ثلاثة لقاءات

19/04/2016 - 9:46:31

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

مصطفى نصر - كاتب مصري

اللقاء الأول


    ينام بجوار زوجته شاردا، تطلق المرأة غطيطها العالي وهو يفكر.


    سيلتقي في الغد بابنته التي أوحشته كثيرا؛ سيفتحون المقبرة المدفون فيها ابنته منذ شهور قليلة، ليدفنوا الحاجة صبحية.


    تنهد في أسى، واتجه بجسده ناحية الحائط، مرضت ابنته ذات الأعوام التسعة، سخنت وماتت خلال أيام قلائل. سينزل المقبرة مع اللحادين، ويكشف الغطاء                                                                                                                                 ليرى وجهها.


    أراد أن يوقظ زوجته ليحدثها عن ذلك، لكنها أصدرت صوتا عاليا وانتقلت بجسدها الممتلئ للناحية الأخرى.


**


    عندما جاء الرجال استعدادا لنقل جثة الحاجة صبحية إلى المدافن؛ كان يفكر في هذا اللقاء. صافحه الرجال المعزون، فلامس بيده أيديهم آليا دون قول.


    وقف أمام المقبرة، نزل اللحاد ومساعدوه لإكمال الإجراءات فصمم أن ينزل معهم، ظن الناس أن هذا بسبب شدة حبه للحاجة صبحية. ترك الجميع يعملون، ومد يديه، أمسك كفن ابنته الذي يعرفه جيدا، رفع الكيان الممتد أمامه بصعوبة، كان يهتز، عظام تصنع صوتا، لامه أحد اللحادين لذلك، تحركت العظام بين يديه، وكادت تخترق الكفن المهترئ وتقع، فاهتز جسده كله وأحس بالخوف، ترك اللحادون عملهم وحملوا الكفن عنه.


    كاد يقع على الأرض، فحملوه ورفعوه لأعلى، ارتمى على الأرض الترابية فاقدا وعيه. ظل نائما في بيته لثلاثة أيام شاردا وتائها عن الحياة حتى مات.


اللقاء الثاني


   اقترب الرجل المسن من حفار القبور، مد له يده فصافحه مبتسما.


يعرفه حفار القبور منذ سنوات بعيدة جدا، قال الرجل:


ـ  أريدك أن تفتح المقبرة.


    تغيرت سحنة الحفار، تعوّد على هذه الطريقة مع عملائه، عندما يعلنون عن رغبتهم في فتح المقبرة؛ يتظاهر بالحزن؛ وهو سعيد لأن رزقا آت إليه.


   نظر حوله باحثا عن مساعديه ليقوموا باللازم. فأمسك الرجل المسن يده قائلا بصوت خافت:


ـ ليس الآن، افتحها يوم الثلاثاء القادم.


ـ اليوم السبت، ستأتي الجثة من بلد بعيد؟


ـ لا، أخي محكوم عليه بالإعدام.


اللقاء الثالث


عانده النوم، قال لزوجته التي تنام وحدها على السرير المجاور:


ـ نمتِ؟


فهمت مقصده، فقالت في ضيق:


ـ إنني متعبة.


    لم يجبها، أحس بالأسى والإحباط؛ وتمنى النوم، رأى المرأة التي علمته العشق، هــي أكبر منه بسنوات كثيرة، كان في بيتها المزدحم بالناس، ربما هناك مناسبة، زواج بنت من بناتها، أو عيد ميلاد ابن من أبنائها، أخذته في حجرة خالية، بعيدا عن زوجها الذي يحادث الضيوف في حجرة أخرى، وكشفت عن ساقيها، وأعطته نفسها.


    صحا من نومه سعيدا منتشيا، لكن الأسى والإحباط عاوداه بعد أن تذكر أنها ماتت منذ أكثر من عشر سنوات.