جناية ابن نباتة على شيوخ الخطابة

19/04/2016 - 9:32:06

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

السيد عبد المحكم السيد - باحث مصري

بعد استماعى إلى خطبة “عرفات” يوم الأربعاء 9 من ذى الحجة 1436 هـ - 24/9/2015م أحسست بأننا فى أشد الحاجة إلى اجتماع عاجل يحضره علماء الدين من كل بلاد المسلمين.. ومن قرأ “خطبة الوداع” للنبى عليه الصلاة والسلام - يشعر بمدى الارتكاس الذى وصلنا إليه؛ فلا مقارنة إطلاقاً ..!! وإنما خطيب عرفات الذى يقف على مثل منبر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يردد منذ عشرين عاماً كلام الشيخ ابن نباتة الذى ألف ديوانا للخطب الراتبة والعارضة، وأقدر خطباء المساجد فى عصره على الالتزام بما كتبه ورتبه - عفا الله عنه وعنا - وابن نباتة الذى نقصده هو: أبو يحيى عبدالرحيم بن محمد بن إسماعيل بن نباتة الحذاقى الفارقى صاحب الخطب المشهورة. وهذا الرجل كان بمثابة وزير الأوقاف وشئون المساجد فى بلاط إمارة “حلب” فى عهد الأمير “سيف الدولة الحمدانى” فى القرن الرابع الهجرى - أى منذ ألف عام تقريبا - ولقد صلى وراء ابن نباتة عدد من عباقرة الأمة وأفذاذها واستمعوا إلى خطبه التى كانت تناسب سياسات الأمير وتوجيهاته ..! ومن هؤلاء “المتنبى” - سلطان الشعراء حتى الآن - والأصفهانى صاحب كتاب الأغانى وأبوعلى الفارسى، وابن خالويه، وأبو سعيد السيرافى ، وأبو سعيد بن المعلى ، وأبو على الحاتمى . ولكل هؤلاء آثار علمية تطبع وتقتنى وفى مقدمتها “المقامات” لأحد نجوم هذه الكوكبة “بديع الزمان الهمذانى”وابن نُباته .. بضم النون وفتح الباء وبعد الألف تاء مفتوحة ثم هاء ساكنة. والحذاقى: بضم الحاء وفتح الذال وبعد الألف قاف بها ياء النسب إلى حذاقة، قبيلة من إياد.


وكان سيف الدولة كثير الغزوات والحروب، ولهذا أكثر ابن نباتة من دعوة الناس إلى الاحتشاد ليحثهم ويحضهم على نصرته والدعاء له.. ولاتزال كلماته ودعواته تتردد حتى الآن فى مساجد القرى لصاحب الزمان “اللهم انصر عساكره ودساكره على الأعداء” ..! فإذا سألت الشيخ عن المعنى لا يعرفه .. لأنه حفظ أو قرأ الخطبة هكذا.. فما بالنا بالمتلقى الذى لا يحسن القراءة ويقول ابن خلكان: كان إماما فى علوم الأدب، ورزق السعادة فى خطبه التى وقع الإجماع على أنه ما عمل مثلها... وهو من أهل “ميافارقين”.


وكان رجلا يؤمن بالمنامات!! قال : لما عملت خطبة المنام وخطبت بها يوم الجمعة، رأيت ليلة السبت فى منامى كأتى بظاهر ميافارقين عند الجبانة.. فقلت ما هذا الجمع؟ فقيل لى : هذا النبى (صلى الله عليه وسلم) ومعه أصحابه، فقصدت حالاً إليه لأسلم عليه . فلما دنوت منه التفت إلى فرآنى فقال: مرحباً بخطيب الخطباء.. كيف تقول وأومأ إلى القبور (صلى الله عليه وسلم)؟ قلت : لا يخبرون بما إليه آلوا، ولو قدروا على المقال لقالوا، قد شربوا من الموت كأسا مرة، ولم يفقدوا من أعمالهم ذرة أسكتهم والله الذى أنطقهم، وأبادهم الذى خلقهم، وسيجددهم كما أخلقهم ، ويجمعهم كما فرقهم، يوم يعيد الله العالمين خلقاً جديداً ويجعل الظالمين لنار جهنم وقودا؛ يوم تكونون شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا. وأومأت عند قولى تكونون شهداء على الناس إلى الصحابة وبقولى: شهيداً إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً فقال لى: أحسنت .. ادن منى. فدنوت منه (صلى الله عليه وسلم) فأخذ وجهى وقبله .. ونفث فى فمى وقال : وفقك الله . فانتبهت من النوم وبى من السرور ما يجل عن الوصف. فأخبرت أهلى بما رأيت .. وبقى “ابن نباته” بعد هذا المنام ثلاثة أيام لا يطعم طعاماً ولا يشتهيه ويشم من فيه رائحة المسك، وعلى وجهه أثر نور وبهجة. وعاش ثمانية عشر يوما لا يستطعم أكلا ولا شرابا حتى مات سنة (374) هـ وكان مولده فى (335) هجرية بديار بكر بالعراق .


وكان ثانى يوم عيد الأضحى يوم الجمعة 10 من ذى الحجة 1436هـ الموافق 26 سبتمبر 2015، وقبيل خروجى لصلاة الجمعة بالقاهرة أحببت أن أستمع إلى خطيب الحرم الشريف بمكة المكرمة، فإذا به كالعادة يقرأ من أوراق فى يده..! ينقل إلى المستمعين كلام ابن نباتة يتخيل فيها الحرم الشريف يخاطب الحجيج : “يحنون إلى حنين الطير إلى أوكارها ، ويفدون على من فجاج الأرض وأقطارها أنضاء على الأنضاء ، خواضاً لحجج الرمضاء”!


وبالطبع لا يصلح مثل هذا الأسلوب القديم واليهود فى داخل المسجد الأقصى يصدون المسلمين عن إقامة شعائرهم فى مناسبة يوم عيدهم الأكبر.. كما لا يصلح أن نخاطب المصلين بسجع ابن نباتة ووكالات الأنباء وعلى الفضائيات عبر الأقمار الصناعية ينقلون كارثة التدافع عند رمى الجمرات فى منى ...!


وفى عام 1931 كتب الدكتور زكى مبارك:


“ربما كان السجع أقرب فنون البديع إلى لغة الخطباء، فهو أسرع تأثيراً فى الجماهير التى لا تفطن إلا إلى الظواهر البراقة من حلية البلاغة والبيان.. وربما كان فى اختيار الواعظين للسجع اتصالاً للتقاليد القديمة التى عرفت عن الكهان؛ والكهان هؤلاء كانوا رجالاً يؤدون فى البيئات الجاهلية ما يؤديه الآن الخطباء الواعظون فى البيئات الإسلامية، والجمهور واحد - أمام الفريقين: فهو دائماً عامة الناس الذين يجدون فيما تحتوى السجعات من الألحان والأنغام والأوزان مثيراً لما لا يدركون من النزعات الإنسانية الكامنة الى يهيجها النغم والإيقاع”.


وكتب الدكتور محمد حسين هيكل عام 1936:


وعدت إلى قبتى واستقبلت كثيرين جاءوا يزوروننى ويشاركوننى الحديث فى الحج وما يجب لنظامه. وأذن للظهر وجمع الناس بين صلاة الظهر والعصر، وقاموا يلبون حين قيل لهم: إن الخطيب قائم عند مسجد الصخيرات يخطب الناس.. لكن زحمة عرفات لم تدع لأحد أن يذهب لسماع الخطيب .. ثم إن مثل هذه الخطب قد صارت خطباً تقليدية كخطب الجمعة فى مساجد مصر ، ألفت الأذان سماع ألفاظها، ومعانيها التى أصبحت لا تتفق وروح العصر، ولا تتفق أيضاً وطبيعة الإسلام الداعية دائماً إلى الجديد فى حدود ما أمر الله به وما نهى عنه سبحانه ..


وكتب أمير الشعراء أحمد شوقى تحت عنوان : “خطيب المساجد” يا  مرشد العابد، وراد الهوى الشارد ، أعلمت أى مقام أرقمت ، ولأى بلاء قدمت؟ إنما ندبت للوعظ والإرشاد؛ الآذان لك مرهفة، والأذهان إليك متشوقة، فماذا عندك للأتقياء من الأغنياء؛ فى الصف الأول من إشارة إلى الذهب المدخر..؟ وماذا أعددت للتاجر ، من الوعظ الزاجر تحضه فيه على الأمانة، وتحذره عواقب الخيانة، وتوصيه بسمعيه ضنا وصيانة؟ .. أم أنت كما زعموا ببغاء لم تحفظ غير صوت، تردده إلى الموت، كلمات محفوظة، فى كل مكتوبة ملفوظة، سيف من خشب ، وخطوب فى صورة خطب؟


ولقد وضع الدكتور عبدالحليم محمود - شيخ الأزهر الأسبق - المتوفى عام 1978 رؤيته فى كتابه “أوربا والإسلام” . كما ترك الشيخ محمد الغزالى السقا، المتوفى عام 1996م خريطة طريق دقيقة فى كتابه “الدعوة تستقبل عامها الخامس عشر” و “الدعوة والدعاة” ولكن قبل مناقشة تجديد الخطاب الدينى يجب أن نعمل بقول الفقهاء : “التخلية قبل التحلية”! أى تطهير الأرض من الذين اتخذوا من الدعوة سبيلا للاسترزاق..!! بتطبيق الآتى:


1- مراجعة “مجلة منبر الإسلام” وما نشر فيها إبان “الإخوان” وأعضاء المجلس الأعلى للشئون الإسلامية فترة وجود الدكتور محمد مرسى رئيساً للبلاد..


2- نشر بعض المحاضر الرسمية لفتح صناديق النذور المليونية كالبدوى، والدسوقى، والمرسى أبو العباس، وأبوعبدالله الحسين، والسيدة زينب، ونفيسة العلوم، أما المعلومات غير الرسمية فخبرها عند العمال فى تلك المساجد وعندهم الكثير ... !!


على أن يختار من تلك المحاضر بعض النماذج منذ عهد الرئيس عبد الناصر وعندما يعلم الجميع كيف توزع هذه الأموال .. نبدأ بالإصلاح وهناك علماء يحجبهم حاجز كثيف من شيوخ الاسترزاق منذ أيام الاتحاد الاشتراكى حتى نظام “لجنة السياسات” أو لجان التوريث ... !!


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


الهوامش :


1- كتاب "وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان" للقاضى ابن خلكان - المجلد الأول ص 283 ط القاهرة بدون تاريخ .


2- المصدر السابق.


3- "ميافارقين" مدينة فى ديار بكر. انظر الأطلس العربى الصادر عن الجهاز المركزى للكتب الجامعية بالقاهرة 1988م.


4- "النثر الفنى فى القرن الرابع الهجرى" جـ2 ص 196ط دار الكتب بالقاهرة .


5- "فى منزل الوحى" ص 94 الطبعة  الخامسة - دار المعارف بالقاهرة.


6- "أسواق الذهب" لأمير الشعراء ص93 ط 1951م - المطبعة التجارية الكبرى بالقاهرة.