« نهاية الرجل الأحمر » زمن خيبة الأمل

19/04/2016 - 9:50:12

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

سفيتلانا ألكسيفيتش - ترجمة: لطفي السيد منصور - مترجم مصري

 مسلحة بجهاز تسجيل وقلم، تصر سفيتلانا ألكسيفيتش، بحدة، واهتمام وإخلاص فريد من نوعه، على إبقاء هذه المأساة - الاتحاد السوفييتي - على قيد الحياة في الذاكرة، من خلال حكي التاريخ الصغير لمدينة فاضلة كبيرة. "كان لدى الشيوعية مشروع عبثي: تحويل الإنسان "القديم"، آدم العجوز. وحدث ذلك... خلال سبعين عاما وقليل في مختبر الماركسية اللينينية تم خلق نوع معين من الإنسان، هومو سوفيتيكيوس". وهذا ما درسته منذ كتابها الأول الذي نشر عام 1985، هذا الرجل الأحمر المحكوم عليه بالاختفاء مع انهيار الاتحاد السوفييتي الذي لم يلاحق بمحاكمات نورمبرج على الرغم من ملايين الوفيات جراء النظام.


    عبر موسيقى قداس الموتى الرائعة هذه، تكتشف مجددا مؤلفة التضرعات نموذجا أدبيا بوليفوني فريدا، يدوي بأصوات مئات الشهود المكسورين. مذلين ومعتدى عليهم، أناسا طيبين، وآخرين أقل طيبة، أمهات مبعدات مع أطفالهن، ستالينيين سادرين على الرغم من الجولاج (معتقل في سيبريا)، متحمسين للبيريسترويكا متحيرين أمام الرأسمالية المظفرة واليوم مواطنون يقاومون تشييد الدكتاتوريات الجديدة.


    منهجها: "أطرح الأسئلة ليس حول الاشتراكية، ولكن حول الحب، الغيرة والطفولة والشيخوخة. حول الموسيقى والرقص، وقصة الشعر. حول آلاف من التفاصيل لحياة اختفت. إنها الطريقة الوحيدة لإدراج الكارثة داخل محيط مألوف ومحاولة حكي شيء ما. تخمين شيء ما... التاريخ غير معنيّ إلا بالحقائق، بينما العواطف، دائما ما تبقى في الهامش. وليس من المعتاد السماح لها بالدخول إلى التاريخ. أنا أنظر إلى العالم بعيون أديبة، وليس مؤرخة". في النهاية يبقى هذا السؤال المؤلم: لماذا هذه التعاسة ؟ التعاسة الروسية؟ لا يمكن تصفية هذا الانطباع بأن هذا البلد كان "الجحيم من كوكب آخر". (صوفي بينيش)


نهاية الرجل الأحمر أو زمن خيبة الأمل


الحقيقة أن الضحية كما الجلاد كانا وضيعين. وأن الدرس المستفاد من المخيمات هو أخوة الحقارة.


دافيد روسيه (أيام موتنا)


في أي حال، لا بد لنا تذكر أن هؤلاء المسؤولين عن انتصار الشر في العالم، ليسوا المنفذين العميان ولكن الأرواح المتبصرة التي تخدمه بشكل جيد.


فريدريش ستيبوهن


ما كان وما يمكن أن يكون


ملاحظات متواطئة


    نحن على مشارف وداع الحقبة السوفييتية. لهذه الحياة التي كانت حياتنا. أحاول الاستماع بأمانة إلى كل من شارك في الدراما الاشتراكية... كان لدى الشيوعية مشروع عبثي: تَحَوُّل الإنسان "القديم"، آدم العجوز. وحدث ذلك... وربما هذا هو الشيء الوحيد الذي يكون قد حدث. خلال سبعين عاما وقليل، ابتكر في مختبر الماركسية اللينينية نوع معين من الإنسان، هومو سوفيتيكيوس. البعض ينظر إليه على أنه شخصية مأساوية، البعض الآخر يتعامل معه مثل سوفوك (كلمة مشتقة من سوفييتي، للسخرية من الشعب المؤدلج)، سوفييتي بائس مبتذل. يبدو لي أني أعرف هذا الإنسان، بل أعرفه بشكل جيد جدا، عشنا جنبا إلى جنب لسنوات عديدة. هو – أنه أنا. إنهم الناس الذين أخالطهم، أصدقائي، والداي. لقد تجولت في جميع أنحاء الاتحاد السوفييتي السابق لعدة سنوات، وذلك لأن إنسان العصر السوفييتي، ليس فقط الروسي، ولكن أيضا البيلاروسي والتركماني، والأوكراني، والكازاخستاني... الآن نحن نعيش في بلدان مختلفة، نتكلم لغات مختلفة، ولكن لا يمكن دمجنا مع أي شخص. يعترف بنا الجميع الآن! نحن أناس الاشتراكية، نشبه كل الأناس الآخرين، ولا نشبههم، لنا قاموسنا الخاص، مفاهيمنا الخاصة عن الخير والشر، عن الأبطال والشهداء. لدينا علاقة خاصة بالموت. في قصص تعود بشكل دائم لكلمات تؤذي الأذن، كلمات "تجرجر بعنف" "تطلق النار"، "تصفي"، "ترسل إلى القطب"، أيضا تنويعات سوفييتية عن الاختفاء مثل "الاعتقال"، عشر سنوات دون حق "التراسل"، "الهجرة". ماذا يمكن أن تكون قيمة حياة الإنسان إذا ما فكرنا أن ليس هناك وقت طويل، أن ملايين من الناس كانوا يلقون حتفهم نتيجة العنف؟ تملؤنا الكراهية والتحيز. أتينا جميعا من هناك، من هذا البلد الذي شهد الجولاج والحرب المريعة. العمل الجماعي، الديكولاك (حملة قمعية ضد مالكي الأراضي والمزارع لانتزاع أراضيهم من أجل المزارع الجماعية)، ترحيل شعوب بأكملها...


    كانت هذه الاشتراكية، وكانت هذه حياتنا، بكل بساطة. في ذلك الوقت، لم نكن نتحدث عن ذلك كثيرا. لكن الآن حيث تغير كل شيء على نحو لا رجعة فيه، هذه الحياة التي كانت حياتنا تهم الجميع، بغض النظر كيف كانت، كانت حياتنا. أنا أكتب، وأُجمع رويدا رويدا، بتمهل، تاريخ الاشتراكية "المحلية"... "الداخلية". الطريقة التي كانت تعيش بها في نفوس الناس. هذا هو ما يجذبني دائما، هذا الفضاء الصغير- الكائن البشري... كائن بشري. في الواقع، هناك حيث يدور كل ذلك.


    لماذا يوجد في هذا الكتاب الكثير من قصص المنتحرين، وليس السوفييت العاديين، مع حيوات سوفييتية عادية؟ في نهاية الأمر، يتم الانتحار أيضا من أجل الحب، الخوف من الشيخوخة، أو ببساطة لشيء من هذا القبيل، من باب الفضول، ومن أجل الرغبة في فك سر الموت... بحثت عن هؤلاء الذين كانوا قد سعوا على نحو حثيث للالتصاق بالنموذج، الذي كانوا قد اندمجوا معه لدرجة أنه من المستحيل انتزاعهم منه: الدولة أصبحت كونهم، اعتبروها تماما كل شيء، بل أحلوها محل حياتهم الخاصة. هم لم يتمكنوا من مغادرة التاريخ العظيم، أن يقولوا وداعا، ليكونوا سعداء بشكل آخر. بغمر الرأس أولا... ثم الضياع في الوجود الخاص، كما هو حاصل اليوم، الآن ما كان صغيرا أصبح كبيرا. الناس تريد أن تعيش ببساطة دون مثالية سامية. هذا هو الشيء الذي لم يكن قد حدث في أي وقت مضى في روسيا، ولا يوجد أيضا في الأدب الروسي. في الأساس، نحن محاربون. سواء كنا في حالة حرب، أو نعد أنفسنا للقيام بها. لم نعش أبدا على خلاف ذلك. من هنا ينبع علم النفس العسكري. حتى في زمن السلم، كان كل شيء كما في الحرب. تقرع الطبول، يبسط العلم... كانت قلوبنا تثب في صدورنا... لم يكن يقيم الناس أي اعتبار لعبوديتهم، بل كانوا يحبون هذا الرق. أنا أيضا أتذكر: بعد انتهاء المدرسة، كان فصلنا قد عزم على الذهاب لاستصلاح أراضي بكر، كنا نحتقر أولئك الذين كانوا يرفضون عمل ذلك، لقد أسفنا، لدرجة البكاء، أن تلك الثورة، الحرب المدنية، حدثتا من دوننا. عندما ننظر إلى الوراء، ولن نعود: هل كنا نحن حقا؟ هل كنت أنا حقا؟ أعيش مجددا تلك الذكريات مع شخصياتي. قالت لي إحداها: "فقط السوفييتي يمكن أن يفهم السوفييتي." كان لدينا جميعا ذاكرة وحيدة، نفس الذاكرة الشيوعية. كنا جيران الذاكرة.


    كان أبي يتذكر أنه بدأ يؤمن بالشيوعية بعد رحلة جاجارين إلى الفضاء. كنا الأوائل! نستطيع فعل أي شيء! هكذا والدتي... كنت أكتوبرية (نسبة للثورة البلشفية في أكتوبر 1917) أرتدى الشارة مع قصة شعر الجرسون المقصبة، كنت رائدة، كومسومول (إحدى أعضاء منظمة الشباب التابعة للحزب الشيوعي). خيبة الأمل جاءت في وقت لاحق.


    بعد البيريسترويكا، كان الجميع في انتظار افتتاح الأرشيف. فتح. واكتشفنا تاريخا كانوا قد أخفوه عنا... "من بين مئات ملايين الأشخاص الذين كانوا يعيشون في روسيا السوفييتية، يجب أن نجر منهم خلفنا تسعين مليونا. الآخرون، لا يمكن النقاش معهم، يجب إبادتهم". (زينوفييف، 1918).


"الإعدام شنقا (إجباريا شنقا، بحيث يرى الجميع ذلك جيدا) على الأقل ألف من الكولاك الصامدين، الأثرياء... أخذت كل أقماحهم، اختير رهائن... فليفعل ذلك بحيث يرى هذا الناسُ على بعد مئات الأميال من محيطهم وليرتعدوا..." (لينين، 1918).


"كانت موسكو حرفيا على شفا الموت جوعا، كان قد قال ذلك الأستاذ كوزنيتسوف لتروتسكي. ليس هذا، الجوع. أثناء حصار تيتوس للقدس، كانت الأمهات اليهوديات يأكلن أطفالهن..." (تروتسكي، 1919).


    كان الناس يقرأون الصحف، المجلات، ولا يقولون أي شيء. كان قد أطبق عليهم رعب لا يطاق. كيف الحياة مع ذلك؟ كثيرون استقبلوا الحقيقة كعدو. والحرية أيضا. "نحن لا نعرف بلدنا. لا نعرف ماذا تعتقد الغالبية من الناس، نراهم، نقابلهم كل يوم، ولكن فيم يفكرون، ماذا يريدون، لا نعرف عن ذلك شيئا. ومع ذلك نسمح لأنفسنا أن نلقنهم الدرس.. لن نتأخر في معرفة كل شيء، وسيتملكنا الرعب" قال لي ذلك واحد من أصدقائي كنت كثيرا ما أقضى معه السهرة، نتناقش نتكلم في مطبخي.. كان ذلك في عام 1991... كنا نعتقد أن الحرية على وشك أن تبدأ في اليوم التالي، حرفيا في اليوم التالي.


    انطلاقا من لا شيء، من رغباتنا. في مفكرة يوميات شالموف نجد هذه الجملة: "شاركت في معركة كبيرة خاسرة من أجل تجديد حقيقي للحياة". هذا ما كتبه رجل قضى سبعة عشر عاما في معسكرات الستالينيين. كان الحنين إلى الكمال لا يزال هناك... قسمت السوفييت إلى أربعة أجيال: جيل ستالين، خروتشوف، وبريجنيف، وجيل جورباتشوف. أنا جزء من الأخير. كان من السهل علينا قبول فكرة انهيار الشيوعية لأننا لم نعش في وقت ما كانت هذه الفكرة شابة وقوية، مكللة بهالة من سحر لم يبدد بعد برومانسية مأساوية وبآمال طوباوية. لقد نشأنا تحت حكم عجائز الكرملين. في عصر نباتي ومعتدل. محيطات الدم التي سفحتها الشيوعية كانت قد نسيت بالفعل. التشديد كان لا يزال صارما، ولكن عرفت الآن أنه كان من المستحيل أن نُمنح حياة في مدينة فاضلة.


    كان ذلك خلال الحرب الشيشانية الأولى... في محطة للقطارات في موسكو التقيت امرأة جاءت من منطقة تامبوف. كانت متوجهة إلى الشيشان للبحث عن ابنها في الحرب. "لا أريد له أن يموت. لا أريد له أن يَقتل". روحها لم تعد تحت سلطان الدولة. إنها امرأة حرة. أمثالها من الناس كانوا قليلي العدد. هناك الكثير جدا من الناس أزعجتهم الحرية. اشتريت ثلاث صحف، كل منها تحكي حقيقتها. فأين هي الحقيقة الحقيقية؟ من قبل، في الصباح كنا نقرأ البرافدا، وكنا نعرف كل شيء. ونفهم كل شيء. الناس مخدرة من فكرة برزت ببطء من سباتهم. إذا ما تناولت موضوع التوبة، كان يرد علي: "عم ينبغي أن أتوب؟" ويرى كل واحد أنه ضحية، لكن ليس شريكا. كان يقول أحدهم: "أنا أيضا كنت في المعسكر"، وآخر: "حاربت" وثالث: "أعدت بناء مدينتي المدمرة، وأنا جرجرت الطوب ليل نهار...". كان هذا الأمر غير متوقع كليا: إنهم كانوا جميعا في حالة نشوة من الحرية، لكنهم لم يكونوا مستعدين للحرية. أين كانت هذه الحرية؟ فقط في المطابخ حيث عادة ما كنا نواصل شتم السلطة. كنا نهاجم يلتسين وجورباتشوف. بالنسبة ليلتسين لأنه كان خائنا لروسيا. وجورباتشوف؟ إنه، كان كذلك، لأنه خان كل شيء. كل القرن العشرين. عندنا أيضا، الآن، سيكون كما عند الآخرين. كما هو الحال عند كل العالم. كنا نعتقد أن ذلك سوف يحدث هذه المرة. كانت روسيا تتغير وكانت تكره أن تسير في طريق التغيير. "المنغولي الخامل"، كما كان يقول ماركس.


   الحضارة السوفييتية... أُسرِع لتسجيل أثارها. من الوجوه التي أعرفها جيدا. أطرح أسئلة ليس حول الاشتراكية، ولكن حول الحب والغيرة والطفولة، الشيخوخة. الموسيقى والرقص، قصة الشعر. حول آلاف من تفاصيل حياة اختفت. هذه هي الطريقة الوحيدة لإدخال الكارثة في إطار مألوف ومحاولة قول شيء ما. تخمين شيء ما. لا ينتهي اندهاشي من رؤية لأي درجة أن الحياة الإنسانية عادية ورائعة. كمية لا حصر لها من الحقائق الإنسانية. التاريخ لا يهتم إلا بالحقائق، أما العواطف فإنها دائما ما تبقى في الهامش. وليس من المعتاد السماح لها بالدخول إلى التاريخ. أنا أنظر إلى العالم بعيون أديبة لا مؤرخة. أنا مندهشة من البشر...


ترجمتها عن الروسية صوفي بينيش