الجماليون الجدد في الإبداع الشعري بالسعودية

19/04/2016 - 10:07:02

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

عبد الله السمطي - شاعر وناقد مصري مقيم بالرياض

1


يستقصي الشاعر دائما عوالمه الجديدة المبتكرة، إنه لا يتوقف عند نموذج واحد، أو لقطة تعبيرية أحادية. فالشاعر ابن لحظته الراهنة، على الرغم مما يجيش في حواسه من أزمنة ولحظات.


        لقد قدم الشاعر قديما قصيدته التي تعبر عنه وعن بيئته. هكذا ننظر للشاعر العربي القديم الذي احتفى بتفاصيل الصحراء وأمكنتها ووديانها وسهولها وتلالها وجبالها، وعايش كل ما يتحرك أو ما لا يتحرك في هذه البيئة الممتدة التي كان يوقظها النهار ويسكتها الليل. هكذا تحركت القصيدة القديمة التي لا تزال أصداؤها ماثلة حتى اليوم.


        الشاعر العربي توسع في تقديم نماذجه بعد ذلك التي تتأمل لحظته بعد ذلك في مختلف عصور الشعر بعد الإسلام. وتوصل إلى شعريته بأشكال متعددة منها: المخمسات، والمسمطات، ونثر النظم، والمشجرات، مخاصما النموذج الذي كان قديما ذلك الوقت وهو المعلقات إلى ابتكار فن شعري جديد هو: الموشحات التي بزغت تحديدا في الأندلس.


        إن البحث الشعري الدائم لا يتوقف، من هنا قرأنا العمودية الجديدة في القرن العشرين الميلادي عند أحمد شوقي ومطران وأبي القاسم الشابي وعلي محمود طه وإبراهيم ناجي ومحمود حسن إسماعيل، كما قرأنا النموذج الشعري التفعيلي لدى نازك الملائكة والسياب ونزار قباني وأدونيس والبياتي وصلاح عبد الصبور وعفيفي مطر وأمل دنقل ومحمود درويش، ثم النموذج النثري عند الماغوط وشوقي أبي شقرا وأنسي الحاج ووديع سعادة وسركون بولص ثم قاسم حداد وسيف الرحبي ونزيه أبي عفش.


        إنها أسماء شاعرة تتكرر دائما في تأريخنا للمشهد الشعري جماليا وتصويريا. وهي من اليقيني أنها تمثل قائمة الآباء الشعريين لدى معظم الشعراء في اللحظة الراهنة للشعر.


        2


إن قيمة الشعر أنه لا يثبت عند نموذج أحادي، وهذا سر حضوره الدائم. إنه يتجدد بشكل دائب، لنقل: إنه أسرع الفنون الأدبية إلى تمثل التحولات، وقراءة العالم لأنه – بحكم نوعية وشكل كتابته- يبحث عن الكثافة، عن التجريد، عن اللحظة البارقة للتعبير الإنساني. فهو يحتفي بالأشكال القصيرة الوامضة كما يحتفي بالأشكال الطويلة. الشعر في هذا الأفق يتجسد دائما ويسعى إلى اختطاف اللحظة المدهشة وابتكارها.


        وإذا كان القارىء العربي قد اعتاد مدرسيا نموذجا شعريا أو نموذجين، بين الشكل البيتي أو القصيدة العمودية، وبين الشكل التفعيلي أو الشعر الحر فإن هذا الاعتياد المدرسي لا يجعلنا نترك أفكارنا وحواسنا تدرج عند الشطر من البيت والسطر من القصيدة. بل علينا أن نجرب وعينا في قراءة نماذج أخرى باتت من كلاسيكيات الشعر الجديد وهو النموذج النثري الذي اصطلح بتسميته: قصيدة النثر.


        إن هذه القصيدة لها شعراؤها ولها قراؤها، وهي مستمرة على مدار قرن كامل في استقصاء عوالمها الشعرية وتأسيسها عبر نماذج مختلفة: غنائية ودرامية وتعبيرية ومسرحية ونصية نثرية كما أنها تستفيد إلى حد بعيد من مختلف الفنون القولية والبصرية. وهي في ذلك إنما تقدم صورة الإنسان المعاصر في قراءة تجربته مكانيا وزمانيا.


        إن الشعر لا يتوقف عند حد، هكذا في كل شعر سواء كان عربيا أم غربيا، أم شرقيا. إن هذا التوقف يدخله في النمطية والتكرار والتقليد. لذا فإن علينا ألا نتوقف عند نموذج واحد، وأن نقرأ الشعر في شموليته وتعدده وبانوراميته.


        3


لقد اتخذت القصيدة السعودية الجديدة سبيلها ونهجها صوب التساوق مع التجربة الشعرية العربية بحضورها وتجريبها. القصيدة السعودية الجديدة لم ترد أن تتوقف عن ركب الشعر الجديد، لهذا وجدنا النماذج التفعيلية الحرة الكثيفة لدى محمد العلي وسعد الحميدين وعلي الدميني ومحمد جبر الحربي ومحمد الثبيتي وعبد الله الصيخان، وعبد الله الزيد تلتها أسماء كتبت القصيدة النثرية بدءا من ريادة فوزية أبي خالد في ديوانها المبكر في فضاء هذا الشعر "إلى متى يختطفونك ليلة العرس" (1973) حتى ما يكتبه شعراء اليوم مرورا بتجارب محمد عبيد الحربي وعلي بافقيه وإبراهيم الحسين وأحمد الملا وغسان الخنيزي وعبد الله السفر وهدى الدغفق، ومحمد الدميني وعلي العمري وسلوى خميس، وأحمد كتوعة، وهي تجارب جديرة بإعادة القراءة لابتكار جمالياتها وخواصها التجريبية.


        إن القصيدة السعودية مرت كأي جنس أدبي بتحولات كثيرة، بيد أن الأفق النقدي لم يسر جنبا إلى جنب مع استقصاءاتها. ربما توقف عند بعض النماذج الرائدة لكنه لم يواصل هذا الأفق ابتكار ما قدمته أجيال متعددة في فضاء قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، على الرغم من تعدد هذه الأجيال وتعدد التجارب. وتبدو القصيدة السعودية اليوم في حاجة إلى قراءة منجزها الذي تتعدد أشكاله وأنماطه.


        إن جيلا واعدا يقدم تجاربه الجديدة اليوم. إنه يعبر عن اللحظة الراهنة، هذا الجيل هو ابن التقنية وعصر الاتصال. إنه الجيل الذي تربت حواسه على سطوع عصر الفضائيات وعصر الإنترنت، عايش هذا العصر طفلا، وركضت أصابعه وحواسه على حروف الكيبورد، واعتادت أعينه التقاط الشاشات الفضائية وشاشات الكمبيوتر، واستطاع أن يتمثل اللحظة على الرغم من إيقاعها المتسارع.


        إنه جيل غير تقليدي بالمرة، له تعبيراته وآفاقه وتطلعاته. إنه جيل له حسه المختلف الذي نشأ على التقنية وعبر عنها وتواصل وتفاعل بها مع مختلف الثقافات.


        لقد كانت التقنية تحضر لدى الأجيال الماضية كفكرة، أو كإشارة سريعة عابرة لأن هناك خصومة نفسية ربما بين هذا الجيل القديم وبين التقنية الحديثة، بحكم الزمن والنشأة والبيئة، لكن هذا الجيل الجديد هو ابن لحظته وابن تقنيته.. فكيف عبر عنها وكيف قرأها وتمثلها شعريا؟


4


        تستشرف التجربة الشعرية الجديدة العالم بشكل مختلف. إنها براعة التقنية التي تشكل أيضا براعة الحس بالأشياء وجدتها. وفي عدد من النماذج الشعرية لدى: سميرة السليماني، وهدى ياسر، ونوير العتيبي ومحمد سيدي وسهام محمد، وعبد الله العثمان، وعبد العزيز الحميد، وأحمد العلي، ومحمد الحميد، يمكن أن نستجلي هذه الروح الشعرية الجديدة واستقصاء آليات التقنية وابتكاراتها وانعكاسها شعريا على نطاق تشكيل المشهد الشعري وبانوراميته.


        في ديوانه "قد يحدث هذا الفراغ مرتين" (2013) يقدم عبد الله العثمان حالة الشاعر الجديد الموارة بالقلق. إنه يعرف نفسه مبدئيا في تصدير الديوان: "فلاح مستعار، أتدبر أمر حديقتي بالكتابة، تعبي أني عبد الله العثمان من مواليد الرياض، ولادتي كانت بحركة فنية مدهشة استمرت معي من العام 1985 إلى اللحظة التي عجنت فيها أكثر بالشارع والقلق، لست حزينا كما أبدو في الصور ولا سعيدا كما تتوقعني الفتاة النحيلة دائما".


        يتحدث العثمان في شعره عن الهيببز والرأسمالية، وعن القهوة الكولومبية، وإنجلينا جولي، والرسائل النصية، وأغلفة المجلات، والتقنية والكاميرات الحديثة، ليكون الشاعر أكثر معايشة للحظته: "هذه الرسالة العاشرة، فلم تبعث لي مسجا أو وكزة أفهم منها أن الطقس رائع في السماء".


وفي نص قصير بعنوان "سأقفز من علبة بيبسي":


"ساقفز من علبة بيبسي، ربما أسميها محاولة، لرصد المسافة وسيرتي الذاتية، والرغبة التي لم تتجاوز مشاهدة فيلم قصير صامت، ساقفز من علبة بيبسي، وهذه مسافة شاهقة لشخص مثلي مريض بالبطء والتذكر، ليس في المسألة مزحة، لكي تلقي بهذه البساطة، لست شاعرا، ولست بنتا وحيدة تجيد تدبر أمر فسحتها. أنا خائف جدا".


    ويشكل السفر حالة من حالات التعبير عن الأنا والآخر لدى معظم الأجيال الجديدة، وهي تأتي بالاندماج في ثقافة الآخر والتعرف عليها، واستدعاء الثقافات الذاتية والهوية الشخصية بشكل مفارق، ويعبر محمد الحميد نصيا في "فيلم قصير لكاميرا ضائعة" (2013) عن هذا السفر في نص بعنوان "وظائف مهملة":


   "أجمل ما في السفر غياب الوقت، النوم متأخرا والقيام مبكرا، الروتين في المشي في شارع طويل دون ملل، التأمل في لا شيء، التلصص على لغة غير مفهومة، تعلم كلمتين مثل: شكرا وبكم التذكرة، الأخيرة لا تصلح لأن المدينة إلكترونية، وكل ما فيها يخرج من آلات سوى المطاعم ربما، ولا بأس من أكل ساندويتش مضمون من الآلة، أيضا الجلوس في المقاهي والكذب بأن المدينة جميلة، لأن المقاهي تغلق منتصف الليل، ولأن الإعلانات في كل مكان، الوقت صباح والمدينة ستستيقظ بعد أن يعلن المول موعد فتح محلاته".


        هذا الجيل يكتب حالته الشعرية التي يعبر بها عن ذاته الشاعرة، بهذا المعنى نجد العوالم الجديدة أيضا عند أحمد العلي في ديوانه "يجلس عاريا أمام سكايب" (2013)  الذي يستثمر فيه أدوات التقنية المختلفة كما في "إحداثيات نقطة حمراء " مثلا حيث يقول:


"لست سوى نقطة حمراء


في عين قمر صناعي


هذا ما يظنه العالم


لدي موبايل بلا نغمات جميلة


أتحدث وال آي – باد


أهمل حسابي في تويتر


أبتاع سجائر بلا قداحة


وأكياس شاي مثقوبة


وإذا مرضت


آخذ ورقة الدواء


أصعد بها نخلة كي تصرفها لي العصافير".


   هكذا فإن الأفق الذي يفتحه هذا الجيل على الرغم من بدائيته وسرداته الأولية أحيانا يضع القصيدة في نطاق التجريب والمغامرة، ولا يدير ظهر حواسه للمصطلحات الجديدة لأنها هي المصطلحات المتداولة في حياته اليومية. إنه لا يستعير لغة ما، بقدر ما يعبر عن ذاته سواء كانت حقيقية أو غائبة الهوية. فهذا هو الحال وهذا هو الواقع.


        ومن هنا لا نستغرب من حضور الثقافة الفيلمية وثقافة السفر والمصطلحات والإعلانات وقيمها في كتابات هذا الجيل.


        الأمر نفسه نجده في "أنا والشحاذ وروحي" لمحمد الحميد (2012) ومحمد سيدي في "لعبة الأحرف" (دار أثر 1434هـ):


"شاشة الكمبيوتر الصامتة


أنّى لها أن تتحمل كل هذا الألم


دون أن تصرخ أو تحتج


والكيبورد


كيف له أن يتآلف مع هذا الكم


الهائل من الضربات


دون أن يتفتت كالخبز اليابس


لو كان الكمبيوتر جبلا لتحطم


ـ أقول لنفسي ـ


ـ وأستمر في الكتابة".


وتعبر سهام محمد في ديوانها "أصير عدما" (2013) عن الحالة الرومانتيكية الجديدة لكن بشكل مختلف:


"كنت تحبني وكانت الحياة كقصائد الفونسينا


كروايات دوستويفسكي


كجنون فوكو


وكمعلقات الجاهلية


كنت تحبني وكانت الحياة متصالحة معي


الآن


الحياة تعبر من جانبي


ولا تبادلني حتى التحية".


        وتقدم هدى ياسر في ديوانها "كأي شيء يطير عاليا" (2013) الرؤية التجريبية التي تستلهم التقنيات الحديثة كما في "كما لو أننا ملائكة" و"ما قبل المونتاج". تقول:


"للشبكة العنكبوتية نسيج يمتص الوقت الرتيب حتى في ليالي كناسة القلب من فتات ما، فللمذكورة أعلاه مصاصة تجوال تشفط ما يعكر مزاج الروح بخليط من مشاريب عدة: جوجل، فيس بوك مثلا.. ومن يرتدي فكرة مجنونة".


        إن هذه الكتابات تدرج في التحليل الأخير في مجال الشعر، بغض الطرف عن التسمية والاصطلاح، إنها مشاهد بانورامية من لدن ذوات شاعرة لها أحاسيسها وهواجسها المختلفة، ولها حريتها في اجتراح اللحظة الشعرية. إن التسمية لا تعمد الفن الشعري تماما، ولكنها تهبنا معايشة حالة شعرية ما، وهو ما يفعله هذا الجيل بكل ترقب ومراودة وتجريب.