طرقات على الباب

19/04/2016 - 9:41:01

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

مونودراما: إيزابيل كمال - مترجمة وشاعرة مصرية

شخصية هذه المسرحية "سلمى" امرأة جميلة فى الخامسة والأربعين


المشهد الأول


سلمى: قلبى مقبوض.. أتنفس بصعوبة.. أرتعش.. خائفة جدا ومذعورة. أشعر أن جبلا يطبق على صدرى.


حبات العرق تتصبب على جبهتى ويدىّ مثلجتان ومتشنجتان وساقيّ تهتزان.. ضربات قلبى تتزايد وترتفع.. أرى كل شىء حولى ضبابيا.


    ما هذا القلق الشديد وهذا التوتر العنيف؟ أشعر كأننى وحدى فى سفينة تغرق!


(طرقات على الباب).. لعله خير.. لعله أى شخص.. مهما يكن سيؤنس وحشتى ووحدتى.. مضى شهر وأنت بعيد عنى.. أول مرة منذ تزوجنا تغيب عنى شهرا كاملا.


     لكنه شهر.. مجرد شهر.. غيرى كثيرون يعيشون بمفردهم.. صحيح أنهم يذهبون إلى أعمالهم فى الصباح ويلتقون بزملائهم ويشاركونهم الطعام والشاى والقهوة كما كنت أفعل قبل أن أستقيل من عملى.


    أفتقدك.. أفتقدك بشدة يا زوجى العزيز رغم أنك فى الأيام الأخيرة.. لا.. فى الشهور الأخيرة.. فى السنوات الأخيرة.. قل كلامك معى وقل إصغاؤك لى.


(طرقات على الباب) لعله حبيبى.. زوجى.. نعم.. أنا قادمة..  حاضر يا حبيبى أنا قادمة


 نعم؟ ليس موجودا، إنه مسافر.. من يريده؟


ماذا؟


    ابنه تشاجر؟ وهو الآن فى قسم الشرطة!! ابن فى السادسة عشرة؟! من زوجة أخرى؟! زوجى متزوج من امرأة أخرى ولديه منها أولاد؟ كيف ذلك؟ لعلكم مخطئون! لا يمكن.. لا أصدق.. لا أستطيع أن أصدق. لا أعرف أين هو.. إنه غائب منذ شهر.. العفو يا سيدى.. صحبتك السلامة.


    من أين ينفق على الزوجة الأخرى؟ من أين ينفق على أبنائه؟ هو لا يفعل شيئا.. لا يكسب نقودا تكفى مصروف جيبه.. ترك وظيفة الحكومة منذ تزوجنا وتفرغ لمشروعاته الفنية التى تفشل دائما.. كنت أعمل فى بنك حسب رغبته.. التحقت بالوظيفة لأنه أراد ذلك وتركتها أيضا لأنه أراد ذلك (تضحك).. أنا لم أطلب منه أى شىء.. كنت أرضى بما يقدمه.. لكنى الآن أسأل نفسى ما الذى قدمه؟ ما الذى قدمه لى طوال كل تلك السنوات؟ منعنى من ممارسة الرسم الذى أحبه وأرغمنى على العمل فى وظيفة لا أحبها، واستمر هو يرسم ويقيم المعارض الفاشلة.


    (تدير قرص التليفون وتمسك بالسماعة) صباح الخير يا سيدى.. نعم أنا سلمى شاكر.. هل.. أريد فقط معرفة حسابى.. نعم رصيدى كله... نعم زوجى معه توكيل.. تعرف طبعا أننى.. لا يوجد رصيد؟ منذ متى؟ أخذ كل رصيدى من البنك.. أخذ كل نقودى وأنفقها على زوجته الأخرى وأبنائه!


    قال لى: ابقى فى البنك فترة قصيرة حتى تتحسن أحوالنا.. لم أفكر وقتها أنها مسؤولية الرجل الإنفاق على المنزل.. وانسلت السنوات سنة وراء أخرى والوضع لم يتغير واعتدت حياتى..


هو فنان.. وأنا؟ ألست أنا أيضا فنانة؟


    أنا ضحيت بمستقبلى وبفنى.. استطاع أن يهزمنى من الداخل.. أن يجعلنى أقنع نفسى بضآلة موهبتى.. أن أشك فى قدراتى الفنية.. أن أخاف من مواجهة الحياة بها.. أنا أتمسك بالوظيفة التى لا تليق به لكنها تليق بى..


 يا ربى عمرى ضاع.. عمرى كله.. ماذا بقى لى؟؟


(موسيقى.. إظلام)


المشهد الثانى


سلمى: كنت أتمنى أن أستطيع القول إننى كرهتك.. لم أعد أحبك! ولكن للأسف الشديد بعدك يترك فراغا ثقيلا داخلى.. وجع ووحشة وضياع هى الحياة بدونك.. وألم وكمد وغيظ هى الحياة معك.


    ظللت تقتلنى قطعة قطعة تمزق روحى كما لو كانت أمتارا من الحرير تقص منها كل يوم وكل ساعة حتى لم يتبق لى الآن إلا الأشواك تمزق ما تبقى منى..


كم أتمنى أن أخز كل شرايينك وأرى الدم ينزف من كل جسدك


أن أراك مسربلا باللون الأحمر


مطوقا بالوجع والندم


ملفوفا بالحيرة وعدم الفهم


أتعذب باستمتاعك بالحياة ونجاحك فى علاقة أخرى وحبك لامرأة أخرى.


أموت غيظا لأنك تظن أنك تستطيع الإفلات منى بعدما دمرتنى وخربت حياتى.


لن يرضينى أقل من دمارك وخراب حياتك!!


تجرعت نذالتك، حتى صار كيانى مرا


أريد أن أتطهر من كل هذه المرارات التى لففتنى بها من داخلى ومن خارجى


    كيف مرت كل تلك السنوات الطويلة دون أن أتنبه لخيانتك وأنا أتجرعها رشفة رشفة؟ كيف لم يخبرنى لسانى بمرارة أكاذيبك وهى تنخر فى أوصالى كسوس عنيد؟ كيف لم ينطق بها؟ كيف صمتت المرآة عن الأحزان مرسومة على ملامح وجهى والأسى يسكن جسدى وأثواب الوجع والعذاب تستر خيبتى؟


لكم انتشيت بالعذاب واشتهيت المزيد!


    لكم وضعت يدىّ فى الأصفاد برضائي وخنوعى وفرحت بالدماء تتناثر على أيامى العبوسة وقدمىّ ثابتتان فى أرض قاحلة صدقت أنها ستنبت الأعناب والياسمين وهى ليست سوى غطاء تحته الثعابين والوحوش تخرج من فوهاتها تنهش فرحتى المزعومة وعقلى الغائب!


من ألوم الآن؟


أألومك على ما فعلته بى منذ وقعت عيناى على وجهك القاتم؟


أم ألوم نفسى لأننى سرت الدرب كله إليك بإصرار شديد؟


والآن.. هل ضاع عمرى؟ هل ضاعت حياتى؟


آه يا قلبى!!


كم أشعر بالمرارة فى حلقى!


كم أشعر بالوهن فى كل كيانى والندم يعصرنى عصرا!


    ها أنا أتذكر أننى حقا لم أكن سعيدة، ولم أعرف الاحتفال بلحظات متوهجة بالفرحة ومضيئة بالبهجة.. لم أعرف تلك المشاعر التى راهنت عليها.. ظللت أتنازل وأتنازل وأتنازل حتى لم يبق منى شىء.


هل أنا الآن لا شىء؟ لا شىء!


مجرد امرأة عاطلة من الشباب.. عاطلة من الذكريات الحلوة؟


    كيف أسترد حقى المسلوب؟ وأنا التى وقعت بيدى وثيقة عبوديتى وما أملك.. وليس هناك حائط أستند إليه.. وصرت أضعف من أن أقاوم وأضعف من أن أحارب..


هل استحَق عطائى الخذلان والخيانة والغدر؟


هل استحَق حبى ووفائى السلب والنهب؟


أنا لم أقصر فى شىء.. راعيتك وسهرت عليك وتركت الدنيا كلها من أجلك. يا لقسوتك ويا لنذالتك!


(موسيقى.. إظلام)


المشهد الثالث


سلمى: لا أريد أن أغرق أكثر من ذلك فى هذا الحزن العظيم.. سأختزل من عمرى كل الأوقات التى عرفتك فيها.. لن أبكى على ما فات.. سأنساك وأنسى سجنك الذى حبستنى فيه.. سأصنع من الآن قاربا صغيرا وأعود به إلى نفسى التى كانت ضائعة منى. سأفتح أبواب فنى ونجاحى على مصراعيها وأخرج مواهبى التى دفنتها طوال كل تلك السنوات الماضية، وأصنع عالمى الحقيقى.. سأمدد زمنى طولا وعرضا وأجعله مساحات شاسعة من التحقق والفرحة..


أليست التجربة الحقيقية هى مصدر الإبداع، وهى الكتاب الأول للعطاء الفنى؟! ألم يقولوا لى فى بداية حياتى: تنقصك التجربة؟!


نعم.. سأجعل من علاقتى بك مصدرا للإبداع!


 يا أيتها الفرشاة.. يا أيتها الألوان... أنا عائدة إليكم.


(موسيقى.. إظلام)


المشهد الرابع


سلمى: أهلا بك أيها الصباح! مرحبا بك.


أنا أحبك أيها الصباح وسأحب كل الصباحات القادمة.


    أنا قادمة من ليل طويل معتم لم يكن فيه صباح جميل مثلك. تعال نحتفل أيها الصباح. هل تشرب معى كوب شاى بالنعناع الأخضر؟


    أنا استيقظت مبكرا وذهبت للسوق واشتريت نعناعا أخضر!


    أنا حياتى كلها خضراء.. لا لا لا أنا آسفة.. حياتى بها كل ألوان الربيع وألوان قوس قزح.. حياتى مشرقة بك أيها الصباح الجميل.


هل رأيت هذه اللوحات؟ جميلة؟ أليس كذلك؟


   أنا رسمتها. كل هذه اللوحات أنا رسمتها، أتعرف أيها الصباح؟ ها هى العصافير تطير وتحلق حول الشجر فرحة بك أيها الصباح.. تزقزق وتغرد مرحبة بك.


    أيتها العصافير! يا أصدقائى يا عصافير ويا كل طيور الصباح سأقول لكم سرا.. قريبا سيكون لى معرض كبير وستحتل صوركم العزيزة جزءا كبيرا منه.. سيشعر الناس كما لو كنتم ستخرجون من اللوحات وترفرفون بأجنحتكم الصغيرة.. سيقولون نسمع داخلنا أصوات العصافير فى هذه اللوحات.


(طرقات على الباب) هناك طرقات على الباب!!


انتظرونى سأذهب لأعرف من يدق بابى وأعود إليكم..


   إنها صحف الصباح يكتبون فيها عنى.. أحدهم يقول: فنانة الزمن الجميل تعود أقوى مما كانت وأكثر شبابا وتألقا وأكثر عطاء.. التاريخ الآن يتوقف عند نافذة حجرتها الصغيرة ليسجل اسمها فى دفاتره الذهبية بحروف من نور.. إنها تغرد مع العصافير!!


    أسمعتم؟ ألم أقل لكم؟ أنا أغرد مع العصافير.. أنا أغرد معكم وبكم وبلوحاتى.


    العالم الآن يضىء الشموع وينثر الزهور محتفلا بميلاد هذه الفنانة التى انتصرت على ماضيها المؤلم وحولت خسارتها الفادحة إلى ربح وفير وفن عظيم. نتوقع أن يلف معرضها العالم.


 هذه الصحيفة أيضا بها مقال آخر عن معرضى ولوحاتى..


وهذه أيضا..


 أحمدك يارب.. أحمدك يارب!!