الغياب المتبادل بين الفن والجماهير

19/04/2016 - 10:09:24

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

طارق المهدوي - كاتب مصري

    يحلق الفن عاليا عبر أربعة امتدادات إنسانية متداخلة فيما بينها أفقيا ورأسيا هي الإبداع والتطبيق والوعي والتذوق وذلك على النحو التالي:


أولا: الإبداع


    ويسمى أيضا بالفنون الجميلة أو الفنون الجمالية وهو يضم المجموعات الفنية الأساسية الثلاث الآتية:


1 – الفنون التعبيرية التي تشمل فيما تشمله الكلام المبرمج سواء بشكله المكتوب أو بأشكال ما قبل الكتابة كالخطابة أو بأشكال ما بعد الكتابة كالإلقاء الدرامي، وهي تسعى للتأثير الجمالي على المتلقي من المدخل السمعي، عبر مختلف استخدامات أبجدية اللغة واللهجة ونبرة النطق وحركات القطع بين الحروف والكلمات والعبارات مع مهارات تفخيم وحذف وإضافة مصطلحات بعينها وتكرار وتوزيع بعض التنويعات اللفظية المتشابهة أو المتعاكسة وغيرها.


2 – الفنون التشكيلية التي تشمل فيما تشمله التعديل المبرمج للأشياء والخامات المعدنية والحجرية والخشبية والزجاجية والجلدية والورقية الموجودة أصلا في الطبيعة عبر تفكيكها وإعادة تركيبها وخلطها بأشكال جديدة، وهي تسعى للتأثير الجمالي على المتلقي من المدخل البصري، عبر مختلف استخدامات الألوان والأبعاد والخلفيات ومساحات الكتلة والفراغ مع مهارات الدمج والفصل والتماس بينها داخل اللوحات والجداريات وتكوينات النحت والحفر والتجميع وغيرها.


3 – الفنون الموسيقية التي تشمل فيما تشمله التحديد الزمني المبرمج لمدد الصمت ومدد ودرجات وأنواع الأصوات سواء كانت وترية أو نفخية أو إيقاعية أو كلها معا، وهي تسعى للتأثير الجمالي على المتلقي من المدخل السمعي، عبر مختلف استخدامات تسكين وتحريك الحروف الموسيقية على السلم والنوتة ومقياس التون والنقرة مع مهارات الانتقال بين المدد الزمنية الصامتة والمدد الزمنية التي تستخدمها آلات الوتريات أو النفخ أو الإيقاع سواء في عزف منفرد أو ثنائي أو جماعي.


    وتتفق المجموعات الإبداعية الثلاث التعبيرية والتشكيلية والموسيقية على ضرورة أن يكون لكل قطعة منها فكرة واحدة أو بعض الأفكار المتناغمة مع صورة واحدة أو بعض الصور المنسجمة سواء كانت تلك الأفكار والصور مستقرة أو شبه مستقرة داخل ذهن الفنان المبدع، الذي يبتكر باستخدام موهبته وعقله وخبراته عدة حلول لضمان أفضل استيعاب ممكن لأفكاره داخل الصور ولضمان وصول صوره بما تحمله من أفكار إلى أوسع نطاق ممكن من المتلقين، ولضمان إضافة كل الإيجابيات والتحسينات الجمالية المشجعة والجاذبة للمتلقين مع إزالة كل السلبيات والتعارضات والتناقضات التي يمكن لها عرقلة وصول صوره وأفكاره إلى المتلقين، لاسيما وأن الفكرة قد تواتي الفنان المبدع أولا في تجريدها الإدراكي المحسوس فيظل يبحث طويلا عن الصورة الأنسب للتعبير عنها، كما أن الصورة قد تأتيه أولا في شكلها المرئي الملموس فيظل يبحث طويلا عما عساها تستوعبه داخلها من دلالات فكرية، علما بأن هناك إبداعات تجمع في طياتها بين ملامح أكثر من مجموعة فنون جميلة واحدة كالغناء الذي يضم المجموعتين التعبيرية والموسيقية وكالتمثيل الذي يضم المجموعات الثلاث التعبيرية والتشكيلية والموسيقية معا، كما أن هناك إبداعات تجمع في طياتها بين ملامح بعض مجموعات الفنون الجميلة مع بعض الأنشطة الإنسانية الأخرى كإبداع الفكر الذي يضم بكل أنواعه خليطا من الرؤية الفلسفية والتحليل المنطقي والاستشراف المستقبلي مع الفن التعبيري، وكإبداع الرقص الذي يضم بكل أنواعه خليطا من الحركات الرياضية والليونة الجسدية والإيحاءات الغرامية مع الفن الموسيقي، وتكمن المفارقة هنا في حصول إبداعات إنسانية بعينها كالغناء والتمثيل والرقص على متابعات جماهيرية واسعة مقابل متابعات جماهيرية محدودة لإبداعات أخرى كالتعبير والتشكيل والموسيقى، أما الإبداع الفكري فهو كان ومازال يعاني من الحصار باعتباره النشاط الإنساني النخبوي الأبعد واقعيا عن الجماهير رغم أنه الأقرب افتراضيا منها!!


ثانيا: التطبيق


    ويسمى أيضا بالفنون التطبيقية أو الفنون الهندسية وهو يختص حصريا بالتصميم والتخطيط والطلاء والزخرفة مع إضافة كل اللمسات الفنية المتاحة عبر كافة المداخل البصرية لتجميل جميع تفاصيل استخدامات الحياة اليومية، التي تشمل فيما تشمله العمارة الخارجية للمباني وديكوراتها الداخلية ومحتوياتها من أثاثات ومفروشات وأجهزة ومعدات إلى جانب الملابس والحلي والمشغولات والإكسسوارات وأدوات التجميل بالإضافة إلى الإعلانات والمطبوعات التجارية وأغلفة الكتب وخطوط الكتابة وما شابه، وتحظى الفنون التطبيقية الهندسية بمتابعات جماهيرية واسعة جدا من الناحية الكمية لارتباطها بكل تفاصيل الحياة اليومية المباشرة للجماهير، لكن مشكلتها الأساسية تكمن في تذبذب المستويات الفنية الكيفية للمتابعات الجماهيرية رقيا وتدنيا حسب الزمان والمكان، حيث يخضع مستوى تلك المتابعات لنتيجة التأثيرات التفاعلية المتبادلة بين الفنون الجميلة من جهة والفنون التطبيقية من الجهة الأخرى، بالنظر إلى اعتبارين اثنين هما مدى وكيفية استيعاب مختلف أفكار وصور وحلول ومهارات الفنون الجميلة من قبل مصممي ومنفذي الفنون التطبيقية، ومدى وكيفية الوعي والتذوق الأصلي تجاه إبداعات الفنون الجميلة لدى الجماهير المستهدفين كمستهلكين نهائيين لمنتجات الفنون التطبيقية النهائية!!.


ثالثا: الوعي


    ويسمى أيضا بالنقد الفني وأحيانا النقد الأدبي عند تناوله لمجموعة الفنون التعبيرية وهو مجرد وسيط افتراضي بين الفنان مبدع الفنون الجميلة وجماهير المتلقين حيث يتولى النقد استقبال العمل الفني ومعاملته بشكل احترافي يفترض فيه الحياد العلمي، وتبدأ وظيفة الناقد بتعريف العمل الفني عبر فحصه بحثا عن مقادير توافر الشروط والقواعد الأكاديمية المجهزة سلفا ومدى اكتمالها فيه، مع تبويبه لتصنيفه من حيث انتمائه إلى أية مدرسة فنية تقليدية أو حديثة أو تجريبية وتحديد مدى انطباق قوالب تلك المدرسة عليه، ثم يقوم الناقد بشرح العمل الفني وتوضيح مختلف أبعاده الشكلية والموضوعية والبنائية والوظيفية عبر تأويله ومقارنته بأعمال أخرى قديمة أو حديثة تشبهه، مع استحضار مفرداته الخافية وفك شفراته الغامضة وإعادة تركيبها وتبسيطها على نحو سهل ومفهوم للجماهير، ورغم أن النقد الفني "الحقيقي" يثير بعض المشكلات مثل سعيه لتنميط الأعمال الفنية المنطلقة بطبيعتها عبر حشرها قسرا داخل قوالبه المدرسية الجامدة بطبيعتها مما يفسد إبداعها الأصلي، ومثل وضعه لشروحات وتفسيرات استعراضية من قاموسه الخاص قد تؤدي على عكس المقصود إلى صعوبة الفهم بدلا من سهولته مما يزيد العمل الفني غموضا وبالتالي يعرقل تذوقه جماهيريا، لاسيما وأن الأعمال الفنية الجميلة التي يعتبرها النقد مستوفاة لقواعده الجمالية المعيارية ليست بالضرورة هي الأجمل بالنسبة للفنانين المبدعين أو جماهير المتلقين، إلا أن النقد الفني "الزائف" يثير الكثير من المشكلات عندما يمتدح بعض الأعمال الفنية ويهاجم بعضها الآخر بدافع من المصالح النفعية الانتهازية لشخص الناقد، سواء كانت ارتزاقية مباشرة لدى "المبدع" نفسه أو كانت مهنية غير مباشرة لدى المؤسسة الثقافية أو الصحفية التي تمنحه راتبه، وسواء كانت سياسية باضطراره إلى تنفيذ تعليمات الأجهزة الأمنية الساعية لإعلاء شأن توابعها وتحقير شأن خصومها من الفنانين عبر الأوامر الرسمية!!


رابعا: التذوق


    وهو ذلك الشعور الخفي المتسلل برشاقة من دواخل الأعمال الفنية الجميلة إلى أعماق الجماهير الذين يتلقونها، لإقناعهم بضرورة تغيير أفكارهم وآرائهم وسلوكياتهم نحو الأفضل من تلقاء أنفسهم أي دون طمع في مغنم أو تحاشي لعقاب، وينقسم التذوق الفني إلى مستويين أحدهما نخبوي رفيع يشغله عدد محدود جدا من محبي الفنون الجميلة الهواة أو الغاوين الذين يتذوقون الفنون بدرجة عالية من الوعي غير الاحترافي، أما المستوى الآخر فهو قاعدي عام تشغله الغالبية العظمى من جماهير المتلقين العاديين للفنون الجميلة الذين يكاد يكون تذوقهم الفني مفتقدا بشكل شبه كامل، كنتيجة حتمية لجريمة تراكمية ارتكبتها ومازالت ترتكبها ضدهم مؤسسات الدولة والمجتمع والسوق والعلاقات الخارجية، لاسيما تلك المسئولة عن النواحي التربوية والتعليمية والإعلامية والتثقيفية والفكرية تنفيذا لمخططات القوى الفاشية بكل أجنحتها سواء كانت دينية أو قومية، وهي الجريمة التي يشارك في ارتكابها أيضا توابع الفاشية من الأدعياء البدلاء الذين فرضتهم الفاشية قهرا فوق رؤوس الحظائر المسيطرة قهرا على كافة التجليات المؤسسية للامتدادات الفنية الأربعة (الإبداع والتطبيق والوعي والتذوق)، وإذا كانت القوى الفاشية تحرص على قتل التذوق الفني في إطار سعيها السياسي لتكريس الأوضاع القائمة بإبقاء الجماهير على أحوالها الاقتصادية البائسة، فإن القوى الوطنية الديمقراطية ذات الأعماق الاجتماعية هي وحدها الحريصة على إحياء التذوق الفني في إطار سعيها السياسي لتوسيع نطاق الحريات العامة والخاصة من أجل التقدم نحو الأمام!!