لعنة البرامكة

19/04/2016 - 9:49:13

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

أحمد إبراهيم الفقيه - كاتب ليبي

 لم يكن زميلنا في صحيفة الزمان، أول صحفي يتحول من محرر يجمع الأخبار ويكتب التحقيقات، إلى صاحب إسهام في الكتابة التاريخية، إذ حدث هذا مع كثيرين قبله من أهل مهنة الصحافة ممن لا يرضيهم أن يقضوا أعمارهم مع هذا النوع من الكتابة الصحفية التي تستهلك نفسها في يوم نشرها، فعمدوا إلى استخدام أقلامهم وتوظيف مهاراتهم في التحرير والصياغة، في لون من الكتابة يصمد للزمن ويحفظ أسماءهم من الاندثار، خاصة الكتابة التاريخية التي تجمعها مع الصحافة عدة عناصر، أهمها أنها تعتمد اعتمادا أساسيا على البحث والتقصي وموهبة استخلاص الحقائق من أكوام الوثائق والشهادات وأقوال الناس المتضاربة، وهو أمر ليس متاحا إلا لقلة ممن يملكون الذكاء والموهبة والثقافة العامة التي تؤهلهم لاقتحام التجربة وتحقيق النجاح فيها، مع استمرارهم في العمل الصحفي، باعتباره مصدر الدخل الثابت بالنسبة لهم.


  ولذا فقد كان شيئا مثيرا للدهشة، أن يرى صحفيو الزمان زميلهم نجم الدين يتنكب هذا الطريق، ويتجه إلى البحث التاريخي، رغم ما يعرفونه عنه من استهتار وطيش، وضحالة في التفكير والثقافة، حتى التحاقه بالعمل الصحفي جاء مصادفة، ولم يكن عن جدارة وموهبة، وإنما بسبب قرابة ربطته بمؤسس الصحيفة، ثم استطاع الاستمرار والبقاء في العمل بعد أن صارت الصحافة ملكية عامة، لأن حس الدعابة الذي يملكه، جعله يلقى حظوة لدى بقية الزملاء، الذين يبذلون جهدا إضافيا للتغطية على تقصيره، وتركوا له أسهل المهمات وهي التقاط أخبار فنية ورياضية من هنا وهناك، وكتابة تحقيق مرة كل شهر أو شهرين يضع عليه اسمه كنوع من إثبات الوجود. وحصل أن تم تكليفه بمهمة في المدينة القديمة لتغطية الاحتفال باكتشاف موقع أثري هو مقر قيادة فرسان القديس يوحنا، الذين احتلوا طرابلس، وحكموها بالتناوب مع الإسبان لمدة أربعين عاما في القرن السادس عشر، وزوده خبراء الآثار بمعلومات كثيرة، وجدها أوسع من استيعابها في التحقيق الصحفي، فأعد بها مقالات نشرها فيما بعد في عدة مطبوعات، عن بدايات الاحتلال، ثم الأسلوب الذي أداروا به البلاد، ثم النهاية التي تحققت على يد الأسطول التركي، ووجد من أعانه على إصدار هذه المقالات في كراس، ونشرها عن طريق مركز المدينة القديمة للتوثيق.


   جاء الكراس التاريخي مفاجأة لزملائه الذين لم يتوقعوا أن يملك صديقهم نجم الدين الصبر والكفاءة على القيام بمثل هذه المهمة، وإذا كان قد وجد من خبراء الآثار من أعانه على إنجاز وإصدار هذا الكراس، فسيكون صعبا جدا أن يردف هذا الكراس بكراس آخر، لما يعرفونه من طبيعته التي لا تقوى على الجلد والمثابرة، لأنها جبلت على الطيش والاستهتار، وأخذ الأمور بالهزل والمزاح والفهلوة، إلا أن الرجل وضد كل التوقعات، باشر فعلا في تأليف كتاب تاريخي جديد، ودون استعانة بأحد من أهل الآثار الليبيين، لأنه عن قصة بعيدة عن ليبيا ومصادرها، فقد حدث أن تلقى دعوة لزيارة بغداد، من عشرات الدعوات التي يجود بها الملحق الثقافي العراقي، على الصحفيين، وذهب لحضور احتفال يقيمونه هناك إحياء لذكرى تأسيس العاصمة العراقية على يد أبي جعفر المنصور، عام 726 م، وعاد ليكتب تحقيقا من واقع المطبوعات الصادرة عن بغداد، بهذه المناسبة، ووجد فائضا من هذه المادة صار يستخدمه في مقالات عن تاريخ بغداد، بادئا بمقال عن أوج ازدهارها، عندما كانت عاصمة العالم في عهد هارون الرشيد، واعتبر هذا المقال مقدمة للقضية التي أراد أن يكرس لها جهده البحثي، ويتمحور حولها كتابه القادم وهي تلك الخاصة بنكبة البرامكة، التي قال إنه أحس بأن هناك ثغرات لم يستطع أن يسدها المؤرخون، وتحتاج إلى مزيد من البحث والاستقصاء، واختار أسلوبا في المعالجة استعاره من الصحافة، وهو تقديم صورة قلمية أشبه بالتحقيق الصحفي عن كل شخصية من الشخصيات الفاعلة في هذا الحدث التاريخي، بادئا بيحيى بن خالد البرمكي، كبير العائلة البرمكية، الذي ساهم في تربية الرشيد وتمكينه من الحكم، وزوجته التي كانت أم الرشيد بالرضاعة، حيث أرضعته مع ابنها جعفر، الذي صار صديق عمره ثم أشركه معه في الحكم، فخصص له فصلا، وفصولا من بعده خصصها لإخوته الثلاثة الفضل وموسى ومحمد، ثم على الجانب الثاني هارون الرشيد وزوجته زبيدة وابناه الأمين والمأمون، ورجال لهم علاقة بالطرفين، مثل يحيى الطالبي رئيس الجيش الذي أثار ريبة الرشيد، ثم الفضل بن الربيع، المتهم بأنه الواشي والمحرض على التنكيل بالبرامكة، وصولا إلى المرأة التي رأى أنها قامت بدور البطولة في مأساة البرامكة ونكبتهم، دون إرادة منها، والتي توقف عندها أكثر من أي شخصية أخرى العباسة أخت الرشيد.


    وأظهر في هذه الفصول، براعة في التناول وعمقا في التحليل، وقدرة على التقاط التفصيلة الموحية ذات الدلالة والكشف، مما أذهل الزملاء الذين يتابعونه بشيء كثير من الشك والريبة في قدراته وكفاءته، أما ما أذهلهم أكثر فهو ما صاحب هذا التغيير في سلوكه المهني، من تغيير في سلوكه العام، وتحول طال شخصيته الهازلة المعروفة بالطيش والرعونة، إلى شخصية جديدة، ذات اتزان ووقار وجدية، لا يظهر إلا مهموما مشغولا بالبحث عن إجابات لأسئلة يطرحها الموضوع التاريخي الذي يعالجه، والذي أصبح محور حياته، ومحور أحاديثه مع الناس، إلى حد إغفال أي قضية أخرى عدا هذه القضية، فلم يعد يطيق أن يشارك في حديث أو جلسة للدردشة مع الأصدقاء إلا إذا أدار دفة الحديث إلى موضوعه الذي لا يريد أن يخوض في موضوع سواه وهو نكبة البرامكة وما يحيط بها من غموض، وما تثيره الخلاصات التي وصل إليها الباحثون من شكوك، ومهما وجد من يقول له إنها قضية انتهى منها المؤرخون، ثارت أعصابه وقال إن المؤرخين جميعهم اختلفوا ومازالوا يختلفون عن الأسباب الحقيقية لنكبة البرامكة، وأصبحت قصة البرامكة حالة تتلبسه، أكثر منها مجرد موضوع للكتابة، وكان بعض الأصدقاء يذكرونه بأن هناك نكبات حديثة وجديدة أصابت العرب بدءا بنكبة فلسطين ونكبة حرب السابع والستين وصولا إلى الاجتياح الإسرائيلي للبنان، لا ينصت لأحد ولا ينتبه إلى أية قضية أو موضوع آخر غير هذه النكبة التي لا يستطيع أن يخرج منها، وكانت قد وقعت في البلاد مجموعة اجتراءات من النظام على الحريات وملاحقة للناس بينهم عدد كبير من أهل المهنة، الذي طالهم الاعتقال بل الإعدام والتصفية، وكانت هذه الاجتراءات هي موضوع الحديث في كل مجلس حتى يأتي صديقنا نجم الدين بقضيته الأزلية، التي لا يطيق الحديث خارجها إلى درجة أن صاح به أحد الزملاء قائلا:


ـ هناك اليوم نكبة البناغزة يا أخي، وقتلى ما زال دمهم يسيل، وأنت تحدثني عن نكبة البرامكة، التي مضى عليها ثلاثة عشر قرنا. أفق من هذه الغيبوبة يا أخي.


   ولكن نجم الدين لا يفيق من الغيبوبة، إذا اعتبرناها كذلك، لأنها أصبحت بالنسبة له كابوسا يسيطر على عقله وقلبه في النوم واليقظة، وفي الليل والنهار، وأصبح أبطالها مردة وأشباحا يسيطرون على حياته كما تسيطر العفاريت على روح وجسد إنسان ما، بل صار الناس يرونه يمشي في الشارع وهو يكلم نفسه، ويقلب المواضيع، بين زبيدة والعباسة، وبين جعفر ويحيى وبين الأمين والمأمون، ومن كان منهم على حق ومن كان منهم على باطل، وعطلته هذه الحيرة عن مواصلة الكتابة، وأشلت قدراته عن إتمام البحث، وعندما يجد صديقا يحاول أن يحرضه على إتمام المشروع، يصيح بأنه لن يستطيع قبل أن يحل اللغز ويكشف السر ويصل إلى السبب الحقيقي وراء نكبة البرامكة.


   تحول البحث في نكبة البرامكة، إلى هوس، إلى حالة مرضية لا شفاء منها، ومرت عدة أعوام دون أن ينجز العمل، وصار واضحا أنه لن ينجزه ولن يستطيع تجاوزه لإنجاز عمل غيره، وحاول أن يبحث عن حل لما أصابه من تعب في الكحول، يشتريها من الأسواق السوداء، ويدمن معاقرتها إلى حد أهمل معه عمله الصحفي، وأهمل البحث، وأهمل حياته العائلية، لأنه لم يعد يهتم إلا بالحصول على تموينه اليومي من الكحول، وينسى نفسه فيقضى الليل نائما على الرصيف، حتى يأتي أحد من الأهل أو الأصدقاء يأخذه إلى العيادة، لعلاج آثار البرد، بعد أن عجزت هذه العيادات عن إخراجه من الإدمان، فقد صار حالة ميؤوسا منها، لا سبيل إلى إخراجه من الحالة، مجرد حطام إنسان، ينتظر النهاية.