هيكل .. أستاذ الصحافة في القرن العشرين

19/04/2016 - 10:04:35

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

عبد الله مناع - كاتب سعودي

   ودع الأستاذ محمد حسنين هيكل ـ أكبر الكتاب السياسيين العرب قيمة ومكانة وقدرة ـ دنيانا بعد أن قال كلمته الأخيرة لأبنائه الثلاثة، وقد تحلقوا حوله بـعيون دامعة، وقلوب واجفة، وهم يتنافسون في برنامج علاجه من تداعيات صحية طرأت عليه في الأسبوعين الأخيرين: (انتهت الرحلة.. فلا تعاندوا القدر)! ليموت قرير العين، مطمئن النفس، ولتنتهي بموته حقبة صحفية مصرية رائدة بشموسها ونجومها، الذين كان يتقدمهم الأستاذ هيكل دون شك، رغم علو قامات بعضهم وعظم أهميتهم في الصحافة الرائدة السبَّاقة.. من أمثال: محمد التابعي وعبد الرحمن الشرقاوي وكامل الشناوي وإحسان عبد القدوس.


    إلا أن الذي يهون على ومحبيه وتلامذته وأصدقائه أنه ترك من خلفه رصيدا ضخما من الفكر السياسي المؤرِّخ لمرحلة هي الأعظم في تاريخ أمتنا العربية.. فيما يزيد على ثلاثين كتابا، لعل أهمهما (ثلاثيته): ملفات السويس، وسنوات الغليان، والانفجار. ولعل أجملها: (بين الصحافة والسياسة) و(خريف الغضب)، ولعل أجرأها: (العربي التائه) و(الإمبراطورية الأمريكية)، ولعل أمتعها (زيارة جديدة للتاريخ).. فقد كان الأستاذ هيكل يكتب بـمداد المؤرخ، وروح الأديب، وقبس الفنان، مع حضور صحفي طاغ، لا يتقدم.. ولا يتأخر.. بل يسبق الحدث أحيانا نظرا لتلك الصلات الوثيقة التي جمعته مع أصحاب القرار وصناع الأحداث!


    كان من حسن حظي أن أتعرف على قلمه و(أهرامه) في وقت مبكر من حياتي.. منذ أن وجدت نفسي – في ميعة الصبا – في عروس البحر الأبيض المتوسط (الإسكندرية).. طالبا يتتلمذ في جامعتها، ومجتمع بعثاتها السعودية يتحدث عن مقال مدو، كتبه (الأستاذ).. موجها إلى أحد كبار القادة العرب آنذاك.. بجرأة وشجاعة، لم يستوعبهما جهلي أو بدائية معرفتي الصحفية، على الأقل لطالب قادم من (جدة) لم يقرأ من الصحف غير (بلاد) العريف، و(ندوة) السباعي و(يمامة) الجاسر.. مع مطالعات غير منتظمة لصفحات الأخبار في مجلة (النيوزويك) الأمريكية الأسبوعية.. في محاولات ركيكة منه لترجمة وفهم شروحات صورها الإخبارية.. مستعينا بصورة الحدث على ترجمته وفهم معانيه، ليحتويني قلم الأستاذ هيكل.. إعجابا بـأسلوبه وبمزيج نفسه السياسي التاريخي الأدبي، ولتمتعني صفحة "الأهرام" الأخيرة بأخبارها وأعمدتها، إلا أن ذلك لم يدم طويلا.. فقد شدتني مع مطالع الستينيات صحيفة (الجمهورية)، برؤساء تحريرها الستة أو الخمسة وأقلامهم القديرة المبدعة، الذين مازلت أذكر منهم: الدكتور طه حسين وكامل الشناوي وناصر الدين النشاشيبي وإسماعيل الحبروك.. وبملحقها الأدبي الذي كانت تصدره يوم الجمعة من كل أسبوع بإشراف نيزك الشعر وفنان الكلمة كامل الشناوي أحد رؤساء تحرير الجريدة، والتي أخذت تشارك اهتمامي بها مجلة "روزاليوسف" بمحرريْها الأستاذين (عبدالله إمام) و(محمود السعدني).. وبكتابها الكبار من إحسان عبدالقدوس إلى عبد الرحمن الشرقاوي وفتحي غانم والدكتور مصطفى محمود).. و(يوميات نص الليل) التي كان يكتبها بروح الفيلسوف ورؤى الفنان.. إلى جانب ردوده على مشاكل القراء وهمومهم.


    إلى أن انتهت سنوات الابتعاث، وانقطعت بي أسباب الاتصال بالصحافة المصرية وكتابها، لأجد المعوِّض في إذاعتي: (صوت العرب) بإدارة الإذاعي الكبير الأستاذ أحمد سعيد.. و(الشرق الأوسط) بإدارة الإذاعية البارعة آمال فهمي، وفي القليل من الكتب التي تمكن من كتابتها الأستاذ هيكل خلال رئاسته لتحرير (الأهرام)، والتي غدت مع منتصف الستينيات أكبر صحف العالم العربي وأهمها، وغدا رئيس تحريرها نجم نجوم الصحافة العربية وأهمهم، وهمزة الوصل بين مصر والإعلام العالمي ومفكريه وفلاسفته.. بل ثواره.. وإلى أن مات الرئيس عبد الناصر بعد قمتي (الخرطوم) في أغسطس 1967، و(القاهرة) في سبتمبر 1970.. اللتين توحدت فيهما قلوب العرب، وكان للدعم العربي من المملكة وليبيا الفضل في التحضير لحرب أكتوبر، التي ستشهدها ولاية الرئيس أنور السادات، الذي انتقلت إليه السلطة في مصر.. بسلاسة دستورية، كان مهندسها.. هو الأستاذ هيكل.


    إلا أن السادات قلب المشهد السياسي والاقتصادي في مصر رأسا على عقب، وجاء بنظام جديد لمصر.. سماه كاتب خطبه الجديد الأستاذ أحمد بهاء الدين "انفتاح السداح مداح" الذي كان من ضروراته التخلص من الأستاذ هيكل.. ليقيله من (الأهرام) ويأتي بالأستاذ علي أمين ليدير الأهرام، فكانت تلك الإقالة خيرا وبركة على قلم الأستاذ هيكل، ليثري المكتبة السياسية العربية بذلك العدد الضخم من تلك الكتب المتميزة، والتي يتصدر اهتماماتها: تسجيل حقبة ما بعد الملك فاروق.. إلى ولاية الرئيس السادات، والتي قد يعود إليها العرب ذات يوم.. إن بقوا، ولم يتحولوا إلى أمة سادت.. ثم بادت!!


    مع دورة الأيام، وترؤسي لتحرير (اقرأ) كنت أعاود تواصلي مع صحافة القاهرة، ومع مجلة (روزاليوسف) عبر علاقاتي القديمة السابقة مع أحد أركانها ـ الصديق العزيز الأستاذ عبدالله إمام رحمه الله ـ لتشابه الإصدارين: المجلة الوليدة (اقرأ).. والمجلة العتيدة صاحبة التاريخ السياسي الطويل: الأعظم والأشرس.. (الروزا).. للاستفادة من كوادرها في (الكاريكاتير) والتصوير والإخراج، فكان أن حظيت (اقرأ) بقلم الأستاذ عبد الله إمام كاتبا، وبحجازي رساما للكاريكاتير، وبـعبادة الزهيري مخرجا.. لتقفز على يديه وأفكاره إلى حد منافسة المجلات اللبنانية صاحبة الصدارة في صحافة المجلات.


    وتبعا لهذه العلاقات المتعددة أخذت أتردد على القاهرة.. منذ منتصف الثمانينات، لمعرفة ما يدور في وسطها الصحفي، ولرؤية الصديقين (الإمام) والدكتور سمير سرحان رئيس الهيئة العامة للكتاب، حيث كان يجمعنا الأستاذ عبد الله إمام بكرمه العربي على مائدة عشاء نتحاشر في الجلوس على كراسيها في منزله.. وهي تضم نخبة النخب من كتاب مصر ومفكريها وساستها، وأحسب أن هؤلاء كان لهم فضل تعريف (الأستاذ) بشخصي.. دون أن ألتقيه، رغم أنني أخذت طوال التسعينيات أمضي أيام صيفي في مصر بين القاهرة والإسكندرية، للترويح عن عائلتي وأبنائي.. بينما كان (الأستاذ) يمضي صيفه في لندن ومع ناشري كتبه، الذي اضطر لكتابة (الأصل) فيها بالإنجليزية، ليسهل وصولها إلى المتحدثين بالإنجليزية، ويتفادى منع نشرها في مصر.. لتجري ترجمتها فيما بعد عبر مركز الأهرام للترجمة والنشر إلى (العربية).. ككتاب (الطريق إلى رمضان) مثلا، فقد مُنع الأستاذ بعد تنحيته عن الأهرام من الكتابة داخل مصر.. مما اضطره للرحيل بقلمه إلى لندن وصحيفة الديلي تيلجراف، ليعود بعدها إلى بيروت وصحيفة صديقه سعيد فريحة (الأنوار) اللبنانية المعروفة، ثم ليظهر بقلمه مجددا مع التسعينيات في (أهرام) زميله رئيس تحريرها إبراهيم نافع.. لينشر بعد وقت قصير مقاله الشهير: (استئذان بالانصراف).. ثم لينصرف بعدها عن الكتابة إلى (الفضائيات) وأحاديثها وحواراتها.. إلى أن استعادت قلمه في نهاية التسعينيات مجلة (وجهات نظر)، التي كانت تمثل بحق النموذج والمثل لمجلات "القيمة"، والتي كانت تعتمد على مقال الأستاذ: توزيعا وإعلانا.. إلى أن جاءت الأخبار بـتوعك صحة الأستاذ بصورة خطيرة استوجبت سفره إلى الولايات المتحدة.. للتأكد من دقة التشخيص المصري لحالته!


    ومع قلقي الإنساني على (الأستاذ) وصحته.. كنت آخذ قراري بضرورة زيارته بعد عودته سالما إن قدر الله له ذلك، فلم يعد في الزمن الكثير من الوقت، لتمدني المصادفات السعيدة بدعوة من القنصلية المصرية، لحضور ليلة مصرية على شرف مجموعة صحفيين قدموا لأداء (العمرة)، لأكون من أوائل الحاضرين لتلك الليلة، حيث وضعني منظمو الحفل إلى جوار الأستاذ إبراهيم نافع رئيس تحرير الأهرام، لتستغرقني ساعتي العشاء في حديث متواصل معه حول (الأستاذ) وصحته، والأخبار المزعجة عن خطورتها، فطمأنني بأن النتائج الأولية للفحوصات التي أجراها لا تشير إلى خطورة وضعه الصحي، أو ترديه، وهو ما شجعني على أن أطلب مساعدته في لقاء الأستاذ في أي وقت وفي أي مكان، فرحب بذلك.


   بعد أيام من عودته كنت أهاتفه لأذكره بما تم الاتفاق عليه، إلى أن أخبرني بأن الموعد سيكون في مقره الصيفي ب(برقاش) في السادس عشر من مارس 2004، لأكون في القاهرة قبلها بيومين.. بادئا بزيارة الأهرام ليفاجئني الأستاذ إبراهيم نافع في مكتبه الفاره، بأنه لم يكن ليجلس على مكتب (الأستاذ) في غرفة رئيس التحرير، ولكنه اختار أن يأتي بمكتب آخر يضعه في الجهة المقابلة من غرفة مكتب (الأستاذ) التي كانت كبيرة واسعة بصورة لافتة، تقديرا منه للأستاذ، إذ ليس في ظنه أن هناك من يستحق الجلوس على مكتبه أو على كرسيه!


    بعد فنجان من القهوة.. أخبرني بأن موعدنا مع الأستاذ سيكون عند الثامنة مساء، وأنه سيبعث إليَّ بسيارته، لتصطحبني إلى منزله عند السابعة.. حتى نكون في موعدنا تماما.


    على الثامنة، ووسط حراسة حول بيت الأستاذ إبراهيم وتسهيلات مرورية في طريقنا كنا نصل إلى بيت (الأستاذ) في برقاش، والمكون من دور واحد. وسط هدوء وسكون عجيبين، لا تسمع فيهما غير صوت حفيف الأشجار، ليستقبلنا على بابه (الأستاذ) الذي بدا لي أقصر مما كنت أظن، إلا أنه كان معجونا بحيوية وذكاء لافتين، لأهنئه بسلامة العودة وسلامة الفحوصات، وهو يجلسنا على مقعدين متقابلين أمامه.. ولنبدأ حوارنا الذي امتد معه لساعتين، والذي أجتزئ منه قولي: لقد كتبت كثيرا، ولكنك لم تكتب مذكراتك الشخصية.. حكاياتك.. حكاية الولد والشاب والرجل والكاتب السياسي الذي عاش التاريخ وأسهم في بعض فصوله، فإذا لم تكتبها.. فإن الآخرين سيكتبونها بالنيابة عنك.


   ـ كتب عني الكثيرون كتبا عديدة.. حتى أولئك الذين لم ألتق بهم إلا لدقائق.. كالزميل الأستاذ (مفيد فوزي)، الذي التقيت به ربما لربع ساعة، أو كالأستاذ (عادل حمودة)، الذي التقى بي لنصف ساعة.. إلا أنه استعان بجلسات ومعلومات تلقاها من ابنة أختي!


    وانتهى الحوار الجميل والطويل والمثير الذي قد أنشر نصه ذات يوم، ولم ينته الحب للأستاذ، والتقدير لإنجازاته صحفيا وكاتبا ومؤرخا سياسيا قل نظيره، لتمر بعده سنوات طويلة من العطاء والتألق في حياته، ليفاجئ مصر والعالم كله.. نبأ وفاته، لأسأل نفسي: ترى هل كتب قصة حياته؟


   ولأجيب نفسي: أكيد أنه كتب.. فقد عاش حياة صحفية، هي الأندر بين حيوات الصحفيين جميعا.. حياة تستحق الكتابة عنها، فلننتظر كتابه الجديد.. ونحن نلوح له.. قائلين: وداعا يا أستاذ صحافة القرن العشرين.