صهيل الخيول المتعبة .. إلى روح محمد الفيتوري

19/04/2016 - 9:48:31

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

أحمد عنتر مصطفى - شاعر مصري

بَاقٍ... وإنْ غَيَّبَتْ أجسادَنا الحُفَرُ


        باقٍ هو الشعرُ؛ جمرُالروحِ؛ يستعِرُ


باقٍ؛ وتهوِي عروشٌ من قوائمها 


         يَفْنى ملوكٌ؛ ويبقى عرشَنا الوَتَرُ


باقون نحنُ.. وما كُنَّا ملائكَةً 


         لكنْ تقاصَرَ عن إدراكنا البشرُ


هذي الحياةُ حلَلْنا في دقائقِها 


        كُنَّا لها النسغ ؛ وهى النبتُ والشَّجرُ


هل كان ليلاً سوى ما نحن نسهره 


        وما نسجناهُ وَهْمٌ ؟ أم هو السَّحَرُ؟


باقونَ؛ ما أشرقت شمسٌ ولا غرُبَتْ


        إلا بمرآتَنا تُجْلَى لها صُوَرُ


 


فَيْضُ النُّبُوَّةِ فينا وَهْجُ حكمتِهِ


        ومِنْ خَفِيِّ الرُؤى ضاءتْ لنا سُوَرُ


باقونَ؛ والشعرُ يُدْمِينا؛ ونعشَقُهُ


        حتى الذي قد عشقنا غامضٌ خَطِرُ!!


وأَطْهَرُ العشقِ ما تفنى به مُهَجٌ


        وأوقعُ السِّحرِ ما لا يدركُ النظرُ


كم ارتقيتَ وُعُورًا في تَعَقُّبِهِ


        والشاهدانِ عليكَ: النجمُ والقمرٌ


وكم سبتكَ عيونٌ من خرائدِهِ 


        فرَاوَغتكَ!! وفيها أينَعَ الثمرُ


و راودتكَ و قد حلَّتْ ضفائرَها


       " قد هِئْتُ لكْ " هَمَسَتْ؛ لم يُثْنِها الخَّفّرُ


        ***


يا للفتى؛ وسوادُ الوجهِ يلْطُمُهُ 


        ومن دمامتِهِ أقْرانُهُ سخروا !!


مَلاذُهُ تحتَ عُتْمِ الجلدِ (عنترةٌ)


       وفي (الهلاليِّ) حلمُ النورِ يُختَصَرُ


 


كأنما جَحَظَتْ عيناهُ من لَهَفٍ


       إلى عِناقِ الألى في حلمِهِ عبروا


خيالُهُ؛ وبُرَاقُ السحر يُسْرِجُهُ


       أسْرَى عليهِ؛ وحَفَّتْ رَكْبَهُ الفِكَرُ    


فرَافَقَ المتنبي أينما اخْتَلَجَتْ


       في عُرْيِّها الروح؛ تَقْوَى حيثُ تنكَسِرُ!


       ***


 


يا صَبَّ إفريقيا السمرا؛ وفارسَها 


        مِنْ حُلْكَةِ القهرِ حتى سادها الظَّفَرُ


غَنَّيتَ آلامَها في سِجْنِ قاهرِها 


        ما كان يومًا نشيجًا بل هو الشَّرَرُ


بَعَثتَها من كُهوفِ الرِّقِ؛ مُشْرَعَةً 


        في وجهِ سَيِّدِها؛ الأنيابُ والظُّفُرُ


خُيولُها تَطَأُ الماضي.. وتمحَقُهُ 


        لا الخوف يلوي بها أو يلحَقُ الخورُ


وكان شِعرُك في مَجْلَى فَرَادَتِهِ 


        طبولَها.. تزحَمُ الآفاقَ.. تنتشرُ


       ***


مِنْ مَشْرِقِ الأرضِ حتى قلبِ مَغرِبِها 


       مِن الولادةِ.. حتى صَوَّحَ العُمُرُ


تَغْرِيبَةٌ لكَ... كم غادرتَ من وَطَنٍ 


       إلى سواه.. فماذا كنتَ تَفْتَقِرُ؟


الأمنُ؟! الحبُّ؟! أم جاهٌ تلوذُ بِهِ 


       وفيم كان الأسى واليأسُ والضَّجَرُ ؟


أفْعَى الحياةِ؛ على أهوائِها؛ نَفَثَتْ


       فينا السُّمُومَ.. وما يُجْدي لنا الحَذّرُ!


نُعِيتَ حَيّاً!! مرارًا لمْ تَمُتْ هَلَعًا  


      سِوَاكَ يصرَعُهُ الإيحاءُ و النُّذُرُ!!


هُرِعْتُ للمغربِ الأقصى أمدُّ يَدًا  


      وأرتجي ضارِعًا أن يكذبَ الخبرُ


هاتَفْتُ كي نَتَلاقى في مدى وَطَنٍ  


      كَوَاسِعِ البحرِ في أعماقِهِ  الدررُ


ولم أزلْ سامعا صوتًا يعانقني  


      وقد أَلَمَّ  بهِ الإعْياءُ والحَصَرُ


قصدتُ دارَكَ مهمومًا.. تُسابقُني 


      خُطَى إليكَ بِطَاءٌ... هدَّها السفرُ


وكنتَ في شرفةٍ عُليا تطالعُني 


      و(أشرقت) عند باب البيتِ تنتظرُ


للياسمينِ على جدرانِهِ خُصَلٌ  


    من الجمالِ.. ووَشَّى بَهْوَهُ الزَّهَرُ


وحولنا من طيوفِ الودِّ أجنحَةٌ  


      ورفْرَفَ الشَّجَنُ المكبوتُ.. ينفجِرُ


"قُلْ لي بِرَبِّكَ هل في مصرَ يذكرُني 


      مَنْ كان قلبي له في الكأسِ يُعْتَصَرُ


يا لَلْأحِبَّةِ..!! والنسيانُ عادتُهم 


      أَرَقُّ مَنْ كان فيهم قلبُهُ حجرُ!!"


هَمَسْتَها في أسَىٍ؛ لم تَبْكِ؛ رُبَّ جَوَىً


      دموعُهُ في شِغَافِ القلب تنحدرُ


(هَوِّنْ على بَصَرٍ ما شَقَّ مَنْظَرُهُ) 


       فأفْضَحُ الدمعِ دمْعٌ راح يسْتَتِرُ


(ولا تَشَكَّ إلى خَلْقٍ فَتُشْمِتَهُ) 


       فليس من كلِّ غَيْمٍ يُرْتَجى المطرُ


         ***


•       الشطر الأول لكلٍ من البيتين الأخيرين لشاعر العربية الأكبر أبي الطيب المتنبي؛ و تم التصرف في عجز البيتين بما يقتضيه المقام.