إينشتاين .. مائة عام على نظريته النسبية الخاصة

19/04/2016 - 9:33:03

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

د. محمد فتحي فرج - كاتب مصري

يتزامن احتفال الأوساط العلمية المختلفة على مستوى العالم بمناسبتين: مرور 100 عام على نظرية النسبية الخاصة، ومرور 135 عاما على ميلاد واضع هذه النظرية، كونه أعظم عقل علمى أنجبته البشرية وهو ألبرت إينشتاين  Albert Einstein (1879 ـ 1955) أحد بناة العلم العظام فى القرن العشرين والذى كان لنظريته تأثير واضح على مختلف الأنشطة الفكرية والفلسفية والعلمية.


    يرى الكاتب الإنجليزى روبرت داونز Robert B. Downs  نظرية النسبية من بين الأعمال الفكرية الكبيرة، ذات التأثير البالغ، التى شاركت فى تحويل مجرى الفكر الإنسانى وتغييره، وتشكيل تاريخ الإنسانية جمعاء، فقد اعتنقها علماء الفيزياء والرياضيات بل العلوم الإنسانية، كما تأثر بها الناس فى تفكيرهم وسلوكهم وأعمالهم، وأصبح "البعد الرابع" أو "الزمن"، لأول مرة، شريكا للأبعاد الثلاثة الأخرى، فى تقديرهم وتقييمهم لكل شيء، حتى لأنفسهم!


    وعلى الرغم من ذلك، فلم يفهم كثير من المتخصصين، فضلا عن عامة المثقفين والناس العاديين نظرية النسبية، سواء فى صورتها الخاصة أو العامة، ولكى تدلل على ذلك الكاتبة الأمريكية ميلفين بِرجر Melvin Berger  فى كتابها "انتصارات العلم الحديث" Triumphs of Modern Science، فإنها تقول فى مستهل الفصل السابع: شاعت بين الناس، منذ سنوات، نكتة حول نظرية النسبية تقول: إن هناك رجلا يدعى سميث ألّف كتابا لشرح النسبية؛ فكتب أحدهم حول هذا الكتاب ما يلى: إن سميث أعظم من ألبرت إينشتاين: فحينما شرح إينشتاين نظريته لأول مرة، فهمه اثنا عشر رجلا فى العالم كله، وعندما شرحها سميث لم يفهمها أحد! والواقع أن من حق الكثيرين أن يفهموا هذه النظرية المهمة، ولعل هذا وراء ذلك السيل من الكتب التى تتصدى لبسطها وعرضها وشرحها، على مستويات مختلفة، ومع هذا فقد صدم شرح إينشتاين لنظريته الكثيرين أول الأمر، منذ مئة عام. ومنذ ذلك التاريخ لقيت هذه النظرية قبولا متزايدا، لدى جميع الأوساط العلمية، على النقيض من "نظرية التطور" لتشارلز داروين، مثلا. بل إن هناك بعض مؤرخى العلم وفلسفته مثل كومّينزS. Commins  ولينسكوت  R. N. Linscott، وغيرهما يضمون إينشتاين إلى طائفة فلاسفة العلم، ولعله آخر عمالقتهم فى هذا المجال.


     على أننا نعتقد أن الأفكار التى أدت فى النهاية إلى صياغة هذه النظرية تعتمد، إلى حد كبير، على الحدس Intuition، الذى قد يكشف فى لحظة نادرة عن كنوز الحقيقة الخبيئة فى أعماق النفس. وفى هذا السياق أتذكر كلمة للدكتور زكى نجيب محمود، فى مقدمته لترجمة كتاب: "محاورات ألفرد نورث هوايتهد " ـ صديق إينشتاين وزميله وشريكه فى تأليف بعض الكتب المهمة ـ تلك المحاورات التى سجلها عنه لوسيان برايس، حيث يقول د. زكى: "ويمضى هوايتهد فى حديثه هذا فيقول: إن الرياضة أدق من لغة الكلام، وهى أقرب إلى الحق، ولذلك فلا يبعد أن يجيء يوم فتصبح الرياضة هى وسيلة الناس فى التفاهم بدل الكلام المألوف لنا اليوم، والحق أن كل ما يدور به الفكر الواعى، وما نصوغه فى عبارات اللغة، هو ـ بالقياس إلى الكامن الدفين فى نفوسنا ـ سطحى ضحل تافه، وأما الأعماق العميقة فلا تتبدى أمام الوعى أو تنطلق فى عبارات اللغة، إلا فى اللحظات النادرات، وهى هى اللحظات التى لا تنسى من حياتنا، وفى تلك اللحظات نشعر ـ أو قل إننا عندئذ نعلم ـ أننا إنما نُستَخدَمُ أدواتٍ لقوة أعظم منا، لنحقق لها أهدافا أعلى من أهدافنا، وإن أمثال هذه اللحظات لتكثر عند العباقرة، لكن ليس منا من لم تمر بحياته لحظات كهذه، وفى الإمساك بهذه اللحظات الإشراقية تكون عظمة ما يتفتق عنه الإلهام".


    ومن ثمّ فقد وجد إينشتاين عنتا كبيرا فى عرضه وتفسيره لنظريته لأول مرة منذ ما يقرب من قرن، بل مثّلت صدمة للعالم كله فى ذلك الوقت مما حدا بالكثيرين من العلماء والكتاب العلميين للتأليف حول هذه النظرية فى محاولات جادة لتبسيطها وشرحها سواء للمتخصصين أو غيرهم من عامة القراء حتى لقيت قبولا عاما.


    أما منشأ هذه النظرية فيتمثّل فى تساؤل كلاسيكى يدور حول كيفية انتقال الضوء من موضع إلى آخر. وقد تراوحت الإجابة عن هذا السؤال طبقا لتطور مفاهيم علم الفيزياء، وقد تمثّلت إجابة القرن التاسع عشر فى أن الضوء حركة موجية كالصوت، إلا أن الصوت يحتاج فى انتقاله إلى الهواء أو إلى أى مادة أخرى يمكن دفعها إلى الحركة، فماذا يصنع الضوء؟ ينتقل الضوء أحيانا خلال الهواء أو خلال مادة شفافة كالزجاج أو الماء، ولكن ماذا عن الضوء الذى يأتى إلينا من النجوم، لاسيما إذا عرفنا أن الجزء الأكبر من الفضاء الخارجى عبارة عن فراغ؟ لا بد إذن من أن الضوء قادر على الانتقال فى الفراغ. إلا أن العلماء لم ترُق لهم هذه الفكرة ولذا فقد لجأوا إلى افتراض وجود الأثير. وفى أواخر القرن التاسع عشر (1881) قرر العالمان ميكلسون ومورلى أن يتحققا من وجود الأثير، فأرسلا أشعة ضوئية من مصدر ما فى مختلف الاتجاهات بحيث تقطع مسافات متساوية تماما، وكان المتوقع أنه حالة وجود ريح أثيرية، فإن بعض هذه الأشعة يسير بسرعة أقل وبعضها الآخر يسير بسرعة أكبر، وذلك تبعا للاتجاهات المختلفة للريح الأثيرية (التى إما أن تقاوم أو تساعد)، فماذا كانت النتيجة؟


    أسفرت النتائج عن تساوى سرعة انتقال الضوء مهما كانت اتجاهات الأشعة الضوئية، مما يدل على عدم صحة افتراض وجود الأثير. وقد كانت هناك محاولات مستميته لرفض هذه النتائج وذلك بتوجيه النقد لتجارب ميكلسون ومورلى إلا أنها كلها باءت بالفشل. وقد علل العالم فيتزجيرالد ذلك بأن أجهزة ميكلسون ومورلى قد تعرضت لنقص، ولو طفيف، أدى إلى نتائجهما تلك. وقد لقى فيزجيرالد صعوبة فى إقناع الآخرين بذلك. إلا أن العالم الهولندى لورنتز قدم إلى فيتزجيرالد قاعدة رياضية مفادها أن الجسم المتحرك يقل طوله (ينكمش) بمعدل رياضى معين طبقا لسرعته، فلو تصورنا مثلا أن جسما يسير بسرعة تعادل نصف سرعة الضوء (150000 كيلومتر فى الثانية)، فإن طوله يقل بمقدار 86 ٪ من طوله الأصلى. وعند هذه النقطة بدأت أبحاث إينشتاين، فقد بنى على ما توصل إليه ما سبقوه ممن ذكرناهم آنفا.


النظرية النسبية


     بنى إينشتاين النظرية الخاصة للنسبية على عدد محدود من الفروض، وقد تمثّل الفرض الأول والذى تسمّت النظرية باسمه فى أن "جميع حركات الأجسام نسبية". أى أنها لا بد أن تقارن بمرجع آخر، وعلى سبيل المثال فإننا إذا قلنا إن سرعة سيارة تبلغ 50 كيلومترا فى الساعة فإن ذلك قد لا يعنى شيئا، أما إذا قلنا أن سرعتها تساوى 50 كيلومترا فى الساعة بالنسبة للأرض فإن ذلك يكون أقرب إلى الصحة. بيْد أن ذلك لا يدل على السرعة الحقيقية المطلقة للسيارة ؛ إذ لا يوجد فى الكون بأكمله أى شيء ساكن، نستعمله كمرجع ننسب إليه. ولذلك فمن المستحيل تعيين السرعة المطلقة لحركة السيارة. ولما كانت التجارب التى قام بها كل من ميكلسون ومورلى تؤكد ثبات سرعة الأشعة المنطلقة من مصدر واحد فى كل الاتجاهات، لاسيما وأنه ليس فى الكون شيء يتمتع بالسكون الثبات، إذن فإثبات وجود الأثير أمر متعذّر بل مستحيل. أما ثانى القوانين الرئيسية فى النظرية الخاصة فيمكن للقارئ أن يتصوره إذا ما قام بالتجربة التالية: استَقِل سيارة أو قطارا سريعا يسير فى خط مستقيم بسرعة ثابتة، ثم ضع عملة معدنية فى اليد اليمنى وارفعها فوق اليد اليسرى مباشرة ثم أسقطها، قد يتوقع القارئ أن الوقت الذى تستغرقه العملة فى السقوط، تكون فيه السيارة قد تحركت إلى الأمام فتقع العملة على الرسغ بدلا من أن تقع فى اليد. لكن المُشاهَد هو أن العملة المعدنية تقع فى اليد مباشرة. فطالما أن السيارة ـ والراكب بداخلها ـ يتحركان بسرعة متماثلة، فإن العملة تسقط بطريقة لا تختلف إطلاقا عما إذا كان الراكب ثابتا فى موضعه. بل إن السيارة، لو لم يكن بها نوافذ لما استطاع راكبها أن يتبين، على وجه اليقين، ما إذا كانت تتحرك أو كانت واقفة!


    وهذه الملحوظات سبق قبولها منذ مئات السنين إلا أن إينشتاين قد استثمرها وأضاف إليها شيئا جديدا يتعلق بإدخال القوانين، التى تفسر سلوك الضوء، ضمن الأشياء التى تبقى على حالتها فى المجموعات ذات الحركة المنتظمة. وذكر أن سرعة الضوء فى الفراغ، كما تبدو لمن يرصدها، ثابتة على الدوام، وأصبح ذلك أحد أسس النظرية النسبية، حتى أن إينشتاين قد سجل أن سرعة الضوء تظل ثابتة (300000 كيلومتر/ ثانية) مهما كانت حركة مصدر الضوء أو حركة الجسم الذى يقع عليه. ويبدو أن هذه هى القيمة الوحيدة الثابتة فى هذا الكون الذى نعيش فيه، حتى لو بدا ذلك متناقضا مع  ما يقبله المنطق والعقل! فالمنطق يقول: إنه إذا كان شخص ما مسافرا فى قطار يسير بسرعة 100 كيلومتر فى الساعة وكان هذا الرجل يجرى فى هذا القطار بسرعة 10 كيلومترات، فى الاتجاه ذاته، فإن سرعته بالنسبة للأرض تصير: 100 + 10 = 110 كيلومترات فى الساعة. وبالمثل فلو كان اتجاه جَرْى الرجل، داخل القطار، فى عكس اتجاه القطار تصير سرعة الرجل بالنسبة للأرض: 100- 10 = 90 كيلومترا فى الساعة. هذا ما اعتاد عليه الإنسان فى حكمه على الأشياء باستخدام العقل والمنطق العادى. أما بالنسبة لسرعة الضوء فإن الأمر يختلف، وسبحان الله نور السماوات والأرض! وعلى ذلك فقد استنتج إينشتاين أنه لا يمكن لأى جسم مهما خف وزنه أو عَظُمَت القوة التى تحركه أن يسير بسرعة تفوق سرعة الضوء فهى السرعة التى ليس بعدها سرعة! ولو فرضنا جدلا أن جسما ما سوف يتحرك بسرعة الضوء فلن يبقى على حاله جسما ماديا بل سيتحول إلى ضوء.. إلى نور!


    وطالما أن سرعة الضوء تظل ثابتة تحت كل الظروف، فقد قفز إلى ذهن إينشتاين أن شيئا آخر لا بد وأنه يتأثر بالسرعة ويتغير وهذا الشئ هو "الزمن"، ثم ذكر أن الزمن يتباطأ فى المجموعة المتحركة وأوضح أيضا أن هذه العلاقة عكسية، أى أنه كلما زادت سرعة المنظومة المتحركة قلت بالنسبة لها سرعة الزمن، ولتوضيح ذلك إليك المثال الآتى: نفرض أن راكب صاروخ ضبط ساعته على الأرض وكانت تشير إلى الثانية عشرة ظهرا تماما، ثم انطلق فى رحلته بسرعة 150000 كيلومتر فى الثانية، وعند هبوطه على الأرض فى الساعة الواحدة حسب التوقيت الأرضى سيجد أن ساعته تشير إلى الثانية عشرة وأربع وخمسين دقيقة فقط (علما بأن الساعات المستخدمة فى هذه القياسات دقيقة للغاية). والذى يمكن استنتاجه من هذا المثال هو أن الزمن تتباطأ سرعته بالنسبة إلى المجموعة المتحركة، وفى مثالنا السابق فقد نقصت سرعة مرور الزمن بواقع العُشر!


     وإلى هنا فقد تبيّنا أن الحركة (سرعة تحرك الأشياء) نسبية، وأن أطوال الأشياء المتحركة نسبية (مع الأخذ فى الاعتبار أن ليس هناك شيء ثابت فى الكون) وأن الزمن هو الآخر نسبى. أما العجب التالى الذى يتحفنا به إينشتاين فيتعلق بالكتلة (وتعرف كتلة أى جسم علميا بمقدار مقاومته للتغير فى الحركة)، وهى أيضا نسبية وليست ثابتة تحت كل الظروف، فكلما زادت سرعة الجسم زادت كتلته. فحينما يتحرك جسم ما.. رجلا كان أو سيارة بسرعة 42,259677 كيلومتر فى الثانية فإن كتلة هذا الجسم ستتضاعف، فلو فرضنا أن كتلة هذا الرجل كانت 70 كيوجراما فإنها ستصير 140 كيلوجراما. وهكذا لو تخيلنا ـ مجرد خيال ـ أن رصاصة انطلقت بسرعة تساوى 999,99 ٪ من سرعة الضوء فسوف تصير كتلتها عدة أطنان! أما إذا افترضنا أن الرصاصة ستنطلق بسرعة الضوء (رغم أن هذا مستحيل) فإن كتلتها ستصل إلى ما لا نهاية! ومن هنا يتبين لنا مقدار الثورة العلمية والفكرية التى أحدثها إينشتاين بنظريته!


    وقد توصّل إينشتاين، عن طريق بحوثه الفذة، إلى أشهر معادلة فى دنيا العلوم وتاريخها على الإطلاق، وهى: ط = ك × ع2. (ط = الطاقة، ك = كتلة الجسم، ع = سرعة الضوء)، ومعنى ذلك أن طاقة أىّ جسم تساوى عدديا مقدار كتلته مضروبا فى مربع سرعة الضوء. وبهذه المعادلة الخطيرة استطاع العلماء والتكنولوجيون أن يطلقوا المارد الجبار من قمقمه كما تقول حكايات الليالى! وقد تحقق ذلك بالفعل فى دنيا الناس حينما اسْتُثْمِرت معادلة إينشتاين تلك، وعلى أساسها تم تصنيع وتفجير أول قنبلة نووية من صنع الإنسان فى التاريخ، فى أثناء الحرب العالمية الثانية (استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية، راعية الديمقراطية وحقوق الإنسان فى العالم، أول قنبلتين نوويتين، على مدينتى هيروشيما ونجازاكي اليابانيتين؛ لتحسم نتيجة الحرب العالمية الثانية لصالحها، رغم ما نجم عن ذلك من مآس يعانى منها الكثيرون على كل المستويات حتى اليوم!).


    وقد ربط إينشتاين فى معادلته السابقة بين كل من المادة والطاقة، وأوضح أنهما وجهان لعملة واحدة، ومن ثمّ فمن الممكن تحويل إحداهما إلى الأخرى. وقد استنبط معادلته طبقا للمفاهيم الجديدة التى قدمها لنا، والتى عرضنا لها بخصوص نسبية الأبعاد المختلفة، ومن هنا كانت تسمية نظريته بالنسبية.