أدهم وانلي .. رفع الراية البيضاء في قمة تألقه!

19/04/2016 - 9:54:36

ادهم وانلى ادهم وانلى

محمود عوض عبد العال - كاتب مصري

نقطة الانطلاق عند فنان الإسكندرية الكبير أدهم وانلي.. مولده عام 1908 بعد أخيه الأكبر سيف وانلي بعامين. من أسرة عريقة في قصر الجد للأم (محمد عرفان باشا) بمحرم بك، وسط غرف تتوزع فى أركانها اللوحات الفنية المختلفة والكثيرة، إلى جانب مكتبة كبيرة تضم مراجع فرنسية وكتبا تراثية مزينة برسوم الفن الإيراني وعلى جدران القصر لوحات بالخط العربي والفارسي، وكل هذا وسط حديقة غنية بالأشجار النادرة والزهور وبعض أشجار الفاكهة.


    هذا العالم من البهجة الكرنفالية داخل القصر لم يستمر بعد وفاة الجد، لتستقبل الأخوين الحياة اليومية للموظفين الكادحين. سيف موظف بأرشيف جمرك ميناء الإسكندريه، وأدهم موظف بمخزن الكتب بالمنطقة التعليمية، وقد حصلا على شقة مناسبة تطل نوافذها على مسرح سيد درويش.


    الأخوان وانلي كلاهما نموذج للفنان العصامي، فلم يدرسا الفن في كلية الفنون. بل نجحا في حياتهما الفنية لينضما كعضوين بهيئة التدريس بكلية الفنون الجميلة عند إنشائها عام 1957.


    مسيرة الفنان الساحر أدهم وانلي هي رحلة "الأخوين وانلي"، فلم يتفرقا أبدا. تعرفا على كل من الرسام الإيطالي (أرتوروزا نيري)، و(أوتوررينو بيكي) خريج أكاديمية فلورنسا. وتتلمذا عليهما منذ عام 1929 ولأربع سنوات حين أغلق (بيكي) مرسمه عائدا إلي إيطاليا، ليفتتح الأخوان وانلي مع صديقيهما الفنان أحمد فهمي والمخرج محمد بيومي مرسما لتعليم الفن عام 1934 في شارع  يحمل  اسم (أدهم وانلي) عقب وفاته عام 1959.


    تميز الأخوان (وانلي) بغزارة الإنتاج المتميز مع متابعة لكل ما ينشر حول الفن التشكيلي المعاصر ومدارسه المتنوعة. وفي عام 1932 أعلنت التجربة الفنية لأدهم وانلي عن وجودها، حيث نال الميدالية الذهبية في مسابقة الرسم الساخر (الكاريكاتير) الذي زاوله فترة من الوقت، ونشر رسومه لسنوات فى مجلتي (روزاليوسف) و(المصور) وصحيفة (الأهرام) وهو صاحب الخط المائل لاسم (روزاليوسف) والمستمر حتى اليوم.


    ولكن شقيقه (سيف) خاف عليه أن يأخذه فن الكاريكاتير بعيدا عن التصوير خصوصا وقد شعر بمدى سطوة هذا الفن عليه، وتعلقه به، إذ وصلت نزعته الساخرة إلى لوحاته الزيتية.. وتوقف أدهم عن نشر رسومه الكاريكاتير.


    (أدهم وانلى)، ذلك الملاكم القديم والمولع بقراءة كتب التاريخ والمعارك الحربية وسير الأبطال.. من أمهر الفنانين العالميين الذين خاضوا مجال الرسوم السريعة المنفذة بالقلم الرصاص والألوان المائية. فكانا يوميا يشاهدان عروض الفرق الأجنبية المتعددة الجنسيات على مسرح سيد درويش، ويرسمان المشاهد والشخوص وعروض الأوبرا العالمية. وقد لفتا الانتباه إليهما، وإلى أهميتهما التعبيرية فى استكناه ما يعيشه بعمق فنان السيرك أو الأوبرا من توزيع حاد بين فرح ظاهرى وحزن دفين، والدور الذى يقدمه للمشاهدين من فن راق تحركه الموسيقى والأضواء.


    تراكم الإنتاج الفنى الغزير فى المرسم دون مشتر، ولا توجد نقود، والحزن فى القلب من العمل الوظيفى فى المخازن. ومن خلال صديق ألمانى حقق لهما أول بيع للوحاتهما. لتقبل عليهما صالات بيع اللوحات، ثم استطاعا الاشتراك فى معارض متعددة داخل مصر وخارجها، فى كل من باريس وروما وبينالى إيطاليا وبينالى ساو باولو بالبرازيل والصين وموسكو وإنجلترا وسويسرا والسويد والنرويج وألمانيا والأرجنتين.


   ذاعت شهرة أدهم وانلى فى الأوساط الفنية العالمية، ذلك الفنان المرهف، الذي يقف من التجارب التجريبية بتحفظ عكس أخيه (سيف) الذى امتد به العمر والتجربة فى كل المدارس المعاصرة، الأمر الذى دفع العديد من النقاد الفرنسيين إلى إجراء مقارنة بين أعمال (أدهم وانلى) وأعمال الفنان الفرنسى الكبير ديجا الذى تخصص فى رسم سباق الخيل والباليه والسيرك والمسرح.. مقارنة رفعت من قدر الإعجاب بأدهم وانلى فى أوروبا.


    الأخوان وانلى سجلا (النيل فى بلاد النوبة) عام 1959 قبل أن تغمرها مياه السد العالى، فى أكثر من أربعين عملا. وليس أمامنا تعبير عن السلام أقوى من لوحة (أدهم وانلى) من قبلة بين فلاح وزوجته فى الحقل.


    حاول (أدهم) ذو الجسد النحيل، مجاهدة المرض الذى ألم بصدره شهورا طويلة وحوله حشد من الفنانيين وطلاب كلية الفنون الجميلة وتلميذته (فانى) التى كانت ترافقه فنيا إعجابا وتقديرا وحبا ورعاية طبية. إلا أن الجسد المرهق قد ضاق ذرعا بالعيادات والمستشفيات بلا شفاء، ورفع الراية البيضاء ساكنا فى هدوء يوم 20 ديسمبر 1959، تاركا شقيقه (سيف) وحيدا، وكان سنده وقوته وعينيه.


    يعتصر الألم أي مواطن مصري وهو يشاهد ـ عقب 25 يناير 2011 ـ السطو المسلح على مبنى محافظة الإسكندرية ومحرقة التراث الفني الذي كان موجودا بقاعة المؤتمرات الكبرى والمشيدة منذ أكثر من قرن ونصف القرن. وأتت المحرقة على لوحات أصلية لعمالقة الفن في مصر.. محمد ناجي وأدهم وانلي ومحمود سعيد وحسين بيكار وعبد الهادي الجزار وحامد عويس. لوحات لا تقدر بثمن، تؤرخ لتاريخ مصر الوطني عبر العصور. جهد فني وإنساني وثقافي لأجيال مناضلة تشكلت من ضمير الأمة المصرية.