منير كنعان .. من التأمل الواعي إلى قوة قنص ما وراء المشهد

19/04/2016 - 9:55:50

منير كنعان منير كنعان

مجدي عثمان - فنان وناقد مصري

 دخلت عليه لأجده ولأول مرة منذ زمن معرفتنا واضعا يديه في جيبيه ناظرا يراقب بعض السيارات من مكتبه في مبنى "الأخبار" القديم.. دائما ما كان يلفظ "ماكينة" على الشحنة الداخلية، وربما لذلك إحساسه بغزارة الإنتاج.. كنت لا أحب أشياء من أعمال دالي واتفقنا على الشيء نفسه.


 قليلا ما كنا نتحدث وهو ساكن اليدين بلا فن، إلا مرة سابقة فتح الدرج الرابع من مكتبه ليرني أعمالا من الأربعينيات، لم تُعرض، واتفقنا أن بها بعض التراكيب الماتيسية. كان برجك يفضحك أمامه في تصرفاتك، وينظر في عينيك عند الحديث، يتكلم من شفتين رفيعتين مضغوطتين على بعضهما البعض، لتضيق المسافة بين الاثنين فيخرج الكلام هادئا وخافتا، تقترب لتسمعه، فيصير الحديث حميما، كما يبتسم ابتسامته الحزينة يزيغ منها البصر. تجده يبني عمله الفني من بين الأوراق والكراتين البرتقالية المغلفة للأفلام، ويحسبه حسابا هندسيا عسيرا في بعض الأحيان. يتحرك في منطقة صغيرة قرب حافة مكتبه اليسرى بانفعال كتوم، تحسه من ضغطته على القاطع، وهو يسرد الكلام معك وباهتمام يوازي تعلقه بمنتجه الفنى.


    هو ذلك العائش في يأسه "أعرض لمين؟ ومين يهتم؟ أنا خلاص هاموت".


    آلمته أفعال خسيسة من القليلين، وزاده التغاضي رفعة قدر، فمحيطه الانطوائي الصغير جعله يحس القريبين منه جيدا، ويرفض حتى أفعالهم الصغيرة التي ربما توقعها، ولكنه لم يصدقها حينما وقعت. إنه فنان الكولاج والرسام المجيد منير كنعان (1919 ـ 1999)، ذلك الذي أنتج الكثير والكثير في الجمال النقي، خبرته التأمل الواعي، وقوة قنص ما وراء المشهد، وتفكير الحكيم المستشف لآفاق قادمة، أحس الغلابة وأحبهم، وعلم جيدا أن ضالته في القلعة، في درب اللبانة، في ذلك الجدار المتعب من فعل الزمن عليه، وبصمات من عاشوا معه في اهتراءات أجزائه أو شخابيط أطفاله أو خربشة كائنات كانت ترعى بجواره، من شباك خشبي هده الصراع مع المواسم والرياح، في تلك "القفة" الملقاة بعدما عبث العبل بها، من لون النوبة وحبر الطباعة.


    عام 2001، حين أُقيم معرضه الكبير وشغلت غزارة إنتاجه كافة قاعات "قصر الفنون" ومتحف الفن المصري الحديث بالقاهرة، والتي أعلن فيها عن وفاته في لوحة من دون توقيع، رقم "384"، فكرت في إقامة حوار مشترك بين الابن الوحيد هشام والزوجة الكاتبة والحكاءة سناء البيسي، لم يكن تاما ولا منتهيا لضيق فترة التلاقي في هذا الأمر غير أننا اشتركنا، ثلاثتنا، في أهمية تكريمه، واستقبال زوار معرضه، ولكنني سوف أقفز سنوات فيما بعد هذا الحوار، حيث أردت تكريمه في ذكرى ميلاده في قاعة لإحدى المؤسسات التي كنت استشاريا لها، ورغم أني أهتم بأن أبحث فيما سيُعرض لأي فنان وأختاره بنفسي، لم يكن لي أن أفعل ذلك مع كنعان، فأجدني مرغما بالشغف لأي عمل من أعماله، قديمه وحديثه، فما كان إلا أن طلبت من هشام كنعان أن يختار أعمال لم تُعرض من قبل، حتى أُصبت بصدمة تعجبية حينما وجدت عملا تاريخه 1985 – 1986، يربط بين الولايات المتحدة الأمريكية، وباكستان في أحداث عشناها جميعا، وعرض في معرض لتكريمه، عام 2000 عقب وفاته، ورسم U S A مقلوبة، وإعلانا عن الخطوط الجوية الباكستانية، ثم مجموعة من أظرف الخطابات تسقط منها مادة سوداء.. لقد استشرف كنعان مستقبل ما شاهدناه واقعا وقتها، في خيالاته فترة الثمانينيات!!


    يقول هشام: اسمه منير "داود" كنعان النمر، أصل العائلة "النمر" وكان الجد للأب لبنانيا، والجد للوالدة صعيديا، وكانت العائلة تسكن بالفجالة.


    قال لي كنعان: اكتشفت الباحثة الفرنسية كريستين روسيون أنني رغم مصريتي، إلا أن لدي رؤية تشكيلية عالمية معاصرة، وأشارت في الدراسة إلى أنني أخذت طريقي الحديث مبكرا مواكبا للآخرين في العالم.


    وعن تجربته قال: واجهت رفضا منذ وقت مبكر، ولكني واصلت تجربتي الفنية من منطلق فهمي واستيعابي منذ نهاية الأربعينيات للحضارة المدنية الحديثة، فأنا مصري، عربي، مسلم شربت من ماء النيل وعشت في القاهرة واستوعبت خصائص حضارتي، والفن التشكيلي لغة عالمية لا بد أن يُجيدها الإنسان المعاصر، ومن هذا المنطلق اكتشفت باحثة فرنسية أنني مع مصريتي إلا أن لدي رؤية عالمية تشكيلية معاصرة وأشارت في دراسة بجامعة السوربون عام 1987 إلى أنني أخذت طريقي الحديث مبكرا مواكبا للآخرين في العالم دون أن ألتقيهم.


    وأضاف: لم يقتنع مصطفى وعلي أمين في البداية بمغامرتي الفنية حتى أنهما عندما زارا معرضي الأول في "أخبار اليوم" كانت نظراتهما تعبر عن رأيهما في أعمالي الجدية، وعلى أية حال تغير موقف الأخوين من معرضي عندما فوجئا بصحفي إنجليزي صديق لهما يدخل المعرض ويصاب بالدهشة والانبهار من الأعمال المعروضة، حتى أنه قال إن درجة التقدم الفني في ذلك المعرض توازي التقدم التشكيلي الذي كان في لندن آنذاك، وقد كانت المفاجاة الثانية التي واجهها مصطفى أمين سريعا هى أن جمال عبد الناصر عبر عن إعجابه بغلاف رسمته لمجلة آخر ساعة عن الوحدة بين مصر وسوريا، فما كان منه إلا أن طلب من علي أمين رفع راتبي سريعا.


    قال كنعان: "أنا شخصية غير اجتماعية".. ماذا عن كنعان الإنسان؟ وهل كان ذلك سببا في غزارة إنتاجه؟


    يجيب هشام: طُلب منه بترشيح رسمي من السعودية عمل تصميمات جدارية لمطار جدة الدولي وقت إنشائه فرفض لعدم خروجه من مصر لمدة طويلة – لو تركت مصر أموت – والمرة الوحيدة حينما شارك في بينالي فينيسيا وظل في إيطاليا شهرين ثم عاد إلى مصر، وكان أهم مشروع عُرض عليه هو أن يكون مستشارا فنيا لشركة بنجوين وعرضه عليه مدير الشركة في زيارته لأخبار اليوم وقت معرضه. لقد كان والدي منظما تماما رغم هذه الفوضى ويتكلم عن نفسه بصيغة "هو" ويترك لي بعض الخطابات للتوثيق. كان حساسا جدا، فأتذكر أنه ـ بعد إعلان وقف إطلاق النار عام 1973 ـ أغلق عليه الحمام، ولأول مرة أراه يبكي، وكانت المرة الأولى التي لم أعلم بها عند وفاة صاروخان قبل 1973، وكان يعتبر ذلك ضعفا ولا يحب أن يراه الناس ضعيفا، ومتعته في العزلة والتأمل وانفعاله بالطبيعة.


    وعن كنعان الإنسان المرتبط بالمكان تقول سناء البيسي: كان دائما يسألني، لو ذهبت بعيدا عن مصر أين أجد هواء درب اللبانة؟ أين أجد وجوه أبناء هذا الشعب؟ أين أجد كل هؤلاء الرجال والأطفال والنساء وهم يختلطون بالحياة بقوة وعطف وارتباك، هؤلاء هم الهواء الذي أستنشقه ومنهم تعلمت. كان كنعان يخشى السفر ويتراجع عنه في اللحظة الأخيرة، ولا أذكر أنه اصطحبنا أنا وابنه خارج بوابات القاهرة أكثر من مرات لا تتعدى أصابع اليد الواحدة ودفاعه "يا ماما أرجوك أنا ورايا مليون حاجة وحاجة" ولم يكن وراءه ولا أمامه سوى لوحاته.


    أما كنعان فدافع قائلا: أنا شخصية غير اجتماعية، وما يحدث أنني في انشغال دائم بما أحاول تنفيذه ولكن من المؤكد أن الغربة، بمعنى وجودك خارج الإطار السائد، كانت موجودة بقسوة، أنا إنسان يعمل بجد وقسوة هائلة على نفسه منذ طفولتي، فقد وُلدت يتيما لم أشاهد أبي بينما أشاهد أمي وحيدة بعد موت أقاربي، لم يكن لي أحد، كنت وحيدا تماما، هل ذلك ما جعلني أجد نفسي في العمل الدائم والتعب المستمر؟ أيضا أسهم في الغربة طبيعة الثقافة التشكيلية المتواضعة السائدة لدى المشاهد العربي بصفة عامة، إنها ثقافة الحكاية وليست ثقافة الإحساس النابع من التفاعل بين الإنسان وما يراه ولا سيما في مجال التجريد الذي أعتبره الموسيقى التشكيلية الحديثة التي تحتاج من أجل معرفتها الإلمام بأبجدية الثقافة الحديثة من فنون وموسيقى وآداب وغيرها، لم أكره واقعي، لكني كرهت صياغاته وتعبيراته السائدة، كان الوطن بالنسبة لي دائما حضارة قوية عملاقة قادرة على أن توفر الدفء لنا جميعا، لا أستطيع أن أتنفس خارج القاهرة، أعاني فيها وأتعب وأزهق، ولكن بعيدا عنها يختفي الهواء.


    قال عن أعمال في مرحلة الستينيات، بعد عرضها الثاني عام 1979 بعد عرضها الأول عام 1961: الستينيات ما هى إلا مرحلة واحدة بخامات مختلفة بدأت من 1956 حتى 1964 وكنت أعبر بكل الخامات عن انطباع واحد وكيفية التخلص من تاريخي القديم كفنان صحفي، فكان تعبيري عن المارة والشارع المصري والحياة المصرية من خلال الخامات هو توجيه نظر الشخص العادي إلى الطبيعة كنوع من الجمال المطلق الذي لا يلتفت إليه أحد.


    وعن أسلوبه في العمل تقول سناء البيسي: لا أجد أبلغ من أنه كان يأكل ويشرب وينام ويصحو ويحيا فنا. أتذكره قادرا على أن يرسم بيده اليمنى واليسرى بالإتقان نفسه، شهية جنونية للرسم تسرق ساعات نومه.. الألوان تأخذ فجأة لون ذاكرته. توفي كنعان على مرحلتين خلال العام الأخير من حياته (1999): أولاهما مع بدايات الوهن الذي دب في أطرافه بالتدريج، ومات كنعان عندما انتقل إلى المستشفى بعيدا عن لوحاته التي كانت تحيط سريره الصغير كفراش طفل حتى لا يحتل حيزا يستقطعه من أحضان مرسمه المكدس باللوحات التي تحاوره.


    وتتذكر البدايات: التقيت كنعان في السنة الأولى لدخولي الجامعة، كان يستشعر بداخلي جمالا التقطته عيناه فيطلب مني تسجيله في لوحة غلاف، فأطعت منساقة مبهورة منومة لأجلس أمامه موديلا أحتضن فروع زهر المشمش.. جذبتني إليه تلك الابتسامة الحزينة التي تفضح كالبلور الصافي ما يدور في رأسه.. لم يكن يستطيع الكذب وكنت لا أحاصره لأسأله حتى لا يضطر للكذب أمامي.


    قال كنعان: ارتبطت بسناء البيسي عام 1956، أخذتها من يدها وتركت العالم خلفي، إنها من وقائع معنى المغامرة والاختيار في حياتي.


    هذه خواطر تستدعيها الذاكرة بمناسبة معرض كنعان الذي افتتح يوم 14 مارس 2016 في قاعة "أفق" بمتحف محمد محمود خليل بالقاهرة.