توماس كوك للرحلات.. إمبريالية على ضفاف النيل

19/04/2016 - 10:05:29

توماس كوك مؤسس إمبراطورية توماس كوك توماس كوك مؤسس إمبراطورية توماس كوك

شذى يحيى - كاتبة مصرية

"مصر الآن محتلة من قبل جيشين.. الجيش الأول هو عساكر الجيش البريطاني، والثاني هم رجال توماس كوك وولده".


   للوهلة الأولى تبدو هذه الكلمات التي كتبها السير جورج نيونز عام 1899 ـ واصفا الدور والنفوذ السياسي لشركة توماس كوك للرحلات في مصر ـ متضمنة قدرا كبيرا من المبالغة، لكنها الحقيقة التي ربما لم تراود "توماس كوك" نفسه، فالواعظ المعمداني السابق الذي كان قد ترك الوعظ واحترف صناعة الخزائن الخشبية في منطقة ليشستر واشتهر بإيمانه الكبير بعظمة الاختراعات العلمية وكرهه للخمور والكحوليات.. لم يحلم يوما بحقيقة أنه سوف يصبح واحدا من أهم أعمدة الإمبريالية الثقافية في القرن التاسع عشر، وأن الشركة التي سوف يؤسسها ستغير مصائر شعوب، وتتحكم في مقدرات دول على الرغم من أن بدايات عمله المتواضعة لم تكن تبشر بذلك كله.


    كانت البداية في 5 يوليو 1841 حين بدأت شركة توماس كوك رحلاتها برحلة غير هادفة للربح بالقطار من ليشستر إلى لافبروج نقل فيها كوك البالغ من العمر اثنين وثلاثين عاما مجموعة من المتعافين من إدمان الكحول، لحضور تجمع احتفالي. وتمت هذه الرحلة في القطار البخاري الذي كان اختراعا ضخما في تلك الفترة، وفي السنوات الثلاث التالية نظم كوك رحلات من ليشستر إلى نوتنجهام وبرمنجهام وليفربول، وعن طريقه استطاع الآلاف تجربة وسيلة المواصلات الجديدة واقتنعوا بها، وظلت رحلاته الأولى مجرد خدمات اجتماعية غير هادفة للربح لجمعيات الإدمان وأعضاء مدارس الأحد حتى عام 1845 عندما نظم أولى رحلاته إلى ليفربول، وتضمنت تلك الرحلة تذاكر مخفضة للركاب، وكتيبا من ستين صفحة يتضمن تفاصيل الرحلة، وإرشادات السفر، وكان هذا الفكر سابقا لعصره. وبحلول عام 1850 استطاع كوك تنظيم رحلات إلى أغلب مدن أوروبا والولايات المتحدة و"الأراضي المقدسة" في فلسطين، وشهد هذا العام أول تعاون على مستوى عال مع المسؤولين البريطانيين عندما نظم رحلات نقل للمواطنين من كافة أنحاء إنجلترا للمعرض العالمي الأول في التاريخ الذي أقيم بكريستال بالاس لينقل أكثر من مئة وخمسين ألف فرد إلى المعرض، كما أصدر جريدة غطت نشاطه وكانت بمثابة دعاية للمعرض.


    استمرت نجاحات الشركة، وأصبح كوك معنيا بتقديم خدماته للطبقة المتوسطة العليا المهتمة بالسفر الفاخر بقطارات الدرجة الأولى حتى 1869، وهو العام الذي بدأت فيه علاقته بمصر وبالرحلات النيلية على متن السفن البخارية. عندما بدأ كوك نشاطه في مصر لم تكن الرحلات النيلية أمرا مجهولا لدى الأوروبيين بل على العكس كان السفر إلى مصر ومشاهدة معالمها من السفن في عرض النيل صرعة كبيرة الرواج في تلك الفترة ومنذ نهاية الحملة الفرنسية خاصة بين رجال وسيدات الطبقة المتوسطة العليا والطبقات الراقية/ وكانت الرحلة الواحدة تستمر حوالي ثلاثة أشهر في سفن شراعية مسطحة تسمى "الذهبيات"، كانت تحمل السائحين الأجانب في رحلة شاقة عبر النيل من القاهرة حتى أسوان لمشاهدة معالم الحضارة العريقة على ضفتي النهر، بحثا عن آثار العهد القديم ورحلة العائلة المقدسة، أو بهدف المغامرة والمتعة وأحيانا كحالة الرحالة "أماليا إدواردز" وغيرها من بعثات لاستكشاف آثار ومقابر ومعابد جديدة، فقد كان التنقيب عن الآثار قد أصبح هواية لنبلاء أوروبا آنذاك، وكان المسافرون يدونون مذكراتهم ومشاهداتهم المصحوبه باسكتشات بدائية للآثار والسكان المحليين ويرسلونها لأقاربهم بالإضافة للأثر الروحاني للرحلة عليهم، وقد قام بعضهم بنشر هذه الرسائل في كتب لتقوم مقام الدليل للمسافرين الآتين بعدهم، وكانت "الذهبيات" وكافة وسائل الإعاشة والإمدادات ملكا شخصيا لحاكم مصر واحتكارا خالصا له، أي أن الرحلات النيلية كانت رائجة قبل كوك وكذلك سياحة الأفواج التي بدأت في مصر وفلسطين على يد منظم رحلات يدعى "هنري جايز" ولكن على نطاق ضيق جدا، وسبق ذلك ظهور كتب إرشادية عن الرحلات النيلية بين عامي 1843 و1847 كدليل للمسافرين إلى مصر، من إعداد جون جاردنر ويلكينسون لكنها أيضا لم تلق رواجا كبيرا، واستمر المسافرون للأراضي المقدسة يعتمدون في معلوماتهم على الكتاب المقدس وكتاب ألف ليلة وليلة، وخطابات من سبقوهم. لكن توماس كوك نجح في تغيير كل ما سبق.


   فكيف فعل ذلك؟


    في البداية، في عام 1868 سافر كوك في رحلة لاستكشاف الإمكانات الاقتصادية والخدمية للمنطقة، واشتملت رحلته على القسطنطينية وبيروت ويافا والإسكندرية ثم القاهرة، ليتفقد وسائل المواصلات والفنادق ودرجة الأمان والتكاليف والأرباح المتوقعة للرحلات، بعدها قام بعمل حملة دعائية كبيرة عبر أوروبا للترويج للرحلة، وبدأ في قبول مقدمات حجز للرحلة، ليبدأ بهذا الخطوة الأولى لهيمنته على سوق الرحلات النيلية، واستمرت تلك الهيمنة ثلاثة أرباع القرن، وفعلا قام كوك بالرحلة مع مجموعة من 30 مسافرا من الرجال والنساء، وقام برحلته النيلية على متن سفينتين بخاريتين هما "بنها" و"بني سويف" استأجرهما من شركة العزيزية المملوكة للخديو إسماعيل، كلاهما صنعت في بريطانيا، وكانتا تستخدمان لنقل الركاب مرة شهريا من الأقصر إلى القاهرة، والعكس في الفترة من فبراير لنوفمبر سنويا، ولكن لم يتم استعمالهما للأفواج السياحية قبل تأجير كوك لهما، وكللت الرحلة التي قادها كوك بنفسه بنجاح غير عادي أشعل رغبة كوك في أن يسيطر على سوق السياحة النيلية بأكملها، ودفعه لأن يتخذ خطوة أكثر جرأة بعدها بستة أشهر، ففي صيف 1869 أعلن مكتب كوك في لندن عن نيته لتنظيم رحلة لحضور مراسم افتتاح قناة السويس في نوفمبر، وفي هذه المرة لم يستطع كوك أن يتفق مع أية شركة عبر المتوسط، ولكنه في النهاية استطاع أن يحجز أماكن على السفينة البخارية "أمريكا" التي كانت جزءا من الأسطول الذي سيبحر في القناة يوم الافتتاح، وحضر كوك الاحتفالات بالقناة، وسجل في ملاحظاته "أنها ربما تكون العلامة الفارقة الأبرز في تاريخ عمله بالسياحة"، وازدهر عمل كوك السياحي بالفعل حتى أنه بعد ذلك بأقل من ثلاثة أعوام قام بأول رحلة لشركته حول العالم عبر سكة حديد أمريكا من الشرق إلى الغرب ثم اليابان فالصين فسريلانكا والهند عائدا إلى مصر عبر القناة في طريقه إلى أوروبا ليستعرض المسافر أغلب منجزات عصر الثورة الصناعية بالمحرك البخاري.


    كان إعلان كوك عن الشروع في تلك الرحلة ملهما لجول فيرن ليكتب روايته الشهيرة "حول العالم في ثمانين يوما" والتي نشرت عام 1872، وحرص كوك الابن بحلول عام 1871 على أن تكون شركة كوك الناقل النيلي الوحيد فيها باستعمال سفن البخار بالاتفاق مع الخديو إسماعيل، وأصبحت رحلات كوك النيلية ذات شعبية هائلة حتى أن أي مسافر أمريكي إلى أوروبا لم يعد يجرؤ على العودة إلى بلاده ومواجهة أصدقائه قبل أن يذهب لمصر، ويقوم برحلة على النيل على حد ما كتب روبرت إتيزنبرجر عام 1872. وواكب هذه السيطرة إصدار شركة كوك سلسلة كتب مصورة للمسافرين بدءا من عام 1875 بعنوان "على النيل بالبخار" تحفل بصور فوتوغرافية لأشكال الحياة على ضفتي النهر من منطلق ثقافة العالم في المعارض التي كانت رائجة آنذاك، كما تظهر سحر وفخامة الإقامة على السفن النيلية، فارتبطت الرحلات النيلية في أذهان الأوروبيين بشهر العسل الذي قضاه أنطونيو مع كليوباترا، أو بالبحث عن الحيوية والجو الصحي الجاف البعيد عن برد أوروبا وبالإجازات السعيدة والأنشطة الترفيهية، حيث قام كوك بتأجير بعض الذهبيات كأماكن للحفلات وكصالات للرقص وكأنها رحلة في الماضي، أما الإقامة على السفن البخارية فهي إقامة في المستقبل، ومع تعاظم نفوذ شركة توماس كوك الاقتصادي وارتباطها بعلاقات خاصة مع الخديو والعائلة الحاكمة، وأصبح الآلاف من المصريين يعملون في الشركة بشكل مباشر وغير مباشر، وزاد من تعاظم هذا النفوذ حصول الشركة على حق الملاحة وراء الشلالين الأول والثاني وعبر وادي حلفا، إذ تؤمن الشركة الإعاشة للمزارعين وأصحاب الحرف ولمدن وقرى كاملة على ضفاف النهر ولعدد كبير من أهالي بورسعيد والإسماعيلية والسويس خاصة بعد استئجارها لسلاسل من الفنادق هناك وفي القاهرة أيضا.


    حازت الشركة على ثقة الكثير من المصريين الذين وجدوا فيها شريكا عادلا على عكس الأسرة الحاكمة، لذلك وعند قيام الثورة العرابية عام 1882 لم تمس أي من أملاك شركة كوك في كل مدن مصر، بل أصبح للشركة من النفوذ ما يجعلها تصدر بيانا أثناء الثورة يقول: "إن الإنجليز ليس لديهم أية نية لحكم هذا البلد، بل على العكس نحن نتمنى لكم كل ازدهار، وأن تحظوا بحكم رشيد، وإننا على استعداد تام في هذه الظروف لأن نمد من يحتاج منكم بمبالغ كبيرة من النقود الإنجليزية عبر وادي النيل كله". وهنا كشفت الشركة عن وجهها الاستعماري القبيح فقد أصدرت الشركة هذا الإعلان ومدافع ويلسلي تدك الإسكندرية ومراكبها تنقل الجرحى والمصابين الإنجليز للعلاج من الإسكندرية إلى لندن وقبلها بالقطارات من القاهرة، ولم تكتف الشركة بذلك بل أرست ذهبية في المياه العذبة لترعة الإسماعيلية لتكون مقرا لقيادة الجيش البريطاني خلال المعارك، ونظمت عددا كبيرا من الرحلات النيلية المجانية للجنود البريطانيين بعد انتهاء القتال، واستضافت الكثير من أقطاب الصحافة البريطانية الذين غطوا المعارك، فوجه الجيش البريطاني أقصى درجات الشكر والامتنان للشركة باسم ولي العهد "على الترتيبات الرائعة التي قمتم بها وكانت ذات فائدة كبيرة في تحقيق النصر".


    وفي العام التالي للثورة العرابية توثقت العلاقة بين الشركة والحكومة البريطانية، بعد قيام ثورة المهدي في السودان، فقد قامت الشركة بإخلاء المسؤولين البريطانيين وأسرهم من الخرطوم وتوفير السفن النيلية لنقل الجنود وإخلاء الجرحى والمصابين، بل إن الشركة استجابت للحكومة البريطانية عام 1884، وأوقفت كل نشاطاتها في الرحلات لتكرس سفنها بالكامل لخدمة الجيش البريطاني، واستمر الإيقاف حتى موسم 1886. وهكذا نقل 18 ألف جندي وأربعون ألف طن من المعدات حتى وادي حلفا باستخدام أسطول الشركة المكون من سبعة وعشرين مركبا بخاريا وستمائة وخمسين مركبا شراعيا، وبالاستعانة بخمسة آلاف موظف في الشركة، ودمرت كثير من مراكب الشركة بشكل لا يمكن إصلاحه أثناء النقل، ومع ذلك استمرت الشركة في مساعدة الاحتلال بكل شكل ممكن، ولم يمنعها ذلك من التفكير في الأرباح، فسافر كوك الابن بذهبية سودانية مستأجرة إلى دنقلة بعد وادي حلفا لاستطلاع إمكانيات الإبحار هناك، ونظمت الشركة رحلة لآرثر كونان دويل مؤلف شيرلوك هولمز لوادي حلفا عام 1896، واستوحي من الرحلة إحدى رواياته الشهيرة "مأساة كورسوكو". وبنهاية الحرب في السودان كان الأسطول المستأجر من الحكومة المصرية الذي تستعمله شركة كوك قد دمر تماما، وكانت الفرصة سانحة للشركة لكي تبني أسطولها الخاص بعد كل الخدمات التي قدمتها للإمبراطورية، وهكذا قرر جون كوك ابن توماس أن يبني أسطوله الخاص والذي وصفه بأنه مجموعة من القصور العائمة، وأنه سيكون أعظم من أي مركب سبح فوق مياه النهر العظيم منذ عصر كليوباترا، وأصدر كوك كتاب "نصائح للمسافرين في مصر" مزودا بالصور الفوتوغرافية عام 1890، واكتسحت شعبيته أوروبا فصدرت منه اثنتا عشرة طبعة حتى عام 1912.


    وبنهاية القرن التاسع عشر تضاعفت كتيبات كوك، وتضاعف عدد المسافرين بعد الدعاية الكبيرة والسفن الأكثر فخامة والذهبيات المطورة، وأصبحت رحلات الخريف إلى مصر للأغنياء والطبقة العليا ضرورة ثقافية واجتماعية لا بد منها، ودليلا على التحضر، واكتظت فنادق القاهرة بسائحي شركة توماس كوك وولده وتوطدت علاقة جون كوك أكثر وأكثر مع الخديو عباس حلمي الذي منح الشركة تسهيلات أكثر، لكن الصداقة الأمتن جمعت بين كوك واللورد كرومر الحاكم الفعلي لمصر، وبهذا سيطرت الشركة بالكامل على كل شيء في مصر، وهذه الحقيقة أوردتها مجلة بلاك وودز الأمريكية (أغسطس1889)، حيث كتب محررها حرفيا "ببساطة كوك تملك مصر"، ولهذا لم يكن السير جورج نيونز مخطئا في تصريحه؛ فبنهاية القرن التاسع عشر وحلول القرن العشرين كان المبشر صانع الخزائن وولده لاعبين مهمين في مسرح السياسة الاستعمارية البريطانية في مصر، وعنصرين مؤسسين في مشهد الإمبريالية الثقافية الأنجلوسكسونية على مستوى العالم، فتوماس كوك ونظيرتها شركة الهند الشرقية البريطانية في شبه القارة الهندية وشركات ومؤسسات تجارية وسياسية وثقافية وترفيهية وسياحية هي مجرد واجهات للهيمنة والسيطرة على مقدرات الشعوب بدعوى جلب التقدم والحرية والازدهار وغيرها من الشعارات الإنسانية.


   هذه اللعبة لم تتغير منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى الآن، وبعد مرور أكثر من عقد ونصف من القرن الحادي والعشرين اختلفت الأزمنة والوجوه والأسماء وبقيت الأهداف، فالهيمنة الاقتصادية أقوى وقعا وأشد أثرا من مدافع الأساطيل وسيطرة الجيوش.