عاطف العراقي .. البحث عن المعقول

19/04/2016 - 10:03:50

د . عاطف العراقى د . عاطف العراقى

د. مجدي إبراهيم - كاتب مصري

حظ اللامعقول بيننا أقلُّ بكثير من حظ المعقول!


وحظ الغفلة والجهالة والخرافة أعلى وأرفع من حظ العقل والوعي والاستنارة. والداعون إلى المعقول الباحثون عنه أقل نصيبا من التكريم والرفعة والاعتراف لهم بالجميل من أولئك الذين يسعون في الأرض فسادا ولا يحصدون غير الأوسمة جزاء ما يفسدون!


البحث عن المعقول في ثقافتنا العربية بالإضافة إلى أنه مزيّة فريدة من مزايا العقل المبدع الخلاق فهو كذلك بحث عن أبرز سمات المعرفة العقلية التي من شأنها أن تجعل لهذه الأمة طريقا من التقدم والنهضة، تتضافر فيه الجهود المستنيرة لإقامة بناء فكري يعتمد على العقل وينبذ الخرافة ويشيد بمعطيات التقدم في تلقي المعرفة العقلية التي لا يختلف حول أهميتها بالنسبة للعصر الذي نعيشه إلا الجاهلون المتخلفون.


هذا الاتجاه العقلي هو الاتجاه الذي يفرضه منطق الفكر المتقدّم حين يرى أنه من الضروري قبول الآخر الذي علينا جميعا أن نعترف بقبولنا له، وأن نتحاور معه في جميع مناحي الحياة، بشرط أن تكون لنا أيديولوجية نستند عليها وننطلق في تحاورنا مع الآخرين منها، ولا يمكن قبول الآخر بغير الربط الدائم بين التقدّم والمعقول، وبيان الصلة الرابطة بين اللامعقول والتأخر والتقليد والرجوع إلى الوراء والصعود إلى الهاوية، وجميع مُفْرَدَات الصلة الرابطة تلك هى على الحقيقة معالم على طريق تخلفنا الفكري والروحي والثقافي على وجه العموم.


وإذا نحن فقدنا مجموعة الروابط المشتركة التي تتوافق على مبادئ فكرية محددة تعبِّر عن هُويّة هذه الأمة وأنشطتها الفكرية، وتلزم أبناءها إلزاما ضروريا بمثل تلك المبادئ بحيث يُقال: هذا الفكر عربي؛ فقد فقدنا بالتالي أيديولوجيتنا. وأيديولوجيتنا العربية خيوط متشابكة تنسج من معقولية النظرة، ومن الاعتصام بكل ما هو عقلي إنْ في التصور وإنْ في التطبيق.


وإنه لواجب مقدَّس للأمة العربية نراه لا يتمثل إلا "في الدفاع عن المعقول بحيث تتخذه دستورا لها في حياتها إذا أرادت الانتقال إلى حياة النور والتنوير، وبحيث تترك تماما طريق الظلام، الطريق المغلق المسدود. هذا إذا أرادت أن تكون حياتها في الحاضر والمستقبل أفضل من حياتها الماضية والحالية. إن طريق المعقول هو الطريق الذهبي، والذي يعدُّ معبرا عن أشرف ما في الإنسان في كل زمان ومكان؛ إنه "العقل بغير مُنَازع".


بهذه الكلمات الوضيئة والمستنيرة جاءت الكلمة التي كانت على غلاف كتاب "البحث عن المعقول في الثقافة العربية: رؤية نقدية" والصادر لعدة سنوات عن مكتبة الثقافة الدينية للدكتور عاطف العراقي صاحب أغزر المؤلفات الفلسفية الضافية ورائد الاتجاه العقلاني في الفلسفة العربية، والمثال النادر للأستاذ الجامعي في زمن فقدنا فيه الأساتذة ولم يبق منهم في الغالب إلا الأشباه والأدعياء واللصقاء. هذا المفكر الطُّلعَة الشغوف بالتأليف هو الذي ارتضى لنفسه ولأمته العربية طريق المعقول تسير فيه، خَدَمَ الثقافة والتفكير بجهوده المضنية في سبيل تنوير العقول وتثقيف الأذهان وإعلاء صوت الفكر العقلاني، كان اتَّهم من أناس متخلفي العقول باتهامات هى أبعد ما تكون عن العقل والتثقيف وأدنى ما تكون قرابة إلى اللغط الأجوف يصدر بغير ذي معنى.


وفي الذكرى الرابعة لرحيله - طيَّبَ الله ثراه - يطيب لنا أن نذكره فنتذكر أهم المبادئ التي غرسها في عقول تلاميذه ومريديه؛ فقد ظل أكثر من أربعين عاما متواصلة بغير انقطاع عن الكتابة والتأليف يدعو إلى هذا الطريق الذهبي، طريق العقل والتنوير ويحارب بدعوته المستنيرة أنصار الجمود والانغلاق، ويخوض المعارك ضد خفافيش الظلام في كل مكان. تلك الدعوة التي أدت به إلى وقوفه أمام محكمة جنايات المنصورة في الخامس عشر من مايو 1995؛ لأجل تهمة مُلفقة أثيرت يومها حول مؤتمر كان عقد عن ابن رشد الفيلسوف العقلاني ذي المنزع التنويري، فهمت من خلاله أقوال الدكتور عاطف العراقي فهما خاطئا؛ وأوَّلها البعض ممَّن لا يعرفون عن التأويل حرفا، تأويلا فاسدا يتناسب مع سوء الفهم وسوء الطويّة، فاندفع أحد المحامين إلى أن يرفع قضية ضده وفقا لنظام الحسبة في محكمة جنايات المنصورة، واستمر الموضوع عدة شهور.


ونحن إذْ نذكره نذكر هذا الحادث المأساوي وهو من أثقلها وطأة على شعور الذاكرين، في الوقت الذي تقيّدت فيه حرية التفكير والتعبير؛ ربما كانت الذكرى تنطوي على أنشودة عذبة من الألم فيتفجر منها ينبوعا لا يغيض من جرحات كبار تذكرنا بما كان يَلقاه المفكرون الأحرار من اضطهاد وتعذيب وسجن وتشريد، بل ونفي وقتل وتنكيل. وفي نفي ابن رشد، وتقطيع أطراف الحلاج، وقتل السَّهْرَوِردى، والتشهير بابن عربي، آلام قديمة باقية لهذا العَسَف الفكري الذي يفتعله الأغرار من الجُهَّال، طلاب الزيف الخادع والبهتان المضلل.


كان أثر المحاكمة لا يزال باقيا في نفس أستاذنا؛ إذْ كان من جرائها أن أصيب ببوادر جلطة في المخ استمر يتعاطي العلاج منها يوميا فضلا عن توابعها في تلك السن المتقدمة. ولم يكن ليؤلمه شيء قدر ما كان آلمه في هذا كله، ومع هذا كله، هو أننا نعيش في مجتمع الصراصير وليس في مجتمع النمل والنحل كما كان يقول أديبنا الكبير "توفيق الحكيم" في تحيته التي وجهها إلى "زكي نجيب محمود" في عيد ميلاده الثمانين: مجتمع الصراصير كله قتال وصراع ونزاع، ومجتمع النمل والنحل كله تعاون وتآلف وتساند؛ ولأن أستاذنا لم يجد أحدا من المثقفين يقف بجانبه في تلك المحنة (محنة الثقافة الغائبة والحرية المشلولة) فلقد كان يعتقد على صواب لا يتطرق إليه أدنى خطأ أن الذي يربط المثقفين بعضهم ببعض هو العلاقات الشخصية والمصالح المتبادلة والشللية المُهدرة لكرامة الضمير الأدبي والثقافي من غير اعتبار كثير أو قليل لوجه الحق والإنصاف، أو لوحدة الثقافة العربية وتآلف المفكرين وتعاونهم لخدمة قضايا أوطانهم ومجتمعاتهم، حتى إذا ما سأله أحد عن رأيه في هذا الموضوع أو ذاك، يبادره من فوره: أين كنتم معاشر المثقفين- ردَّ الله عليكم عقولكم - وأنا أقف بمفردي مع المتهمين في قضايا القتل والسرقة والمخدرات أمام محكمة الجنايات؟!


ألا ما أصدق قول "حافظ إبراهيم"، حين قال مُعَبّرا عن قلة عناية المجتمع بالمفكرين والعلماء وأهل الرأي، وحين أطلقها صراحة حكمة علوية نتعزى بها فلا ننتظر من أحد جزاء ولا شكورا:


ويُهْدَرُ فينا الإمام الحكيم


ويُكْرَمُ فينا الجهول الغبي


هذا الإحساس المؤلم الذي ينتاب المفكر المخلص إزاء محنة تلمُّ به هو غصة آثمة في طلوع الثقافة وحلوق المثقفين. ونظرا لسيادة اللامعقول في ثقافتنا العربية وغيبة العقلانية والاستنارة تملّك أستاذنا إحساس دفين بمرارة الخذلان فيمن يزعمون لأنفسهم أنهم من طوائف المثقفين. وقد عبر عنه قائلا: "لقد خرجت من المحكمة وأنا متفائل بالقضاء المصري، وفي الوقت نفسه أعلن تشاؤمي من مستقبل الفكر في مصر".


وقد ظلت آثار تلك المعركة الفكرية التي خاضها أستاذنا إذ ذاك فكان أن أودت به إلى المثول أمام محكمة الجنايات، لكأنما نحن قد رجعنا القهقري إلى ظلمات العصور الوسطي أيام محاكم التفتيش، ظلت تمر عليه ذكراه في نفسه فلا يذكر بعدها إلا اغتيال الحرية الفكرية في أسمى معانيها: العقل، والوعي، والرأي، والتفكير، والتنوير. واغتيال الحرية الفكرية معناه ردّة إلى اللامعقول وغياب المعقول بمقدار غياب الحركة النقدية من المنتج المعرفي والثقافي.


تضمّن البحث عن المعقول قضايا فكرية وثقافية كقضية التنوير وثقافة العولمة، والدفاع عن الاستشراق ومشكلة التأويل في الفلسفة العربية، ومشكلة القيم الخُلقية بين التقدم العلمي ومنجزات الحضارة، وتناول قضايا التراث الفلسفي العربي والموقف منه، ومحاولة تنقيته وإعادة بناءه، وطرح الاتجاهات الفلسفية المعاصرة في العالم العربي ثم كتب عن جامعاتنا العربية وثقافة المقاومة وهل للجسد ثقافة؟ عالج هذا الباب من منظور فلسفي بحثا عن المعقول وأخيرا تطرق إلى التليفزيون وهل طرحت ثقافته قضايا المعقول؟!


أسئلة كثيرة ومهمة في هذه الآونة تتجدد مع الزمن وقد اشتملت على إيجاد حلول من موضوعات تضمّنها الباب الأول من الكتاب في عشرة فصول رئيسة، ثم جاء البحث عن المعقول من خلال مفكرين وأدباء وعلماء كتب عنهم في الباب الثاني: زكي نجيب محمود، وفؤاد زكريا، والآب جورج قنواتي، وعبد الرحمن بدوى، وإبراهيم مدكور، والآب متى المسكين، وكلها موضوعات كتبت بأسلوب شيق ممتع جذاب يخلو من التقعر والتجديف، وينفذ إلى صميم المشكلات الفكرية والثقافية، ويدل على حكمة في القول وإخلاص في التحليل وذكاء في المعالجة.