ينتج الضجيج الجهوي ولا يجلب سوى الهزء جراء انفصاماته المهولة. كذلك في السياق تحول أحد الأكاديميين التنويريين - وكانت إحدى الجماعات الأصولية قد كفرته قبل ثلاثين عاما - إلى أبرز المنظرين لها، لمجرد أنها تعادي من يختلف معهم مذهبيا الآن!


    وأما مفاهيم مثل النهضة والتقدم، فقد صارت "لا تؤكل عيشا" كما "لا تؤمن مستقبل الأولاد"، ما أفضى إلى احتقارها من قبل عديد مثقفين بالمقابل. غير أن كل هذا الانحدار بالطبع لا يعني عدم وجود مثقفين عصاة على الإخضاع، بل العكس.  إلا أن الفعل السلبي لعدد كبير من المثقفين اليمنيين يكمن في أنهم بلا موقف حاسم ومبدئي من أمراض مجتمعهم اللاوطنية، لتكون النتيجة: مثقفون بنكسات مخزية، وبوجوه بلا ماء، إذا جاز التعبير.


     هناك بالطبع نماذج إيجابية مشرفة من المثقفين لا ينكسرون أو يمارسون المداهنة والانحناء، كما لا يجعلون حسهم الثقافي رهنا لإملاءات الانتهازية ومصالحها ذات الأمراض ما قبل الوطنية. وبشأن المثقف الطائفي يعلق الكاتب أيمن نبيل: بالقول "أن يكون المتدين طائفيا فهذا أمر مفهوم وبالإمكان تحليل أبعاده وتبريره - وليس القبول به - بالإشارة إلى فشل الدولة وعدم تشكل هوية وطنية والجهل والتجهيل... إلخ، ولكن المثقف الطائفي لا يسمح لك حتى بتبرير موقفه، فهو من يفترض به أن يشارك بعملية بلورة للهوية الوطنية، ثم إنه متحرر من عوامل الجهل والتجهيل وكذلك مسألة الحماسة الدينية، ولا يبقى أمام الباحث لتفسير تركيبة هذا المثقف إلا القول بأنه عصبوي في أكثر التقديرات تسامحا أو أنه انتهازي يصطف مع جماعة طائفية ويتبنى تصوراتها ويدافع عن مصالحها لأن مصلحته الذاتية معها، وبكلا التفسيرين لا نخلص إلا إلى نتيجة واحدة وهي أن المثقف العلماني الطائفي كائن منحط بالضرورة".


    بالتأكيد؛ فإنه مع شيوع مختلف الأنمطة الشوهاء والمأزومة في إدارة الدولة والمجتمع، وصولا إلى الحرب الأهلية، كان من الطبيعي أن نشهد انهيارات فادحة لمثقفين يمنيين، فضلوا الاستسلام لمحمولات هوياتهم البدائية ومشاركة سحق أحلام المشروع الوطني الكبير، واعتبار الجماعة هي الوطن، مع شرعنة انحرافها وتكريس مظاهر المثقف الانتهازي والمستلب!


    لذلك تتفاقم محنة المثقف المدني المنحاز لفكرة التعايش المشترك وخدمة المصالح الوطنية العامة، خلافا للذين تقوقعوا في تنمية المصالح الخاصة لهم ولجماعاتهم، باعتبارهم النوع المغشوش من المثقفين الذين تنحصر مهمتهم في إعادة إنتاج المشاريع الصغيرة والمغلقة، آملين بالحماية الاجتماعية والسياسية التي يوفرها لهم هذا الانحياز الرث!


    والشاهد أن التحولات الحاصلة قد عرت الكثير من النخب، كما جعلت البقية في حالة اختبار كبيرة، ما يستدعي منها تبيان موقفها من ظواهر العنف وتطييف الصراع السياسي بكل وضوح وبلا مراوغات.


مثقفون سقطوا في الخيانة والتبرير!


    يمكن القول إنه ما بين عامي 2011 و2015 تعرت المستويات النفسية والمعرفية والوطنية للمثقف اليمني بشكل لا مثيل له.


    وبحسب الشاعر زكي شمسان، فإن الهوة التي تفصل بين الشعار والممارسة "هي أكثر اتساعا في مجتمعاتنا عنها في المجتمعات المتقدمة، لأسباب قد تتعلق بعلو النبرة الشعاراتية التي هي جزء من البنية النفسية لمجتمعاتنا؛ كما قد تتعلق بعوامل أخرى ذات طابع واقعي معيشي قد يقف حائلا أمام تضييق أو تجسير هذه الهوة". يرى زكي أيضا أن "الأحداث بين 2011 و2015 كشفت كيف أن الجموع بالغت في تقديراتها، وسمحت لقوى الماضي الظلامية باستخدام زخمها وحراكها وتطلعاتها النبيلة للالتفاف على المستقبل المنشود".


    ويستطرد: "المثقف، في حالات كثيرة، لم يكن استثناء. فإذا كانت جموع البسطاء قد وقعت بشكل أو بآخر ضحية احتيال سياسي؛ فإن بعض المثقفين الذين سقطوا في منزلق التواطؤ كانوا يدركون تماما حدود الدور الذي لعبوه، لكنهم قايضوا هذا السقوط بمكاسب فردية ذات طابع سياسي أو مادي، وفي نهاية الأمر، يظل المثقف اليمني متورطا إلى حد ما في ارتباطات هوياتية ذات طابع مناطقي أو طائفي أو مذهبي تجره إلى الأسفل رغم علو الخطاب الذي قد يتبناه؛ كما أن هذه الارتباطات قد توفر له ساترا سببيا يختبئ خلفه ويبرر لتقلباته".


    إلا أن زكي يستدرك: "أتفق تماما مع الطرح الذي يفترض أن المثقفين هم الأقدر على الخيانة بحكم كفاءتهم في التبرير لهذه الخيانات، لكن التغيرات الدراماتيكية الأخيرة وسرعة تعاقبها كانت مربكة وكاشفة لدرجة سمحت لنا برؤية أكثر من قناع يلبسه وجه واحد".


    من هذا المنطلق يتبع جملة من مثقفي اليمن، بمنتهى اليأس والأمل صوت اليمن المتكوم في أعماقهم، منذ اندلاع أحلام الثورة الشبابية الشعبية السلمية بدولة مدنية حديثة. فالحرب التي كان يسمع بها اليمنيون في العراق وسوريا وليبيا، صارت هي المحرك الأساسي لحياتهم، ولمماتهم أيضا.


    لكن متى سيتمكن اليمن من بلوغ نقطة معقولة من الاستقرار، بعد أن انتقلت الحياة العامة إلى التفاصيل الحربية والتداعيات الطائفية، وأصبحت المعارك والصراعات هي المصير الدرامي لليمنيين حتى اللحظة؟ بلا شك سيستمر ذلك السؤال ناشبا كالمخرز في عيون كل المثقفين اليمنيين المتسقين مع حلم الدولة المدنية الحديثة.


الحاجة لثقافة حياة لا لسحابة موت قاتمة!


    واضحٌ أن الواقع يقيد مسعى اليمنيين الوطني الجامع - وعلى رأسهم المثقفون بالضرورة - بين كماشة رهيبة وقاسية تماما. فثمة تجاذبات ومصالح ملوثة أفرزت مشاريع ما قبل وطنية. بينما يبقى من المهم التذكير بأن المثقفين اليمنيين كغيرهم في غالب دول التسلط العربية بلا حماية جراء مواقفهم الحرة، بقدر ما هم عرضة للإرهاب وللتخوين دائما.


    يرى الروائي جمال حسن أن "اليمني هو الوحيد في هذه الحروب إذ لا أحد يقف معه، مصالح أشخاص ودول تتحدث فقط، وهناك دم يمني يراق سيقودنا إلى مصير مجهول". ويوضح: "أتمنى أن تتراجع الأطراف السياسية وتقدم تنازلات من أجل الوصول إلى حل حقيقي، وليس أنصاف حلول، فالمجتمع ينقسم وتتكاثر الضغينة والكراهية بلا حدود، ورم سرطاني لن تزيله الحروب بقدر تضخيمه. ولذا أتمنى أن تتوقف، لكن متى كان بإمكان الأمنيات إيقاف الكوارث، فالحوثي بالتأكيد يستطيع التنازل قليلا من أجل اليمن، كما يمكن لصالح فعل ذلك إن كان لديه قليل من المسؤولية تجاه هذا البلد، هذا البلد الذي منحهما أكثر مما يستحقانه بكثير. فاليمن يحتاج إلى ثقافة حياة وليس إلى سحابة موت قاتمة يحملها طفل أرعن".


    المثقفون عموما هم ورثة أحوال الواقع، مع أنهم من يجب أن ينتفضوا عليه ويقودوه للتطور، ذلك قدرهم "العضوي والانشقاقي". والأرجح أن المثقف اليمني يعيش أسوأ ارتطامات أحلامه حاليا، أحلام السيادة والمواطنة والقانون والتحديث. ثم إنه زمن الميليشيات، زمن التدخلات الخارجية، زمن التشظيات الذاتية والمجتمعية بشدة، زمن انهيار القيم الوطنية الكبرى.


    وفي حين يحاول الفنان التشكيلي عاد يونس أن يتخيل "جمال اليمن بدون سلاح ولا حروب ولا مراكز قوى تعيق التطور". إلا أنه سرعان ما يستدرك: "سأظل أؤمن بأن هذه الحرب المتأججة لا يشجعها سوى المثقفين الفاسدين والطائفيين فقط".


    وحسب الشاعر فارس العليي فإن "كل شيء يتداعى الآن ويعمل الإعلام الطائفي والمناطقي ما قبل الوطني وما قبل الإنساني على تحريضنا على الجنون والموت". ويشرح العليي: "صار موت الضحية المعرف طائفيا ومناطقيا وسياسيا كمصطلح جديد يتخذ شكلا لم يعرفه اليمنيون من قبل، بينما يفترض أن يكون السؤال عن الضحية كيف مات، أي عن الطريقة، إلا أننا أصبحنا نضيف له أسئلة كثيرة فنسأل عن الجهة التي ينتمي إليها الضحية والجغرافيا التي يعيش فيها، كما نضيف أسئلة أخرى تصبح أكثر إيلاما، للهوية الوطنية، ثم ما تلبث الأسئلة أن تنتهي، حتى نفقد الدهشة والألم والتأسف على الضحية، بل نسخر منها إذا شعرنا أنها لا تنتمي إلى القضية التي كنا نريده أن يموت في سبيلها، وكأننا موزعو الصكوك".


    في هذا السياق يجزم القاص والمترجم مصطفى ناجي بأن "أفضل سبيل للخروج من حمام الدم هذا وتفادي الأسوأ، هو المراجعة الجادة لما أقدمنا على فعله في ظل صراعنا السياسي والثقافي". وبمرارة حادة يضيف: "علينا ألا نتحول جميعا إلى قتلة، علينا أن نحول دون المزيد من القتلى وبالتالي المزيد من القتل، علينا أن نقر بأن الحاصل هو نتيجة أعمالنا، ما لم، فإننا نغذي القتل والقتل المضاد بالمشروعية الزائفة والنتيجة دماء وهدر للحياة وتدمير لمستقبلنا، علينا أن نستعيد ترتيب أولويات مقدساتنا بأن يتصدرها الإنسان، الإنسان اليمني بلا منازع كيفما كان انتماؤه المذهبي أو منطقته أو حزبه".


    لعل ما سبق باختصار شديد يمثل صورة مكثفة عن مكابدات أحلام المثقف اليمني في زمن الميلشيات.. الزمن الفظيع بتداعياته الأشد كارثية على الوجدان والموقف في وقت واحد للأسف.