خاتم

19/04/2016 - 9:43:15

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

عزة رشاد - كاتبة مصرية

    تنهد تنهيدة طويلة عندما سدَّ اللحَّاد فوهة القبر بحجرٍ ضخم، كان التراب العالق بالجو قد بلغ الحلوق، فيما راح قرص الشمس يدنو مسلطا حممه على الرؤوس، فشرعت الأفواه الجافة تتسابق إلى رفع أغطية الأزيار وملء الأكواز بالماء، فيما انحرفت أقدام أخرى باتجاه بقع الظل القريبة، وبعدما انتهى الشيخ من التلاوة والخطبة والدعاء تشاركوا قراءة الفاتحة والهمس بكلمات الوداع ثم أخذوا يحثون الخطى متفرقي الطرق، فيما ظل هو بقية النهار جالسا ليقرأ لها القرآن ويطمئن على الصبارة التي غرسها بيده عند قدميها.


   لا يستاء لِكون القهوة لم تأتِ "سادة" كعادة المآتم، ولا من الأصوات المتباينة:


ـ صبرت ياما. وبكره تنول الخير إن شاء الله.


    لأنه تحمّل كثيرا، صبر طويلا، استُبدِلت بعبارات العزاء التقليدية كلمات للتحريض على تعويض ما فاته من سنوات الشباب مع زوجة مريضة:


ـ عملت اللي عليك وزيادة. ربنا يعوضك بأحسن منها.


ـ أحسن منها!؟ يقلب شفتيه متشككا.


    برغم الأسى لم ينسَ أنها حرمته حقا من "حقوقه" أو ما يعتبره كذلك.


ـ تتجوز!!!! وماله انت حر. بس تطلّقني الأول.


ـ أطلّقك!!


    لمس بذور الريحان التي أخذها معه بِنِية غرسها عند قبرها كما أوصته، وتذكّر كيف فوجئ بيده تعيدها إلى جيبه وكيف سمع همسا داخله:


ـ الصبَّارة حلوة. تكفيها سقاية مرة كل عام.


    حرمها من الريحان الذي تحبه وتجفف بذوره وتخزنها كي تعيد زراعتها.


    يطرق برأسه نحو الأرض عندما يسمع أصحابه يرددون بنبرة واثقة:


ـ فلان.. أول ما عرف إن مراته جالها المرض ده راح اتجوز. وبيبعت لها مصاريفها كل شهر.


ـ عداه العيب.


ـ حقه وحلاله. هيه مريضة وهوه مقتدر.


   تهمس أمه في أذنه:


ـ حلالك بلالك ورزقك نادالك. ومادام مراتك.. مرضت يا حبة عيني يبقى من حقك تتجوز.


    ثم يعلو صوتها بانفعال: وأصلا ده حقك حتى من غير ما تكون مريضة.


    إذا كان هذا رأي امرأة مثلها "ليس فقط أمه، بل بعض صديقاتها أيضا"، فكيف يرفضه هو؟ وفيما اعتبرها حرمته، بِردِّها الحاسم، حقا من حقوقه الشرعية، لاحظ منذ تلك اللحظة تغيرها، إذ راحت ترمقه بنظرة غامضة؛ لم تغير معاملتها المثالية له، ظلت حتى يومها الأخير تعامله كملِك، عدا أثناء النوبات التي لم يكن يبارح فراشها خلالها، حتى إنه كان في الشهور الأخيرة يحملها على ذراعيه وعلى رموش عينيه إذا احتاج الأمر. كان الكثيرون يحسدونهما رغم وعورة الظرف.


    نظرتها الغامضة هذه لم يتذكرها إلا مع العروسة الثالثة أي بعدما تكرر الإخفاق في التواصل ثلاث مرات "ثلاث زيجات".


ـ لماذا؟ ما عيبي؟ ما عيوبهن؟


    استعاد امتعاضه من ضحكة الأولى:


ـ سخيفة، وأيضا لفمها رائحة بكابورت.


   وخوفه من مكر الثانية:


ـ خِنِّيسة، تاكل مال النبي وتحلي بالملايكة.


  واختناقه من سيطرة الثالثة:


ـ تِقيلة.. يا ساتر! لو قعدت عليّ تفطسني.


   استعاد أيضا اندفاعه في إنهاء الارتباط.


    يمصمص شفتيه وهو يهبط بنظره لما بين ساقيه ويلوم كائنه الذي تسبب له في حرج شديد مع ثلاثتهن:


ـ لا يهش ولا ينش!!


ـ فين أيام صولاتك وجولاتك لما كانت الله يرحمها تعقد شعرها بالفيونكة الحمراء فتعرف عن لهيب رغبتها!! كنت دوما تكسب المعركة والحرب كلها. ماذا دهاك؟


    بعد الفشل يحلو التفكير، لم تنفعه استشارة رجل الدين ورجل العلم، ما أعاده لأمه:


ـ عاملالك عمل أكيد.


    يضحك. في الليل سمع نهنهتها. أحسها بحرارة جسمها تهف من الفراش بجواره وما إن انحنى ليقبِّلها حتى اختفت، مخلفة صوتها... بنبرة ألمها التى عرفها لأول مرة لحظة صارحها برغبته في الزواج.


   ولكنها توفيت قبل أن يتزوج..


ـ فعلامَ الانتقام؟


   .. ألأنه حرمها من الريحان الذي تحبه؟ أم لأنه أذلها فوق إذلال المرض بالشروع في الزواج من أخرى؟ سأله صوتها المتألم: أكنتُ أفكر بغيرك لو أنك مرضت؟


ـ هه! شهق متأثرا بصوت ألمها.


    استقر، رغم ثقته بحبها، على كَونها وراء معاناته. نعم، تنوي أن تنغص عيشي وتحرمني من السعادة. وتحرمني ألا أكون لغيرها.. ستجعلني أضحوكة؟


    نعم؛ ستعتبر الانتقام حقها. لن تتنازل عن ثأرها؛


   هو أيضا لن يتنازل عن ثأره.


    لم يبتسم للواد "حوده" الذي أخطأ وأتاه بقهوة سادة بدل الزيادة:


ـ نسيت؟ بقالك عشر سنين في القهوة دي بتجيبهالي كل يوم زيادة. وفجأة نسيت؟


    تركه ومشى، تحمّل حرارة الشمس وملوحة العرق وتورم قدميه ووخز الهيش لصدره وعنقه حتى وصل، كان الحر قد انكسر وأتى النسيم رطبا منعشا، وجد الصبّارة "مفعوصة" كأنما داستها عجلة سيارة، وبجوارها ظهرت تباشير ريحانة ناهضة بفوح منعش، مد بصره فأدهشه أن الحجر الضخم لم يبارح مكانه.