وحدة النص الحضاري

19/04/2016 - 10:06:19

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

محمود عبد الوهاب - كاتب مصري

عبد المنعم عبد القادر كاتب مصري من طراز نادر، يحيا بيننا ويعاني مثلنا همومنا ومشاكلنا ومآسينا على كافة المحاور، ويقرأ بإمعان الأطروحات التى تشخص أمراضنا وتقترح العلاج، لكنه لا يتحمس لمناقشة ونقد هذه الأطروحات، لأن الأجدى عنده أن يناقش أصولها ومصادرها ومراجعها، ليكشف ما قد يكون فيها من علامات الاغتراب أو القصور أو الابتسار.


ولأن الأجدى عنده أن يتفرغ لقراءة تاريخ مصر والمنطقة العربية وبلاد الشرق القديم، لا يعنيه من ذلك التاريخ الممتد لآلاف السنين سوى ملامحه الحضارية حيث مستودع قيمه وعقائده وآدابه وفنونه. فإذا انتهى من قراءته قراءة تحليل ونقد عكف بصبر ودأب على كتابة تصوره الخاص عما يسميه وحدة النص الحضاري، الذي تتجمع فيه وتتفاعل وتتكامل ملامح هوية مصر، وهي تصور يحرص على أن تنسق فيه أبعاد الحياة بين ما هو كوني/ ميتا فيزيقي وما هو تاريخي وجغرافي، وما هو إنساني واجتماعي وأخلاقي وفكرى ونفسي.


إن الوعي بهذا الامتداد الحضاري لمصر وامتلاء القارئ به فكريا ووجدانيا هو – عنده – الطريق الوحيد للخلاص من الضلال وعماء البصيرة واختلاط الرؤى واضطرابها وتناقضها، وهو الطريق الوحيد لصحة الفرد والجماعة والأجيال المقبلة.


يواصل عبد القادر العكوف على إنجاز كتابه الكبير الذي يتضمن أشكالا مختلفة من الإبداعات الأدبية والمقالات النظرية، آملا أن يضع بين يدى القارئ الجاد منظومة متكاملة من الرؤى تضيء وجدانه بقيم تراثه الحي العريق المدون والشفاهي.


إن الوعي عنده بهذا التراث الحضاري الحي المنحدر من مصر القديمة ومصر القبطية ومصر الإسلامية والمتفاعل مع منجزات العصر الفلسفية والفكرية والفنية هو في رأيه السبيل الصحيح لامتلاك الأمة أسباب القوة عبر محاورها المختلفة.


وأول ما يلفت الانتباه في كتاباته أنه كاتب جاد إلى أقصى حد، فقد أثمرت قراءاته في مجالات شتى بالإضافة إلى خبراته في مجالات العمل العام.. أثمرت رؤية حياة تتسم بالشمول والحكمة، يجسدها في صياغة أدبية ونظرية فصيحة وبليغة ورصينة.


يحتوى كتابه الكبير حتى الآن على مجموعة قصصية صدرت عام 1984 بعنوان "حيرة الفرعون"، ورواية صدرت عام 1986 بعنوان "مناديل حبها أو حكايات الأم تفاحة"، ومسرحية بعنوان "الفيضان" صدرت عام 1990، و"حكايات شهر زاد بعد الليالي الألف" وهي تنويعات عصرية على حكايات ألف ليلة وليلة.


وكل ما أنجزه من قصص أو روايات أو حكايات أو مقالات هو في حقيقة الأمر لبنات في مشروع فكرى وإبداعي يعكف منذ سنوات على استكماله، وهو مشروع فريد يتجلى تفرده في تميزه واستقلاله وخصوصية منطلقاته ومراجعه وأهدافه، ولكى يتضح للقارئ بعض الخطوط العريضة لهذا المشروع سوف أقتبس في هذا المقال بعض العبارات من مقال لعبد المنعم نشره مع مسرحيته الفيضان تحت عنوان: اقتراح في النهضة الأدبية يقول فيه:


ـ علينا أن نعيد اكتشاف تراثنا الحضاري فهو الغذاء المشترك لنا والقوة المتدافعة فينا، والقاعدة التى ينهض عليها بنيان المصري في لحظته الراهنة.


ـ إن الثقة في قيمة تراثنا تعبير عن الثقة في أنفسنا، وفيما هو جوهري في هذا التراث وبحثنا فيه سيتجه حتما إلى العناصر الثابتة والمستمرة فيه، تلك التى كانت السلاح الحضاري للشعب في محنه المختلفة.


ـ لا أعنى بالتراث الحضاري لمصر التراث العربي والإسلامي فحسب لأن في ذلك إنكارا لحقائق التاريخ وحقائق العلوم وحقائق الواقع الحى، إنما أعنى به وحدة التاريخ لدى الأمة، واتصال حلقات هذه الوحدة عبر مراحل التاريخ المختلفة بتأثيرها المستمر فيه، وتأثيرها في الواقع الحي.


ـ يجب أن نفهم قضايا عصرنا وقواه الحية، وأن نؤصل هذا الوعى بالتفاعل بين قضايا عصرنا الراهن ووعينا الخاص بتراثنا.


إن علاقة عبد المنعم عبد القادر بالتراث الحضاري المصري في تجلياته المختلفة وفي استمراريته وصيرورته وإعادة إنتاجه عبر العصور الحضارية المتعاقبة هو حجر الزاوية في مشروعه الفكرى والإبداعي، وفي سعيه واجتهاده للإجابة عن سؤال الهوية الوطنية والقومية لمصر، وهو اجتهاد يحاول استخلاصه وبلورة ملامحه بفصل الجوهري والثابت في تاريخنا الحضاري عن العرضي والجزئي والمتغير.


إن الإجابة عن سؤال الهوية عنده أمر بالغ الأهمية لأن فيه سر قوة الأمة، وبوصلة حركتها في الاتجاه الصحيح ومعيار تحديدها للأصدقاء والأعداء. واهتمامه بالتراث الحضاري لمصر ليس اهتماما نظريا وعلميا فحسب، بل إنه أحد الجذور العميقة لانتمائه الوطني والقومي، والتجسيد الحي لعبارة وردت في إحدى قصص مجموعته : تبدلات صامتة يقول فيها : كل من راح من الأجداد لم يغادر دمي.


يقف عبد المنعم من الأفكار والتوجهات التى تحاول الإجابة عن سؤال الهوية موقفا نقديا.. إنها عنده تشتت ولا توحد، وتفرق ولا تجمع، تزعم بعض هذه التوجهات أن انتماء مصر الحقيقي هو لدول البحر المتوسط وترى توجهات أخرى أن مصر تنتمى للعالم الإسلامي، وتقصر بعضها الانتماء على مصر القديمة الفرعونية، وتؤكد بعضها على انتماء مصر القومي وتحرص على طمس انتمائها الحضاري لمصر القديمة.


وهو يرى أن مثل هذه الدعوات تحولنا إلى جماعات متناحرة، وتجعل من سعينا للتقدم حركة في المكان أو تقدما إلى الخلف، في حين يؤمن بأنه لا تناقض بين محاور انتماء مصر الفرعوني والقبطى والإسلامي، إن اتساع الوعي عنده وامتداده إلى عمق تاريخي بعيد قد ألهمه ما يسميه بوحدة النص الحضاري.. نص لا يفصل بين المراحل الحضارية المتعاقبة، ولا يوافق على أن مصر القديمة قد طمرتها الرمال ومحت كل مظاهر وجودها، فهي مازالت عنده حاضرة وفاعلة في تراثنا الشفاهي، وفي تقاليدنا وأعيادنا وطقوس احتفالنا بالموت وبالميلاد.