صالح بن عبد القدوس .. حياته وآثاره

19/04/2016 - 9:35:30

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

مصطفى أبوعايد

لقد أحسن الكاتب حسن أحمد جغام صنعا حينما كرس جهده وقام بجولة ثرية في أعماق الماضي السحيق نابشا عن لآلئه، مستخرجا لنا أروع ما به من در، وجاء عمله الفريد "صالح بن عبد القدوس..حياته وآثاره" الصادر عن دار المعارف للطباعة والنشر بتونس الشقيقة، وترجع أهمية هذا الكتاب إلى ناحيتين: الأولى أنه قد تناول سيرة وأعمال حكيم الشعراء بالعصر العباسي صالح بن عبد القدوس الذي لم ينل حقه حيا كان أو ميتا، وقتل في ظروف أشبه ما تكون بالغامضة ولم يوفه حقه المؤرخون ولا الدارسون للأدب العربي، فما رأينا كاتبا من القدماء أو المحدثين يذكره إلا على استحياء ، وكأنه لم يكن في فلك الزمان نجما سيارا أمتع أبناء العروبة بفرائد شعره ونثره، وكان بحق نسيا منسيا في عالم لم يحفل إلا بذوي السلطان، أو من هم على شاكلته، والناحية الأخرى أن هذا الكتاب جاء كصرخة من العالم الآخر لنا جميعا في وقت كثر فيه أمثال صالح بن عبد القدوس الذين ذبحوا بمقصلة تكاد تكون عمياء لا ضابط لها ولا رابط. مقصلة لا تبقي ولا تذر، لواحة للبشر ولكن ما عليها تسعة عشر بل عليها آلاف فقدت الحكمة والبصر، كأنها قدت من صخر تقتل من تشاء وكيف ومتى وأينما تشاء، المهم ترضي قائدها الذي لا نعرف له دينا ولا مذهبا، وكأنه ليس من حق أحد أن يعرف لها مأربا ولا وازعا هل هو الدين؟ أم أن هنالك مآرب أخرى؟..فإن كان الدين مقصدها فلم لم تطل شاعرا كالأخطل الذي كان يحتسي الخمر ويسب الأنصار وآل البيت في بلاط بني أمية، إنها بحق مقصلة اختلط فيها الحابل بالنابل، واختلفت طريقة الذبح فهنالك الذبح المعنوي والذبح الحسي، فهذا فرج فودة ونصر حامد أبو زيد وطه حسين وأبو العلاء المعري وابن المقفع وبشار بن برد، وعلى الجانب الآخر نرى ابن تيمية نفسه سجن وعذب وهاجمته الأقلام قديما وحديثا، وكذلك محمد بن عبد الوهاب والشافعي وأبي حنيفة وأمثالهم كثرة ممن يعجز عن ذكرهم الحصر. هنا يتحتم السؤال ما هوية هذه المقصلة وما دينها ومن بعد ذلك من ضحاياها؟ لا ننكر البعض يستحق –ربما من وجهة نظرنا- ولكن ما ذنب الآخر؟.


هذا الكتاب يتناول حياة وأدب شاعر كبير لا يقل أهمية عن زهير بن أبي سلمى بالنسبة لعصره، هو صالح بن عبدالقدوس بن عبدالله بن عبد القدوس، وعند الخطيب البغدادي: هو أبو الفضل البصري مولى الأسد، وعند أبي حجر وابن خلكان: هو صالح بن عبد القدوس أبو الفضل الأزدي (أي أنه مولى الأزد) وهكذا.. لم يتفق المؤرخون قديما وحديثا على اسمه، ولا على أصله، فالمنقب في كتب التاريخ يرى فيها اختلافا بينا، وهناك شبه إجماع على أنه نشأ بالبصرة من موالي الأزد البصري، فهذا أبو أحمد بن عدي يقول: "صالح بن عبد القدوس بصري، ممن كان يعظ الناس بالبصرة ويقص عليهم، وله كلام حسن الحكمة"( فوات الوفيات ج2، 116). وترجم له ياقوت الحموي فقال: "كان حكيما أديبا فاضلا شاعرا مجيدا"(معجم الأدباء). ويذكر لنا الدكتور شوقي ضيف في كتابه " تاريخ الأدب العربي،العصر العباسي الأول" أنه كان فارسي الأصل. وقد اتهم بالزندقة ككثير من ذوي الأصول الفارسية مثله كبشار بن برد، وصارت عيون الخليفة المهدي تترصده، فلم يجد مناصا إلا في الهروب إلى دمشق بعيدا عن أعين الخليفة، ولما كان عسيرا على أمثاله السكون في هدأة الحياة وتقلباتها، صار ينشر أشعاره متخفيا تحت اسم مستعار هو " صالح بن جناح"


كانت حياة ابن عبد القدوس رحلة من العذاب ذاق فيها صنوفه وألوانه، ففقد ابنه الوحيد وهو في عنفوان شبابه، وتخلى الأصحاب عنه، وكتب في ذلك شعرا يدمي القلوب بكاء، ولم تكف عنه حوادث الدهر وصروفه فيفقد بصره في آخر أيامه، وهكذا تمر أيامه عليه مريرة إلى وفاته مقتولا 169ه.


ولم تقتصر مأساة ابن عبد القدوس على إزهاق روحه فحسب، بل امتدت إلى إتلاف أغلب تراثه أو نسبته إلى غيره، ومن يطالع قصيدته الزينبية يدرك من اللحظة الأولى أنه شاعر ذو نفس طويل ليس من المسوخ أو من المدعين، وشاعر هذا وصفه من المحال أن يكون مقلا في شعره بل من المؤكد أن قريحته كانت موارة لا تهدأ، من العسير أن ينضب معينها قبل أن تجود بفرائد الدر الذي انطوت عليه ذاته، بحر هادر ماجت مياهه لا يحدها شاطئ، ومن عجيب أنه لم يبق من هذا التراث إلا قطع من الشعر متناثرة في أمهات كتب الأدب العربي، وبعض من المقتطفات النثرية القليلة.


والمتتبع لحياة وآثار ابن عبد القدوس يجده قد ترك أثرا ليس بهين على من جاء بعده، فهو قد مهد الطريق للمتنبي في قصائده الرائعة بمطالعها الحكمية، ولا يخفى ذلك على أي دارس من النظرة الأولى لشعر المتنبي، بل تعداه إلى ابن معرة النعمان أبي العلاء في لزومياته، وهكذا بالنسبة لكثير من أدباء العربية.


هذا الكتاب هو بحق ناقوس بل صرخة صالح ابن عبدالقدوس جاءتنا كي ننتبه، فلا نقتل بالظنة والريبة، أن نراجع أنفسنا، أن نقرأ تاريخنا، هل ثمة جبر حدث في دخول الفرس الإسلام، أم أن هنالك إغراء جذبهم إليه، وأين دور رجال الدعوة حينذاك من نشر صحيح الدين باليسرى، وإن كان توافر ذلك وما فعله الفرس وغيرهم ممن اتهموا بالزندقة كان مرده النفاق فهل تمت استتابتهم كما يقول صحيح الدين، إننا أمام أسئلة لا حصر لها، ولعل هذا الكتاب يكون رسالة لنا وبالأخص علماء الدين والتاريخ، فحري بهم أن ينفضوا غبار الجهل والنسيان لإجلاء الحقيقة لنا جلاء الشمس في ضحاها، لا كالقمر إذا تلاها، بل جلاء الشمس ذاتها. لا إكراه في الدين نعم، ولكن الخيانة لها عواقبها، خيانة الوطن جزاؤها القتل في كل الدساتير والأعراف، فما بالنا بخيانة الدين، وما بالنا بمن يتخذ آيات الله لعبا وهزوا، يدخلونه صباحا ويغادرونه ضحى، ولكن هل كفر ابن عبدالقدوس حقا، وهل استتابه العلماء وبينوا له ما تشابه عليه، وهل من حكم بزندقته الحاكم الذي لا يقيم الفريضة أحيانا أم فقهاء من الراسخين في العلم، فإن كان الحاكم فابن حنبل كافر وزنديق وإلا لما صلبوه، وإن كان أهل العلم فمن هم؟  نحن أمام لغز حائر لا نحسد عليه، وإذا كان الأمر كذلك فما ذنبنا أن نحرم روائع هذا الرجل ولا علاقة لنا بدينه، نأخذ أحسنه ونترك رديئه –في نظرنا- وإلا لما قرأنا لشكسبير ودانتي أليجيري، وهوميروس، ودوستويفسكي، وغيرهم لأنهم كفار، نحن بحاجة لمراجعة أنفسنا، أعداؤنا وإن اختلفنا معهم فلا ننقصهم حقهم، هذا هو صحيح الدين.