مسرحية « الحلال » .. الفكر في مواجهة ملاك الحقيقة المطلقة

19/04/2016 - 9:53:47

مسرحية « الحلال » مسرحية « الحلال »

د.وفاء كمالو - ناقدة مصرية

يشهد المسرح المصرى حضورا مبهرا لتجربة "الحلال" التى يقدمها حاليا مسرح الطليعة، حيث يأتى العرض كحدث مسرحى رفيع المستوى، يستحق التوقف أمامه باعتباره سبقا فكريا وفنيا مستنيرا، يتناول فلسفة الفكر الجهادى، وضرورات التجديد والتأويل، فى إطار درامى مدهش يمتلك مقدرة عارمة على الوصول للقاعدة العريضة من الجمهور.


    كانت المواجهة ساخنة صادمة، تحمل فى أعماقها بكارة فنية متوهجة تلامس خطايا الواقع، ومجون الحقيقة، ترسم أبعاد إدانة صارخة لوجود مستحيل، يندفع بقوة نحو الانهيار والدمار، وفى هذا الإطار تواجهنا مسرحية "الحلال" بموجات الوعى والفكر وإيقاعات الجمال، اخترقت تابوهات الجمود، وانطلقت إلى آفاق مغايرة، لتكشف عن لغة إبداعية جريئة ساخنة، اشتبكت بقوة مع ملامح زمننا الوحشى، المسكون بالقسوة الداعرة، والشرور الآثمة، والسقوط إلى حضيض الوجود.


    إذا كانت أزمتنا الثقافية والفكرية أزمة عقل جامد، وأسلوب تفكير أحادى، يتبنى منطق امتلاك الحقيقة المطلقة، فإن هذه الأزمة تتخذ الآن شكل انفجارات فعلية وضمنية متوالية فى العالم العربى، فنحن لا نهتم بالعقل العلمى النقدى، قررنا استبعاده وعدم الاقتراب منه، فانتفت الفعالية الإنسانية، وضاع العقل الذى ينتج التطور والتقدم والحضارة، وبما أن قانون الحياة الطبيعية والاجتماعية هو التغيير، فإن قانون الفكر هو التجديد، ذلك التجديد الذى يصبح مطلبا ملحا، حين تتأزم الظروف على المستويات الاجتماعية والسياسية والثقافية والفكرية.


    من المؤكد أن التجديد فى أى مجال يجب أن يكون فى سياقه التاريخى الاجتماعى، وفى إطاره السياسى والفكرى، لأنه لا ينبع من رغبة شخصية، وهو ليس حالة فكرية طارئة، لكنه هو الفكر حين يتجاوب مع الأصول التى ينبع منها، وهكذا يتضح أن التجديد هو تحقيق التواصل الخلاق بين الماضى والحاضر، وهو الخروج من أسر السائد والكائن، ومن إعادة إنتاج الماضى، ومن التبعية الفكرية التامة للغرب، عبر التحليل العلمى التاريخى والنقدى للتراث والفكر المعاصر، حتى نتجاوز الهزائم والانكسارات العربية.


    يتميز نص "الحلال" لمؤلفه الشاب أشرف حسنى، بالواقعية الشرسة، والشاعرية المثيرة، والتوترات الساخنة، اشتبك مع السياسة والتاريخ والحرية، وعذابات الإنسان، وطرحها عبر جماليات الدهشة الصادمة والجدل الثائر والوضوح القاسى، وتظل الكتابة تموج بالتساؤلات المقلقة، التى تخترق جمود الصمت، وتمزق الأقنعة لتنطلق إلى وجود رحب، مشحون بالثورة والتمرد والرغبة فى امتلاك الكيان والحرية.


    تناول المخرج محمد إبراهيم هذا النص ليضعنا أمام مفارقات الدهشة والجمال، بعث حالة مسرحية تموج بالوهج والحرية، كانت بصماته واثقة، ومفرداته ثرية، اتجهت تصوراته نحو اختراق الصمت، وتفجير الزيف، واشتبك مع وقائع القهر والتسلط والاستبداد، كان مختلفا فى طرح تساؤلاته، بارعا فى الأسلوب الذى وضع به الشخصيات فى مواجهة مع الفن والحياة، لذلك ظل الصراع النفسى والاجتماعى، متصاعدا عبر لحظات التكشف المبهر لانهيار منظومة القيم وسقوط الإنسان.


    تدور الأحداث فى إطار تشكيل سينوغرافى متميز، يأخذنا إلى كهف على سفح الجبل البعيد، البدايات الأولى تأخذنا إلى مشاغبات الوعى، حيث يتقاطع صوت الشيخ الشعراوى مع كلمات البابا شنودة، ورؤى جمال عبد الناصر، فى اشتباك سريع يدين الفتن والإرهاب، ويؤكد أن المسيحيين جزء أصيل من تاريخ مصر، وفى هذا السياق تنطلق إيقاعات الضوء، ونتعرف على القائد الجهادى العنيف، نراه كأيقونة سوداء، يرفع السلاح بقوة ويندفع عبر خطوط الحركة الى العمق واليسار، يتحدث مع زميله صلاح، الذى نراه منكمشا مبعثرا، تكشف مشاعره ولغة جسده عن عذاب أليم، يتضح عبر الحوار الجميل، الذى يعترف فيه أنه قتل، حرق وفجر ودمر، كى يكون مسلما، كما علمه الأمير، لكنه الآن معذب بالشك، تلاحقه وجوه من قتلهم، وتلون أحلامه بالدم، يراهم فى صحوه وفى كل اللحظات، يؤكدون أن انتقام الله قادم. كان القائد الجهادى على استعداد دائم لسفك الدماء بنفس هادئة  مطمئنة، كان قادما لتوه من عملية إرهابية قتل فيها مئات الأبرياء، يبكى فرحا ويشكر الله، يصلى ويدعو قائلا: اللهم أنت المنتقم الجبار، اللهم خذهم أخذ عزيز مقتدر. فقد كان القائد مؤمنا بفكر الأمير، ينفذ الأوامر بهستيريا محمومة، فقد فيها العقل والمنطق والوعى والمشاعر.


    تمتد إيقاعات الوهج والجمال، ويأخذنا الضوء الدرامى إلى مقدمة المسرح، لنعايش ميلاد ذلك الصراع النارى العنيد، حيث يندفع القائد مؤكدا لصديقه وللجمهور: نحن الحقيقة الواحدة المطلقة، مثلنا هو الله ورسوله، الآخرون كفرة، احفظ القرآن لتقتل بنفس مطمئنة. وفى هذا السياق تتضح ملامح أزمة العقل العربى، وندرك جيدا مأساة من يظنون أنهم امتلكوا الحقيقة المطلقة، وعبر خطوط الحركة وموجات الضوء، يتجه صلاح إلى عمق المسرح ليخبر قائده أنه قرأ القرآن، ووجد أنه لا يؤيد تصرفاتهم الإرهابية: يدين القتل، ويحرم الدم، ويدعو إلى التفكير وإعمال العقل، ويمنح الإنسان حرية الاختيار، ولكن القائد الجهادى يرفض منطقه، ويؤكد بعنف صارم أن الأمير أفهمه عكس ذلك.


    تكشف رؤى المخرج محمد إبراهيم عن تفردها المثير، حيث تكتمل أبعاد الفكر الجهادى عبر إيقاعات الفن، وخصوصية الجمال، فيتقاطع الغناء مع الكوريوجرافيا والاستعراض، ولغة الجسد، لنعايش تفاصيل منظومة القوة والإصرار والاستبداد، حين يرفع الإرهابي السيفين المتقاطعين، يتحرك بعنف وحشي ثم يتوقف مذهولا أمام زميله الذى قرر ألا يشترك فى القتل مجددا، تلك الحالة التى تجاوزت حدود الجمال المألوف، ولامس المتلقى حقيقة اللحظة الذهبية النادرة، التى استعاد فيها صلاح روحه وإنسانيته، وظل ينادى الله بحثا عن الخلاص، وعبر تقاطعات الضوء تأتى زهرة، بفستانها الأحمر ووجهها المغطى تماما، تسأل الإرهابى عن الفراش، فيخبرنا أنها امراة شريفة، تجاهد بالنكاح، وأنها ملك يمينه، ويأخذها ويمضى، بينما يردد صلاح أن ما يحدث هو زنا، وعبث وغياب.


    ينام الشاب، تعود إليه أحلام الحب والحياة، وتمتد تيارات المشاعر ونعايش إيقاعات الجدل المثير، حين نتعرف على تفاصيل حياة الرجلين، التى تكشف رغم اختلافها، أنهما ضحايا الفقر والقهر والجهل والعذاب والاستعباد، كان القائد الجهادى طالبا فى كلية الطب، حولته الظروف المعقدة إلى كيان مشوه، كفر بكل شيء، وكره كل شيء، ضاع الحلم والمستقبل، والوطن والحياة، فتحول ببساطة إلى إرهابي قاتل.


    تأتي اللحظة الفاصلة، يصل الأمر بضرورة تفجير مدرسة اللغات القبطية، ويعود صلاح إلى تأكيد قراره بأنه لن يخرج مع قائده للقتل والتفجير، خطوط الحركة والضوء وجماليات الأداء تأخذنا إلى ذروة إنسانية مدهشة، حيث يندفع الجهادى ليخرج وحده، بعد أن أدرك حجم عذابات صديقه، فيمضى. ونعايش تيارا مبهرا من الغناء الصوفى الحنون، وفى هذا السياق تأتى زهرة، تخبر صلاح أنها مثله، تقرأ وتفكر، وأنها معذبة بالكهف والدم وطاعة الأمير، فيقرر على الفور أن يساعدها لتهرب، فهى آخر أمل له فى الخلاص.


    يبقى الفتى ليأخذ حق نفسه، يستغرق فى الصلاة، بينما يعود زميله رافعا سلاحه، الضوء الأحمر يلخص عذابات القادم، فقد فشلت مهمة التفجير، وهربت زهرة، وأهدر الأمير دم الشاب، وطلب من القائد تنفيذ قتله، وهكذا يأخذنا التشكيل السينوغرافى إلى أجمل لحظات العرض، حيث الإرهابى القاتل فى المقدمة، يقف بقوة عنيدة، وفى يده الخنجر، بينما يركع الشاب فى هدوء، يتحدث عن الوطن، عن الموت والخلاص، يدعو صديقه أن يقترب مؤكدا: تستطيع أن تقتلني، لكن لن تقدر على قتل وطن. وبالفعل يندفع إليه بالخنجر ويطعنه، ويظل المشهد ثابتا يبعث فيضا من الدلالات والتساؤلات.


    شارك فى المسرحية مجدى رشوان، محمد صلاح، نهى العدل ورحمة، وقد بلغ الأداء التمثيلى لفريق العمل حد الجمال الخلاب. كان الديكور لهبة عبد الحميد، والاستعراضات لمحمد صلاح آدم، وكانت الإضاءة الدرامية والموسيقى لمحمد إبراهيم.