حتما ولا بدّ

19/04/2016 - 9:45:47

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

ملاك ميخائيل شنودة - كاتب مصري

وقف. نظر. رأى أمامه سلما يمتد متلويا إلى حيث لم تستطع عيناه أن تريا له نهاية. تلمس الجدران المحيطة به، ثم راح يصعد درجات السلم. درجة. اثنتين. ثلاثا. عشرا. عشرين. مئة. عندما نسى الرقم الذى وصل إليه راح يصعد دون أن يهتم بعدها. أراد أن يسلى نفسه. فكر أن يغنى لم يجد صوته. تحسس درجات السلم الخشبية المتآكلة التى كانت تئن وتئز تحت قدميه، وواصل الصعود بحرص وحذر.


    تشبث بالحاجز الحديدى للسلم بكل قوته. حدّق فى الظلام الذى أحاط به فجأة ليرى ما حوله، ليعرف أين هو؟! عجز عن رؤية أى شىء. فى الظلام تصبح كل الأشياء كتلة سوداء لا معالم ولا حدود لها أيضا. عاود صعود السلم الحلزونى الممتد إلى ما لا نهاية. أخذ السلم يضيق عليه شيئا فشيئا. لم يستطع معرفة فى أى طابق هو. ملأ المكان فجأة بصيص خافت ومرتعش من ضوء أحمر. ساعده الضوء على رؤية باب مغلق. ضرب الباب بيديه ثم بقدميه، ثم برأسه وكل جسمه بعد ذلك. لم ينفتح الباب، ولم يستجب أحد لخبطاته القوية والمتوالية على الباب.


    أحس بالتعب والرغبة فى الوقوع على الأرض. فى اللحظة نفسها سمع صوتا واهنا من وراء الباب المغلق:


  - من يطرق الباب؟!


  - أنا.


  - من أنت؟!


- لن تعرفنى. افتح أرجوك. افتح.


- لا يمكننى فتح الباب.


- لماذا؟!


- لأنه مغلق كما ترى.


 - والمفتاح؟!


- كل المفاتيح التى كان يمكن أن تفتح هذا الباب ضاعت. كلها ضاعت.


 - هل تخبرنى فى أى طابق نحن؟!


 - . . .


    انتظر كثيرا ولم يسمع ردا. ساد المكان صمت مطبق. خيّل إليه أن مخلوقات متوحشة وغير مرئية تحيط به. أحس بالرهبة تكاد توقف قلبه. أراد أن يبكى. اكتشف أن دموعه قد جفت فى مآقيه تماما. حاول أن يصرخ. فوجئ بصراخه وقد تحول إلى نباح لا يقوى على مغادرة حنجرته. سعل. فكر فى إشعال عود ثقاب يحرق به هذه الكتلة من الظلام الدامس الذى يكاد يبتلعه. مد يده إلى جيب سرواله بحثا عن علبة الثقاب، فلم يجد لنفسه سروالا ولا جيبا. لمس فخذه بأصابعه. شعر بفخذه باردة كالثلج. تسلل الخوف إليه من تحت ملابسه ووصل إلى قلبه. أحس بتعب شديد، فتمنى أن يستريح ولو بالموت.


    قاوم تعبه وخوفه ومشاعره الممزقة كلها، وتخلص من إحباطه ويأسه وراح يواصل الصعود. زاد ثقل الحقيبة التى كان يحملها على ظهره. خيّل إليه أن العالم كله بداخلها. تنبه للساعة التى بيده اليسرى. حدّق فيها، فرأى بها عقربا واحدا يدور بسرعة كبيرة. حملق فى الساعة فلم ير بها أية أرقام. فك سوارها المعدنى البارد عن معصمه، ورمى بها إلى أسفل السلم. وقف ساكنا، وبعد وقت طويل سمع صوت ارتطامها المكتوم بالأرض. عندما حسب الوقت بين رمى الساعة وسماع صوت ارتطامها عرف أنه قد صعد جزءا كبيرا من السلم.


    أحكم ربط الحقيبة الثقيلة على ظهره. أمسك بالحاجز الحديدى للسلم بكلتا يديه وبكل ما بقى فيه من قوة. راح يصعد السلم الحلزوني الضيق والمظلم الذى لا يرى نهايته، بكل عزم وإصرار. قال لنفسه: "لا بد أن أصل إلى نهاية هذا السلم الغامض والعجيب". لكى يخفف عن نفسه، ويضاعف من عزيمته، راح يدندن مرددا نغمة متكررة:


- حتما ولا بد. حتما ولا بد. حتما. ولا... بد.