كصمت لازم بين دقتين ليتكون إيقاع ما

19/04/2016 - 9:40:12

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

هدى حسين - كاتبة مصرية

    صباح الخير يا روحي. كيف حالك اليوم؟ تستيقظين ببسمتك المثابرة: الحمد لله هذا يوم جديد؟ وما الجديد في هذا اليوم؟ ككل يوم، تشرق الشمس صباحا وتغرب مساء. ككل يوم، يطلع القمر بالليل. وكذلك النجوم. الشتاء بارد والصيف حار. دقات القلب تتكرر بنفس الإيقاع.


    تحدثني روحي أن شروق اليوم لم يحدث أمس! وأن الصيف الماضي ليس الصيف القادم! وأن دقات القلب لو لم تكن دقتين فأكثر لما كان الإيقاع الذي أسميه "نفسه"! لذا فالأشياء المتكررة وإن تشابهت فإن حدوثها المتكرر يؤكد على اختلافها. تسألني روحي: هل أصابك الملل؟


  قد يكون.


    أريد شيئا جديدا. فستان عيد؟ هذا ليس بجديد. هذا يحدث كل عيد. نعم يا هدى، أي أنه كلما يعاد يعاد جديدا. ما يتجدد هو حدوثه! غريبة أنت يا روحي! تقنعينني بالتجدد من داخل التكرار؟!


    أتذكر هذه المعلومة عن الثقب الأسود. يقول البعض إنها ثقوب في الفضاء يتوقف فيها الزمن على الطريقة التي نعرفها: ماض حاضر مستقبل. ويحدث الزمن معه أن تتكرر فيه أول لحظة حدثت بداخله. تتكرر إلى ما لا نهاية. يعني يفضل الواحد لو داخل على الثقب الأسود برجله اليمين. يفضل عمال يدخل برجله اليمين عمال يدخل تاني برجله اليمين وعمال كمان يدخل تاني برجله اليمين لغاية ما يخش برجله الشمال؟ ويستمر في محاولات الدخول برجله اليمين للأبد؟ بدون أصلا دخول خالص؟!! طيب وهل يختلف هذا كثيرا عما أفعله كل يوم؟ هو يعني عشان الهدوم اللي لبستها النهاردة غير الهدوم اللي لبستها امبارح كدة؟ يا سلام حصل تغيير؟ طيب ولو ما غيرتهاش هايبقى تكرار؟ وموش تجدد؟ طيب أنا مش عايزة تجدد.. أنا عايزة جديييييييييييد. حديث يعني.


    وفجأة أتحول إلى معلمة وآخذ وضع المواجهة الصارم مع روحي:


ـ الحديث قد يعني حوار بين فلان وفلان وليس بالضرورة شيئا جديدا أن يتحدث شخصان. الحديث أيضا قد يكون جنسا أدبيا أو حديثا قدسيا أو نبويا.


ـ إن الشيء يحدث أي يقع. وهذا أمر بديهي لأن الحدث هو صغير السن. ومن الطبيعي إذن أن يقع قبل تعلم المشي!


    طيب ماذا لو وقعت الأحداث بعد تعلم المشي؟


ـ الأحداث هي مجموعة من المعطيات التي تركب أفعالا، أو مجموعة من القُصَّر الذين يرتكبون أفعالا. فيوضعون في سجن يشبه الملجأ يراد بهم فيه أن يتعلموا القيام بأعمال بدل ارتكاب الأفعال.


    الفرق بين الفعل والعمل هو أن الفعل مرتبط بزمن في مجاله المعنوي، ماضي وحاضر ومستقبل. أما العمل فمرتبط بثقافة شعبية روحية في مجاله المعنوى، زي العمل وفكه والحجاب اللي بيتعلق ع الصدر، حجاب للشر عن الشخص من للشخص عن الشر.


    كل كلمات محملة بتواريخ لها مجالات معنوية أخرى وكأنها ظلالها وخدامها يتبعونها وهي ترتحل من معنى لآخر ومن زمن لآخر.. فكيف لا يكون ذلك وأنا أجد جموعا أقل عددا من مفاردها؟! التواريخ أرقام، الأيام هي أقل بكثير من التاريخ في المجمل الذي هو أيام وأحداث وأماكن وبشر.


    بالأمس، أريت صديقة لي من فلسطين، أتت لزيارة سريعة إلى مصر، لوحات عبد الهادي الجزار، على الإنترنت. أنا أعشق أعمال عبد الهادي الجزار. إنها تقول ما لا أعرف كيف أعبر عنه من كثرة إغراق الكلمات بالمجالات المعنوية. لا كلمة تقول شيئا بالتحديد. إنهن مراوغات، الكلمات، مثقلات بالمعاني، تعبن من كثرة الاستخدام. ومن مكاتب المستخدمين ومن العمل بالسخرة وقتما نستدعيهن. كخدم للمعاني التي نريد التعبير عنها، أو العبور بها. المعاني السفن، المعاني الدواب، المعاني الوسائل مواصلات، المعاني التواصل. والكلمات الموصلة للمعاني. نعاملها كبائعات هوى موصلات للبهجة...


    هيا يا عقلي! أريد كلمة تعني كذا. يرد عقلي اتصالي الكهرومغنطيسي: عندي كلمة تعني كذا لكنها أيضا تعني كذا وكذا وكذا، ولها صوت يشبه كذا ولها قوام من الحروف يشبه كذا وكذا، هل أبعثها لك الآن؟


    هكذا أبكي كلما كتبت. أشعر بالضآلة والخسة. كابن الاقطاعي الذي يستعبد فلاحيه ليحصد وحده ريع أرضه. وهو لم يجتهد في خلق حروفها في شيء. لقد ولدت وفي فمي لغة لا أعرفها الآن. إنها هي اللغة. لأنها يتكلمها كل الاطفال قبل أن يصب الأهل في آذانهم باللغات التي سيفهمونها كبارا. ما هذا الانقطاع! كيف لا أفهم اليابانية مثلا ولا أتحدثها برغم أني لو كنت تواجدت مع طفل ياباني قبل تعلم أي منا لغة أمه لكنا تواصلنا بلا مشكلة! فما المشكلة الآن؟ أننا كبرنا؟! كل في حضن أمه، في حضن ثقافته، في حضن بلده، في حضن كل ما عليه أن يتعلم من انتماءات؟!


    اللغة وسيلة تعبير. جسر عبور من إنسان لآخر، فهل يثبت هذا الجسر شيئا بقدرته على التوصيل، هل يثبت شيئا غير انفصالهما؟ غير احتياجهما لـ"وصلة"؟ لماذا؟ لنتعارف؟ ونتآلف؟ ونحتفي باختلافاتنا؟ لنتعلم  قبول التنوع؟ لكي نقف كثيرا عند الثنائيات؟ لنقدر التشابهات؟ ماذا لو تحاربنا؟ ماذا لو أسأنا الفهم؟ ماذا لو قررنا الصمت؟ والسكون؟ والتأمل؟ هل هذا أفضل لنعود واحد كما كنا أول مرة؟ أو هكذا يهيأ لي؟