ذكرى شكسبير في مصر بين 1916 و2016

19/04/2016 - 9:52:55

" روميو وجولييت ط زيفريللى

سمير فريد - ناقد سينمائي مصري

    23 أبريل ذكرى ميلاد ووفاة شكسبير (1564 ـ 1616)، فقد توفي في نفس يوم مولده، وقد اختير هذا اليوم ليصبح اليوم العالمي للكتاب. وفي 23 أبريل 2016، تمر 400 سنة على وفاة شكسبير. العام من بدايته إلى نهايته هو عام شكسبير، وأغلب دول العالم تشارك في الاحتفال الذي يبلغ ذروته 23 أبريل عند البعض، أو يبدأ في هذا اليوم عند البعض الآخر.


يقتصر الاحتفال في مصر، خلال الشهر الجاري، على عرض خمسة أفلام عن مسرحيات لشكسبير تحت عنوان "يوم شكسبير"، في إطار البرامج السينمائية في مكتبة الإسكندرية: ("ماكبث" ويلز، "ماكبث" كوروساوا، "ماكبث" بولانسكي، "روميو وجولييت" زيفريللي، "ضجة فارغة" برانا). وغير ذلك.. لا كتب تصدر، ولا أبحاث تناقش، ولا مسرحيات تنتج، ولا قصائد تقرأ، ولا معارض للكتب أو للصور، سواء في مصر أو في العالم العربي، وكأننا أصبحنا خارج العالم، أو نحن خارج العالم بالفعل.


صدر في كتاب "الهلال" عام 1992 كتاب من جواهر الكتب للعلامة رمسيس عوض بعنوان "شكسبير في مصر" عن ترجمات وعروض مسرحيات شكسبير في مصر في العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين الميلادي من 1900 إلى 1930. وفي هذا الكتاب يرصد المؤلف احتفال مصر بذكرى مرور 300 سنة على وفاة شكسبير عام 1916، منذ مائة عام تماماً. ويذكر أن جريدة "المحروسة" وصفت في عدد 3 مايو 1916 احتفال كلية الآداب في الجامعة المصرية على النحو التالي:


"بدأ الاحتفال بكلمة إسماعيل حسنين باشا وكيل وزارة المعارف وعضو مجلس إدارة الجامعة، ثم ألقى مستر بيرسيهوايت أستاذ الأدب الإنجليزي في الجامعة كلمة تناول فيها أثر شكسبير في الإنسانية. وتلاه السيد ميكيمان أستاذ الأدب الفرنسي بالجامعة الذي ألقى حديثاً عالج فيه أثر شكسبير في الأدب الفرنسي. كما ألقى قطعة من نظم شكسبير مترجمة من اللغة الإنجليزية إلى اللغة الفرنسية. وأخيراً تحدث توفيق دياب إلى الحاضرين عن حياة شكسبير، ومثل باللغة الإنجليزية قطعة من رواية "يوليوس قيصر" مع أشراف روما وموقف مارك أنطوني المؤثر، فأجاد وأبدع، ثم أعاد القطعة باللغة العربية ومثلها بلسان عربي فصيح يدل على مقدرته الفنية والأدبية". والأرجح أن يكون المقصود مونولوج أنطوني بعد اغتيال قيصر. وكان توفيق دياب (1886 ـ 1963) الصحفي الكبير بعد ذلك، من الخطباء المعروفين في ساحات الخطابة آنذاك.


ويذكر رمسيس عوض أن لجنة تكونت في بريطانيا بمناسبة الاحتفال وطلبت من فحول الشعراء في جميع أنحاء العالم أن ينظموا قصائد عن شكسبير لنشرها في مجلد واحد بعد ترجمتها للإنجليزية في مارس 1916. وأن اللجنة اختارت حافظ إبراهيم (1872 ـ 1932) ليمثل شعراء العربية في هذا الاحتفال الأدبي الكبير. وأسهم شاعر النيل بقصيدة مطلعها:


يُحَيّيكَ مِن أَرضِ الكِنانَةِ شاعِرٌ


شَغوفٌ بِقَولِ العَبقَرِيّينَ مُغرَمُ


وَيُطرِبُهِ في يَومِ ذِكراكَ أَن مَشَت


إِلَيكَ مُلوكُ القَولِ عُربٌ وَأَعجَمُ


ويذكر رمسيس عوض أن أحمد لطفي السيد (1872 ـ 1963) نشر مقالاً مستفيضاً في جريدة الأهرام عدد 22 أبريل 1916 تناول فيه الاحتفال بشكسبير، وبلغ حماسه حداً جعله يطلق عليه "شاعر الإنسانية" وليس واحداً من شعراء الإنسانية.


كانت مصر عام 1916 تعاني من الاحتلال الإنجليزي، ولكن أحداً لم يقل كيف نحتفل بشاعر الإنجليز وهم يحتلون بلادنا. كانت كل الاعتراضات على ضعف قصيدة حافظ من الذين يفضلون شعر أحمد شوقي (1868 ـ 1932)، وأنه كان من الواجب على لطفي السيد أن يذكر أن لدى العربية شاعرا يضاهي شكسبير، وهو أبو العلاء المعري.


مائة عام تماماً تفصل بين مصر 1916 ومصر 2016. كانت مصر عام 1916 تعيش المرحلة الثالثة من تطورها نحو الحداثة في عهد عباس حلمي الثاني بعد المرحلة الأولى في عهد محمد علي في بداية القرن التاسع عشر، والمرحلة الثانية في عهد إسماعيل في الثلث الأخير من ذلك القرن. كانت مصر تحتفل بشاعر الإنجليز، وتستعد للثورة ضد الاحتلال الإنجليزي عام 1919، ولا تخلط بين الأمور، وتتفاعل مع العالم. مصر عام 2016 بعد ثورتين من أجل الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية واللحاق بعصر ما بعد الحداثة، لا تحتفل بشكسبير مع العالم بما يليق بمكانتها الحضارية وكأنها جزيرة معزولة تبدأ من الإسكندرية وتنتهي في أسوان.


لم تكن هناك وزارة للثقافة عام 1916، ولا مجلس "أعلى" للثقافة، ولا "قطاع" للعلاقات الثقافية الخارجية، ولا "صندوق" للتنمية الثقافية، ولا مركز "قومي" للترجمة، كما هو الحال عام 2016. كانت هناك ثقافة من دون وزارة عام 1916، وفي 2016 وزارة من دون ثقافة.