الثقافة العلمية بين « البزنسة » والتسييس والتمكين

19/04/2016 - 9:33:58

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

د. محمد رؤوف حامد - أستاذ علم الأدوية، كاتب مصري

 فى طرح سابق "عزم الثقافة العلمية.. رؤية مستقبلية" (الهلال – مارس 2016) جرت الإشارة إلى أن للمعرفة العلمية "قوة"، وأنه بقدر "وزن" (أو حجم) هذه القوة، وبقدر "سرعة" تطبيقها، يكون العزم Momentum المؤثر بالتحسين والإنضاج والاكتمال لأية أعمال وأية مخرجات (عزم الثقافة العلمية).


 وبينما كان الطرح المذكور يشير إلى نماذج من المعارف العلمية التى يكون من شأن التثقف بها توليد عزم يؤدى إلى "الأمثلية" فى سائر الممارسات الحياتية، بمعنى التحسين والقوة والتسريع، فإن الطرح الحالى يقدم نقدا لتوجهات عالمية سائدة تبدو فى شكلها متسقة مع (أو مبنية على) ثقافة المعرفة العلمية، بينما هى فى الأغلب مضادة لها، الأمر الذى تنجم عنه سلاسل من الانحرافات، ومن ثم سوء استخدام للمعرفة العلمية. كما يشير الطرح الحالى إلى المتطلبات المنهجية للارتقاء بعزم الثقافة العلمية، بمعنى تطوير حركياتها وفاعلياتها واستخداماتها.


أولا: نماذج لسوء استخدام الثقافة العلمية (أو لاستخدام ثقافة المعارف العلمية فى التدمير).


 من أهم وأجمل المفاهيم العلمية المرتبطة بالاقتصاد مفهوما "الهدم البناء (الهدم الإبداعى)" و"20/80"، لكل من جوزيف شومبيتر (1942) وفيلفريدو باريتو (1897)، على الترتيب.


المفهوم الأول لشومبيتر كان يقول إن الرأسمالية تتقدم من خلال الهدم البناءCreative Destruction، بمعنى التقدم من خلال التغيير التكنولوجى. كان شومبيتر يعنى أن التغيير التكنولوجى يدعم الاقتصاد من خلال دورة التطوير، والتى تتضمن – اختصارا – مرحلة يكون فيها التغيير التكنولوجى بسيطا، وأخرى يكون فيها التغيير التكنولوجى جذريا، حيث التغيير الجذرى (وهو التغيير الذى تبدأ به دورة تكنولوجية جديدة) يُحدث إبداعا لسوق جديدة (لم تكن موجودة من قبل)، وبالتالى يتسبب فى قدر من التحطيم Destuction لأدوات (وأسواق) تقليدية قائمة (مثل بزوغ التليفزيون الملون فى مقابل التليفزيون الأبيض وأسود).


 المشكلة العولمية هنا أن قادة الرأسمالية المحافظة الشرسة (أو النيوليبرالية) أساءوا استخدام مفهوم الهدم البناء عند شومبيتر، حيث قد نقلوه من مكانه الأصلى فى شؤون التكنولوجيا إلى مجالات السياسات والصراعات الدولية. وهكذا، بدلا من تطبيق الهدم البناء فى إطار تسريع عجلة التطورات التكنولوجية، جرى استغلاله – كفكرة - فى التدخل التدميرى فى شؤون أنظمة مجتمعية قائمة (العراق نموذجا). كان من الطبيعى أن ينتج عن إساءة الاستخدام هذا الدفع بالعالم إلى حقبة من العشوائيات المفتعلة (أى العشوأة)، الأمر الذى لا ينتج إلا سياسات التفكيك وتسريع الصراعات، ويتيح الفرص لتوليد عمليات الإرهاب والدمار.


 على الجانب الآخر، نجد أن قانون 20/80 لباريتو والذى يقول إن أعضاء ال 20% الأعلى فى أى توزيع يحصلون على (أو يمثلون) 80% من القوة و/أو الدخل و/أو التأثير) قد أسيء تطبيقه عولميا بقصد تكريس (وتعظيم) الفوارق الاقتصادية والاجتماعية بين البشر.


 لقد حدث ذلك (ولايزال يحدث) بقوة دفع من الرأسمالية الأمريكية المحافظة (الشرسة)، من خلال صياغة وتطبيق مبدأ يقول إنه يكفى لأنشطة الاقتصاد العالمى أن يقوم بها 20% فقط ممن يؤدونها، وأن على ال 80% الأخرى أن تعيش من إحسانات ال 20% الأولى (فى هذا الخصوص يمكن الرجوع إلى كتاب "فخ العولمة"، عالم المعرفة 2003).


 بالارتكاز على هذا المفهوم "الشاذ" فرضت السياسات العولمية تطرفات (بل استحضرت ممارسات إرهابية) كثيرة فى مجالات البيزنس، وعلى رأسها إجراءات مثل موجات تسريح العمالة، والزيادات الحادة فى مرتبات الإدارة العليا. وتصاحبت هذه التطرفات مع توجهات التقشف وإنهاء زمن الرفاه الاجتماعية، الأمر الذى لا يمكن فصله عن تسارع بزوغ تضخمات فى الفوارق الاقتصادية والاجتماعية بين الأفراد والمجتمعات على السواء. وهكذا، يمكن القول إن التحريف التسييسى لمفهوم معرفى علمى أصيل قد أدى (ولايزال) إلى ارتفاع مستوى التوترات بين البشر بوجه عام.


 


 من الناحية العملية يمكن القول إن ال 20% الأكثر نجاحا أو تأثيرا أو حظا، فى المال والإنجاز، لا يمكن أن تكون كذلك إلا من خلال وجود ال 80% الباقية؛ فمع إزاحة ال 80% سيحدث مع الوقت (وعلى نفس المنوال) أن تُخضع (بفتح الضاد) ال 20% القائدة إلى إعادة التصنيف مرة أخرى إلى 80% و20% من جديد، وهلمجرا، الوضع الذى لا يستقيم معه منطق أو استقرار، ويستحيل استمراره، باعتباره شذوذا مضادا لطبيعة الأمور.


 المسألة إذن أنه بينما يعتبر هذا القانون (قانون باريتو) وصفيا لأوضاع طبيعية و/أو تلقائية فى الحدوث، إلا أنه قد جرى تكريسه حديثا (فى ظل ممارسات العولمة) لاصطناع (وافتعال) مفاهيم وأوضاع غير طبيعية وغير صحية (منحرفة وشاذة).


ثانيا: التمكين لعزم الثقافة العلمية


 فى ظل ما يحمله الواقع الحالى من تحديات وآمال بشأن الثقافة العلمية، وكذلك ما يمكن أن تقود إليه الثقافة العلمية فى حال تعظيم عزومها Momenta الممكنة، وتحريرها من المعوقات وسوء الاستخدام، تظهر الحاجة إلى واجبات وتوجهات مستقبلية يمكن الإشارة إلى أهمها كما يلى:


ـ تصحيحات واجبة:


    ضرورة التصدى بالفهم والتمحيص والتوعية بشأن أية حيودات بالثقافة العلمية عن معانيها ومساراتها الصحية. فى هذا الخصوص يمكن الإشارة – كأمثلة – إلى ما اعترى مبادىء "باريتو" و"شومبيتر" من سوء استخدام، وكذلك الإشارة إلى ما تتضمنه فكرة الانتقاء الطبيعى من إمكانات بشأن التقدم والابتكار تعلو فى أهميتها عن التساؤل الشائع عما إذا كان الإنسان أصله قرد.


ـ اللجوء إلى الثقافة العلمية كأداة للتواصل بين الثقافات، لتقليل الصراعات:


    كان لجواهر لال نهرو العظيم (رئيس وزراء الهند بعد الاستقلال) استخدام مهم للثقافة العلمية فى مجال التغلب على الصراعات الطائفية فى الهند. ذلك حيث إن للثقافة العلمية، باعتبارها عاملا مشتركا "ممكنا" بين الثقافات قدرة عالية على إحداث تغييرات إيجابية فى الفهم والحوار والتفاهم، وبالتالى قدرة على التضييق والمنع للمسارات التى يمكن أن تقود إلى سوء الفهم والتطرف والإرهاب.


تقنين مبادىء الثقافة العلمية:


    المقصود بعملية التقنين هنا التوصل المنهجى إلى تجسيم مفاهيمى بشأن المحتوى الثقافى لكل من المبادىء والقوانين والنظريات العلمية الرئيسية (فى البيولوجيا والفيزياء والكيمياء والرياضيات.. إلخ). ركن أساسى فى منهجية هذا العمل أن يتم فى أطر وسياقات جماعية Collective وأن يُجرى - على وجه الخصوص - من خلال ورش عمل.


فى هذا الشأن يمكن اقتراح ما يلى:


ـ أن تصنف قائمة بالمبادىء والقوانين والنظريات العلمية الرئيسية.


ـ أن تقام ورش عمل (تجمع بين علماء وخبراء ومفكرين) بخصوص كل من هذه المبادىء والقوانين والنظريات.


ـ أن يكون الهدف من كل ورشة عمل هو التوصل "الجماعى" إلى المعانى والأدوات الثقافية الممكنة بخصوص المتضمنات المعرفية المحتواه فى (أو التى يمكن أن تنجم عن) القانون أو النظرية أو المبدأ ...إلخ.


ـ أن تصمم برامج عمل لخدمة هذه المعانى والأدوات من أجل الارتقاء بفهمها بواسطة عموم المواطنين، ومن أجل تكثيفها – تطبيقيا – لتكون بمثابة قوة دفع معرفى (مجتمعى) فى شكل "قوانين" و"آليات" للثقافة العلمية.


ـ مرة أخرى، أن تكون غاية الفائدة المرجوة من ورش العمل هذه هى تحويل المبادىء والمفاهيم من المعرفة العلمية المحضة إلى ثقافة علمية تطبيقية (أو يسيرة المقاربة والتطبيق) يجرى استخدامها بواسطة المواطن العادى فرديا ومجتمعيا.


ـ وفى النهاية يمكن بلورة المتغيرات الإيجابية الممكنة، كنتاج لورش العمل هذه فى مخرجات (ثقافية وإعلامية وفنية متعددة) تسهم – كعزم – فى إحداث تغييرات فى شكل الزمن، الأمر الذى يعنى الارتقاء بالمرجعيات والعلاقات والسلوكيات والتوجهات عند الأفراد وفرق العمل والمؤسسات والكيانات الوطنية (وعبر الوطنية) بوجه عام.


    وربما فى ختام هذا الطرح يفضل التأكيد على أن الجهد المطلوب من أجل تقنين مبادىء الثقافة العلمية لا بد أن يكون جهدا مؤسسيا، وأن تخضع مخرجاته للتطور والارتقاء باستمرار تطور المعرفة العلمية، وكذلك باستمرار تطور "الحس" بالمعرفة العلمية (يمكن هنا الرجوع – كنموذج – إلى "الحس البيولوجى فى القرن الحادى والعشرين..." فى كتاب "إدارة المعرفة: رؤية مستقبلية"، دار المعارف 1998).


    فى هذا الخصوص يمكن القول إن الحاجة ماسة للعمل الجماعى المنظومى بواسطة المؤسسات الثقافية الوطنية (على غرار المجلس الأعلى للثقافة فى مصر) وتلك الإقليمية (مثل جامعة الدول العربية) من أجل تعظيم عزم الثقافة العلمية فى مختلف مجالات الحياة وعلى مستوى كافة الكيانات البشرية (الفرد – وحدة العمل – المؤسسة – المجتمع ككل... إلخ).