تداول الكراهية عن جيل الستينيات فى مصر

19/04/2016 - 10:08:43

توفيق الحكيم توفيق الحكيم

سمير عبدالفتاح - كاتب مصرى

في أوائل ستينيات القرن الماضي، ظهر جيل جديد من الكتاب، لا يخفي عداءه للجيل السابق، بل وتمنى له الموت كي يأخذ مكانه ومكانته!!


حتى أن أحدهم صرح في أكثر من مناسبة.. إن هؤلاء الآباء يقفون ضد تحققه وانتشاره، ورأوا في يوسف إدريس وتوفيق الحكيم، وعبدالرحمن الشرقاوي، وإحسان عبدالقدوس، وغيرهم تهديداً مباشراً لتحققهم، وانتشارهم، ثم ظهر من يعلن على الملأ أنهم (جيل بلا أساتذة) وهو ما يعني عدم اعترافه بأي فضل للجيل السابق، داعياً - بذلك- للتمرد علىه، وعدم الاقتداء به مشيراً -في ذلك- لعدة تغيرات فعلية حدثت للواقع من حوله، لعل أوضحها ما لحق بالأمة من هزيمة ساحقة من عدوها التقليدي وانعكاس ذلك على تصوراتها الثقافية والاجتماعية والسياسية، غير أن هذه البداية البريئة المحلاة بالسكر الناعم، ما لبثت أن كشفت عن أنياب بعضهم حين شرعها في وجه كل من حاول الاقتراب من مكاسبها أو مشاركتها في غنيمتها، وشيئاً فشيئاًَ تصالحت مع السلطة الأمر الواقع، ثم تحالفت معها، فسيطرت على جل المنابر والمسارات، وفرضت سطوتها على من عداها من أجيال!!


والحق أن هذه الممارسات الإقصائية، لم تقتصر على الأدب، أو الأدباء وحدهم، وإنما امتدت لتشمل جل المجالات العلمية، والثقافية والاجتماعية والسياسية، في تجل لافت للفساد، والاستئثار بالسلطة.


كان من الطبيعي -إذن- أن ينعكس ذلك على كل ما حولنا، وأن تعيدنا للمرحلة التي عاشتها أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، من رفض وتمرد ودعوة للتغيير، ما لبث أن انعكست على عالمنا العربي -لا سيما بعد هزيمة يونيو 67- فبتنا نسمع عمن يدعو للتغيير والتمرد، ويناصر التجديد والتطوير، فيطالب بالأغنية الجديدة والسينما الجديدة، والأدب الجديد، إلخ...


لا سيما بعد توقف صلاح جاهين، وصدمة مرسي جميل عزيز، ويأس كمال الطويل، ونجيب سرور، ورحيل طه حسين، وتوفيق الحكيم، ويحيى حقي وأم كلثوم وغيرهم، وظهرت أسماء جديدة ما لبثت أن ثارت على جُل ما هو قائم وقديم!!


أما على المستوى السياسي والثقافي والاجتماعي فقد نشطت بعض الفئات والجماعات السياسية والنقابية والطلابية التى تمردت على سلطة الأب، وقدمت نفسها كبديل وحيد لكل من عداها، كما ظهر من يجاهر بضرورة العودة للجذور والقدامة، دون أن تكون لديه رؤية واضحة لآليات وأولويات تلك العودة، وما إذا كان المناخ صالحاً لذلك أم لا!!


والحق أن هذا الجيل -الأدبي- المتمرد، الذي سمي فيما بعد بـ جيل الستينيات، قد صنعته الأحداث، ولم يصنعها بنفسه، ومن ثم أفاد منها بكل تأكيد، إذ كانت الكلمة المكتوبة لم تفقد مكانتها بعد، وكان الكتاب هو المصدر الوحيد للمعرفة، كما كان هنالك - ولا يزال - ما كنا نسميه القارئ العادي -قارئ الأدب- الذي خرج من لدن الطبقة الوسطى، والبرجوازية الناشئة، التي أوجدتها مجانية التعلىم، وعززتها كتابات إحسان عبدالقدوس، والعقاد، وطه حسين، ويوسف إدريس وغيرهم.


ما يهمنا في الأمر، أن هذا الجيل لم يضف الكثير للأدب، أو لبنية النص السردي، لكنه نجح في إيهامنا بذلك، ومن ثم لم يبدأ بداية صفرية كما وعد، بل ساهم في تنفير ما كنا نسميه بالقارئ العادي، ولا أريد أن أقول إنه ساهم في تنفير واستبعاد (القارئ المحتمل) معززاً بذلك من رصيد (القارئ المستلب) الذي ما لبث أن خاض في متاهات الكتب الصفراء، وانتهى بتبني الفكر المسلح!!


ونلاحظ أن أغلب هؤلاء الكُتاب كانوا من القصاصين والروائيين وليسوا من الشعراء، وهو ما يحتاج لاجتهادات خاصة يبذلها علم الاجتماع الأدبي، ما يهمنا الآن، أن هذا الجيل لم يستكمل ما بدأه السابقون، ومن ثم كان من الطبيعي أن يُتهم بالغموض والاستعلاء، وأن يفقد رصيده -وظهيره- الاجتماعي، رغم كثرة المتعلمين، وزيادة عدد السكان والخريجين!!


أما على المستوى الأدبي فقد بات بإمكان الراصد أن يفك مرجعية أغلب فرسان هذا الجيل، ويقف على جُل منطلقاتهم الفكرية والتقنية، ومن ثم يستطيع أن يحصرهم في عدة مدارس:


الأولى: مدرسة الواقعية بنوعيها النقدية والتسجيلية، ولا يتسع المجال هنا لرصد أسمائهم، وهي مدرسة مزجت بين طبيعية (إميل زولا) وواقعية (مكسيم جوركي).


أما المدرسة الثانية: فهي المدرسة الذاتية الاستعارية، ولا يتسع المجال أيضاً لتفصيلها، لكن يكفينا أن نقول أنها تماست مع تشاؤمية كافكا، وتمرد جون أسبورن، وذاتية ألبير كامي، وجان بول سارتر، وغيرهم.


أما المدرسة الثالثة: فقد نهلت من أدب العبث، أو اللا معقول، التي اقترنت باسم صمويل بيكيت، ويونسكو، وآرابل، وآداموف، وجان جينيه، وغيرهم، وتفرع منها ما عرف بمدرسة النظرة التشيؤ بقيادة ميشيل بيتور، وناتالي ساروت، وآلان روب جرييه وغيرهم، ونلاحظ أن جلهم فرنسيون، أو يعيشون في فرنسا.


ومن ثم يحار من يحاول أن يعرف كيف عبرت المتوسط بكل هذه السرعة إلى مصر، فظهرت في كتابات محمد حافظ رجب، ويوسف القط، ومحمد الصاوي، ومحمود عوض عبدالعال، وسيد حافظ - شقيق محمد- وشفيق مقار، ومحمد إبراهيم مبروك، وغيرهم، في ظرف ثقافي واجتماعي وسياسي استثنائي معاد للثقافة الأوروبية، من قبل كتاب لا يعرفون الفرنسية باستثناء محمد الصاوي وزهير الشايب!!


ما يهمنا في الأمر أن هذا الجيل الذي قتل أباه، وتمرد على أساتذته، هو نفسه من فرض سلطته وسطوته على من أتى بعده من أجيال وتيارات، حيث شارك بدور لافت في تهميشه، وفي نفس الوقت لم تقف السلطات السياسية المتعاقبة على مسافة واحدة من الجميع، فأتاحت له أن يحتكر كل السفريات والجوائز والمناصب والترجمات إلخ...


ومن ثم لم نعد نسمع إلا عن غزواتهم، وفتوحاتهم، وسفرياتهم، في إشارة لافتة الدلالة على حجم الفساد والإقصاء والأنانية، لذلك بات على من يراهن على أي مكان -أو مكانة- أن يشرب من البحر، كما بات بإمكان من يترأس صفحة أو جريدة أوهيئة، أن يوظفها لخدمته وخدمة شلته وسدنته معززاً بذلك إرادة البيروقراطية الثقافية، التي تبحث دائماً عن شاعر واحد ليكون أميراً على الشعراء، وأديب واحد ليكون أديباً على كل الأدباء، وحتى يقال برعايتها للفنون والآداب، و(يبيض) وجهها أمام العالم والسياح!!


ومن ثم لا تتعجب حين يحول (جريدته) أو (مؤسسته) إلى بوق إعلاني له ولأصدقائه، ولا تستغرب أن ينشر على صدر جريدته، صورة لافتة لمن لا يزال (يفكر) في كتابة رواية، أو يبحث عن عنوان لمجموعة، لم تزل في علم الغيب!!


في الوقت الذي يرمي فيه بعشرات المجموعات (المُهداة) في سلة المهملات، دون أن يقرأ منها جملة!!


وهنا قد يقول قائل إنها لا تستحق التنويه، وهذا حق يراد به باطل، فليس من حق أحد -حتى ولو كان أرسطو- أن يجزم بذلك، أو يعطي لنفسه الحق في الحكم على الآخرين، كل الآخرين، لأنه بذلك يخالف نواميس الحياة والأحياء، ولا يختلف عن أي ديكتاتور، يزايد على ما لم يحققه، والأصل في الأمر أن (الضعيف) أولى بالرعاية!!


وعلى جانب آخر، نستطيع أن نقدر الضغوط المعيشية الصعبة التي تمارس على نقاد الجيل -وإن كانت تمارس على الجميع- ونتفهم أن يصبح النشاط النقدي نشاطاً هامشياً لدى الكثيرين -أكاديميين وغير أكاديميين- لكن ذلك لا يبرر - بأي حال- أن يفرض سطوته على الجميع، ويسيطر على جل المسابقات والجوائز والمنتديات، والترجمات، والسفريات، ويحكم ذائقته على كل النصوص، وكأنه آخر العباقرة!!


أما القول بنضوب المواهب المصرية، فهذه إهانة لقائلها، وسامعها، بل وللثقافة المصرية، بوصفها ثقافة إقليمية مركزية مؤسسة، من واجبها أن تقوم على التعدد، والتنوع، وأن تملك القدرة على استيعاب كل التيارات، ومن تخسره ككاتب قد تكسبه كقارئ!!


فكلها أمور تخصم من رصيد التطرف، والجنوح الاجتماعي، وتضيف زخماً لقواها الناعمة، فإن كنا نلتمس العذر -بعض العذر- لبعض الحكومات الجاهلة، بوصفها لا تريد ثقافة، أو مثقفين، فما عذر المبدعين كتاباً ونقاداً ومثقفين في نفي غيرهم؟!


ما يمكن تأكيده -في ختام هذا المقال- أنه في ظل هذا الفراغ، والتجريف المستمر للثقافة المصرية -العربية- لم يعد أمامك خيارات كثيرة، ومن ثم فمن السذاجة أن تؤجل معركتك المشروعة ضد الفساد والمفسدين، وهي على كل حال ليست معركتك وحدك، وإنما معركة كل من يعمل بالعلوم والثقافة والسياسة وغيرها.


ولأنها كذلك فأنت لا تستطيع أن تنتصر فيها وحدك، ولكن لا بد أن تعرف أنك تدافع عما تحب، وليس لأحد أن يقف في طريقك، أو تواصلك مع الآخرين، فقد بات واضحاً حتى لأقل الناس ذكاءً كيف تدار اللعبة، وكيف توزع الأدوار، لا سيما في ظل الوضع الراهن، الذي دخل إلى حلبته كثير من الكارهين والإقصائيين المتأسلمين، وهو ما سيجعل معاركها أكثر حدة وضراوة، لأنها باتت مفتوحة على كل الاحتمالات والأصعدة، ويجوز الضرب فيها تحت الأحزمة!!


هذا هو التحدي الذي يجب أن تراهن عليه!!


 (مخطوطة مقال لم تنشر للكاتب الراحل).