آباء الهلال .. طاهر الطناحي في حديقة الأدباء!

19/04/2016 - 9:31:17

طاهر الطناحى طاهر الطناحى

محمد رضوان

تمر فى الرابع عشر من أبريل الجارى الذكرى التاسعة والأربعون لرحيل الكاتب الصحفى الأديب أو أديب الصحافة طاهر الطناحى (1901-1967) الذى كان له دور مشهود ومثمر فى مسيرة الهلال على مدى أربعة عقود (1927-1967) أضاف خلالها الكثير من الأدب الأصيل الراقى إلى مجلة الهلال والقضايا الحيوية، واجتذب إليها أقلام نخبة من أرقى الأدباء والمفكرين العرب الذين تركوا بصمات واضحة على مسيرة الهلال شكلا وموضوعا، فضلا عن أثره الواضح فى اختيار نوعية الكتب والروايات والدراسات التى صدرت عن سلسلتى كتاب الهلال وروايات الهلال وقد ابتكر طاهر الطناحى فكرة طريفة تتمثل فى تشبيه الأدباء بالطيور والحيوانات استلهمها من جلسة أسبوعية كانت تعقد فى جزيرة الشاى فى حديقة الحيوان فى الجيزة ويحضرها العقاد ومجموعة من الأدباء والشعراء والموسيقيين والفنانين واتفقت المجموعة مع الفنان التشكيلى الكبير أحمد صبرى لأن يختارلكل عضو من أعضاء الحديقة قفصه وعلى حد تعبير العقاد: والفضل لزميلنا المتفنن طاهر الطناحى أن استغنى عن الأقفاص مفتوحة وغير مفتوحة وأطلق نسوره وعقبانه وعصافيره وتماسيحه بين سماء عالية وبحار مترامية، ونقلها من عنوان حديقة الحيوان إلى عنوان يطلق على محفل الإنسان فى أرفع مكان، وينطلق فيه المنطلقون فى ثياب أوزوريس وجوبتير، أو ثياب عرائس الأوليمب وأملاك الفلك المنير.


وقد اجتمعت فى كتاب حديقة الأدباء ريشة الفنان أحمد صبرى مع قلم طاهر الطناحى ليرسم لكل أديب أو فنان “بورتريه” يجسد فيه صفاته وسماته التى تتوافق مع صورة الطائر أو الحيوان المشبه به، فشبه العقاد بالعقاب وأحمد لطفى السيد بالنسر وميخائيل نعيمة بالطاووس وأم كلثوم بالبلبل القيثارى وطه حسين بالكروان  وتوفيق الحكيم بالعصفور وأحمد أيمن بمالك الحزين وعبدالرحمن صدقى بالبطريق وإبراهيم ناجى بالسنجاب وهكذا استطاع طاهر الطناحى بقلمه الرشيق أن يجمع فى حديقته أدباء العصر ليمرحوا فيها ويصدحوا بأحلى الأنغام وأرق النغمات وأعذبها حتى كاد القارئ يصدق بالفعل الشكل الذى جسده الطناحى لشخصية كل أديب وفنان فى صورة طائر أو حيوان وهو فى حديقته الغناء!


هكذا كان طاهر الطناحى “كروان الأدباء” الذى كان رسول محبة وصفاء ونقاء بين الأدباء وكأنه يرسل نغمات قيثارته ليجمع بين الأدباء والفنانين فى حديقته الغناء الرائعة!


سيرة حياة ومسيرة فكر!


ولد طاهر بن أحمد الطناحى فى مدينة دمياط المطلة على البحر المتوسط فى شهر أغسطس سنة 1901، حيث تلقى علومه الابتدائية والثانوية بدمياط، قبل أن يحضر إلى القاهرة ويلتحق بكلية دار العلوم ويمضى بها ثلاث سنوات، ويتخرج فيها سنة 1924.


وفى سنة 1927 التحق بدار الهلال وظل يعمل فيها طول عمره فى مجلتى “المصور” و“كل شى ء” ثم مديراً لتحرير مجلة الهلال حتى رحل عن الحياة.. وقد عشق طاهر الطناحى الشعر والأدب منذ نعومة أظفاره، بل بدأ محاولاته الشعرية الأولى وهو فى سن الصبا فى مدينته دمياط الساحلية الهادئة.


وبالرغم من دراسته الأدبية واللغوية حين اتصل بدار العلوم، إلا أنه تمكن من أن ينهل من الثقافة الأوروبية عن طريق الكتب المترجمة واتصاله بأعلام الفكر العربى الحديث فى العشرينيات من القرن العشرين، فاتصل بالمنفلوطى وحافظ إبراهيم وأحمد شوقى وأحمد أمين ومحمد حسين هيكل وطه حسين والعقاد والمازنى وزكى مبارك وغيرهم.. وقد واتاه عمله الصحفى، لاسيما بدار الهلال فرصة الاتصال بهؤلاء وغيرهم، التى كانت دائماً منبراً للثقافة والفكر العربى.. ويحسب لطاهر الطناحى جهده الرائع وبصمته المتميزة فى مجلة المصور، إبان الفترة التى استطاع خلالها أن يظفر بمذكرات كل من عبدالعزيز فهمى وإسماعيل صدقى ولطفى السيد، قبل أن يتفرغ للعدد الذهبى المعروف باسم “نحن العرب”.


أما مجلة الهلال فقد شهدت نشاطه الأدبى الكبير فى استكتاب كبار الأدباء والمفكرين، كما عمل على تطوير المجلة وتقدمها إلى الأحسن.. وكانت له موضوعات مثيرة مثل: رسائل الآنسة مى لكبار الأدباء وقد تعرف إلى مى فى سنواتها الأخيرة، ومذكرات الإمام محمد عبده.. وقد اهتم بغرام الأدباء وكتب ما يعرفه عن كثير من الأدباء الذين عرفهم مثل المازنى والعقاد وأحمد لطفى السيد وغيرهم.. وكان من أكثر الصحافيين صلة بالناس وأصفاهم خلقاً وفطنة.


وإلى جانب كتاباته الأدبية الرصينة كان طاهر الطناحى شاعراً رقيقاً، ومن ذلك قصيدته التى ترجمها عن الإنجليزية “انس همومك” التى نشرها بالهلال فى نوفمبر سنة 1953، ويقول فيها:


إذا ساءك الدهر الخئون بحادث


فكن ناسيا سلوان أيان تذهب


وأقبل على الدنيا ولا تخش بأسها


ولا تبك حظا دون جهدك يحجب


وابصر ضياء الله فى كل ظلمة


ففيه لنا أنس وزاد محبب


وقد جمع طاهر الطناحى بين العمل الصحفى والثقافة الأدبية الرفيعة، فقد بدأ حياته العملية صحفياً بدار الهلال، لكن بعد عدة سنوات بدأ يتفرغ للأدب والفكر من خلال مجلة الهلال، وقد ساعده على ذلك الصلات الوثيقة بأدباء مصر والبلاد العربية، والتى بدأها فى حقبة مبكرة من حياته وهو مازال طالباً بكلية دار العلوم.. وقد أصدر عدة كتب أدبية أكثرها من هدايا مجلة الهلال منها حياة مطران ومعارك السيف والقلم وشوقى وحافظ وأطياف من حياة مى وساعات من حياتى وعلى فراش الموت وأمير قصر الذهب وفاروق الأول ونشيد الكروان وألحان الغروب وحديقة الأدباء ومجموعة أقاصيص على ضفاف دجلة والفرات.


وكانت له فلسفة خاصة فى حياته جعلته محبوباً لدى جميع معارفه وزملائه، وفى هذا يقول: عش سعيداً واستقبل الحياة مبتسماً فى شجاعة، وإن الحياة جديرة بأن تعاش، وليس فيها من المتاعب إلا ما صنعه الإنسان لنفسه، أو ما صنعه الإنسان لأخيه الإنسان.


وكان طاهر الطناحى يحمد الله دائماً على صحته التى ظلت جيدة إلى ما بعد الستين.. ثم أصيب فى أواخر أيامه بالشلل فنقل إلى المستشفى، ولما شارف الشفاء توجه إلى بيته لاستكمال علاجه وحمد الله على ذلك، وقام فى الصباح يتوضأ ويصلى، غير أن الموت لم يلبث أن عاجله فانتقل إلى جوار ربه فى الرابع عشر من أبريل سنة 1967.


منذ صدور مجلة الهلال فى شهر سبتمبر 1892 برئاسة جرجى زيدان توالى على رئاسة تحريرها العديد من الأدباء والمفكرين ورجال الصحافة والإعلام بعد رحيل مؤسسها الأول جرجى زيدان عام 1914 بعد 22 عاماً من العمل الدائب والإنتاج الأدبى والتاريخى الغزير الذى توزع بين الهلال وإصدار رواياته التاريخية ودراساته التاريخية وكان من أبرز من تولى رئاستها بعد رحيله ابنه إميل زيدان الذى ظل يتولى رئاسة تحرير الهلال منذ عام 1914 حتى عام 1946 وترك بصماته على صفحاتها التى تنوعت بين فنون الأدب والفن والتاريخ والعلوم وفى تلك الحقبة أصدرت أعداداً خاصة عن أعلام الأدب العربى من أمثال المتنبى وأبى نواس وأبى العلاء المعرى ثم جاء د. أحمد زكى من عام 1947 حتى عام 1950 حيث تولى رئاسة التحرير وتولى طاهر الطناحى منصب مدير التحرير حتى عام 1961 وكان فى الحقيقة هو رئيس التحرير الفعلى حيث ظهرت بصماته الأدبية فى اختيار الموضوعات والقضايا الأدبية التى سادت المجلة فى تلك الحقبة الثرية الخصبة من عمر الهلال.


كما ظهر ذلك فى نوعية كتاب الهلال الذين كانوا يشاركون فى الهلال وغالبيتهم من الأدباء المجيدين مثل العقاد وأحمد أمين وحبيب جاماتى وعبدالرحمن صدقى وأمير بقطر كما كنت تجد قصائد للشعراء عبدالرحمن صدقى وأحمد خميس ومحمد الأسمر وميخائيل نعيمة وغيرهم من أعلام الشعر العربى المعاصر.


وبعد تأميم الصحافة ومنها دار الهلال عام 1961 بالقرارات الاشتراكية وتولى على أمين رئاسة تحرير الهلال عام 1962 استمر نشاطه الأدبى واستكتب كبار الأدباء خاصة العقاد الذى كانت تربطه به صداقة متينة وكان يقترح عليه الموضوعات الذاتية الخاصة التى كان العقاد لا يطرقها غالباً مثل الحديث عن فلسفته فى الحياة والحب وبعض اعترافاته الخاصة وهى الموضوعات التى نسقها الطناحى ونشرها فى سلسلة كتاب الهلال وهى “رجال عرفتهم” صدر فى أكتوبر 1963 ثم بعد رحيل العقاد فى مارس 1964 نشر كتابين للعقاد بتنسيقه وتقديمه وباختيار عنوانهما وهما: كتاب “أنا” صدر فى يوليو 1964 وكتاب “حياة قلم” صدر فى ديسمبر 1964 أى فى نفس العام 1964 الذى توفى فيه العقاد وبحكم علاقاته الوثيقة بأدباء وأديبات الحقبة التى تولى فيها تحرير الهلال استطاع أن ينشر رسائل كبار الأدباء والمفكرين للآنسة مى والذى كانت تربطه بها علاقة طيبة وكان حصاد ذلك مجموعة من المقالات التى تلقى الضوء على حياة مى وعلاقتها بأدباء عصرها والتى تم جمعها وكلفنى الشاعر صالح جودت فى مطلع عام 1974 بتنسيقها لتصدر فى كتاب وبالفعل صدرت تحت عنوان “أطياف من حياة مي” فى عدد مارس 1974 من كتاب الهلال.


ورغم إنتاج طاهر الطناحى الأدبى الغزير وكتاباته الأدبية الرصينة إلا أنه لم يصدر فى كتاب الهلال فى حياته سوى كتب قليلة هي: الساعات الأخيرة فى يناير 1962 وصور وظلال من حياة شوقى وحافظ فى سلسلة كتاب الهلال فى مايو 1967 ونشر بعد رحيله مباشرة ويبدو أنه قد أعده للنشر ثم رحل قبل أن يسعد بنشره فى حياته.


وكان طاهر الطناحى على حد تعبير زميل القلم فكرى أباظة الذى زامله لمدة أربعين عاماً قد طار بمجلة الهلال كل مطار فصعد بها شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً بالكيان العربى ثم شق بها الحدود فعبر البحار إلى أمريكا الجنوبية فدخلت كل بيت من بيوت المهاجرين العرب فأصبحت تحتل أعز مكان حتى اليوم.


وقد قدم لنا طاهر الطناحى صورة وصفية طريفة لقلمه بمقال فى مجلة الاثنين عدد 19 ديسمبر 1949 ذكر فيه أنه اكتشف أن هناك شيئاً فى الكتابة غير جزالة اللفظ، وإجادة العبارة، وهو “سياسة القلم” و”سياسة القلم” هى أن يكون لبقاً مدبراً، وأن يكون مشوقاً لا منفراً، وأن يكون صياداً للعقول والألباب، وأن يعلم الكاتب أن الكلام صلة بين المتكلم والسامع، وبين الكاتب والقارئ، فيخاطب الناس فيما يشعرون ويعيشون، وأن يكون حسن الاختيار، فيقدم لهم ما يفهمونه ويحتاجون إليه، لا ما يفهمه هو أو يحتاج إليه هو وقد أفادت هذه السياسة قلمى فى شبابه، كما أفادته فى صباه.


ويصور لنا كيف بدأ اتصاله بمجلة الهلال ومطبوعاتها منذ فترة مبكرة من حياته، فقال:


“كان بى غرام بـ “هلال” جرجى زيدان وصحافته، ومؤلفاته، فقرأت له كثيراً، ووجدت أن الصحافة فى رأيه - وفيما يجب أن تكون - علم وفن، وخدمة للقراء، فلزمت هذا الرأى، وشققت عليه طريقى، وطويت فى هذه الصناعة زمناً أحيا فيها بقلمى، وأعيش فيها من فضل مداده، ولا أذكر فضلاً كسبته، ولا مجداً حصلت عليه، ولا مكانة وصلت إليها، إلا كان ذلك لقلمى العزيز”.


منذ التحق طاهر الطناحى بدار الهلال عام 1927 أصبح العمود الخامس من أعمدة دار الهلال مع فكرى أباظة وحسين شفيق المصرى وكريم ثابت وإبراهيم المصرى استطاع هؤلاء الكتاب أن يصدروا أربع مجلات عن دار الهلال هي: المصور عام 1924 وكل شىء والدنيا بالإضافة إلى مجلة الهلال وقد بدأ طاهر عمله الصحفى فى مجلة المصور واستطاع بحسه الأدبى وقلمه الرشيق أن يصنع ما يمكن تسميته “تأديب السياسة”  حتى أن الكتابة فى السياسة بأسلوب أدبى رشيق أصبحت مدرسة فى الكتابة الصحفية كان من أبرز فرسانها فكرى أباظة، ومحمد التابعى، وأخيراً محمد حسنين هيكل.


وكانت رحلة طاهر الطناحى الصحفية فى مجلات دار الهلال متنوعة ثرية حيث بدأ محرراً فى مجلة الهلال وبعد سنة أصبح سكرتيراً للتحرير وفى سنة 1934 رأس تحرير مجلة المصور وفى سنة 1937 أصبح رئيساً لتحرير مجلة الدنيا المصورة وفى سنة 1947 أصبح مديراً لتحرير مجلة الهلال.


وكانت لطاهر الطناحى لقاءات أدبية وحوارات صحفية مع أعلام الأدب والفكر الحديث مثل حافظ إبراهيم وأحمد شوقى وأحمد أمين ومحمد حسين هيكل وطه حسين والعقاد والآنسة مى زيادة وخليل مطران وكان يؤمن بأن الصحفى الناجح يقاس بدرجة اتساع دائرة اتصالاته ومعرفته بأعلام الأدب والفكر والفن لإبراز أفكارهم وآرائهم وفى هذا النطاق استطاع أن يقنع العديد من أعلام عصره من الأدباء والمفكرين ورجال السياسة المشهورين بكتابة مذكراتهم مثل: عبدالعزيز فهمى وإسماعيل صدقى وأحمد لطفى السيد والعقاد كما حقق وعلق وقدم لبعض كتب المذكرات والذكريات للإمام محمد عبده ونجيب الريحانى وأحمد لطفى السيد ومحمد فريد وجدى كما أن له كتاباً نادراً عن الملك فاروق نشره فى فترة كان يمثل فيها الملك فاروق لشعب مصر الأمل والرجاء بعد حكم والده الملك فؤاد الذى لم يكن متواصلاً مع أبناء الشعب.


كما كان طاهر الطناحى شاعراً مجيداً كتب العديد من القصائد العاطفية والوجدانية والوطنية وقصائد المناسبات جمعها ونسقها لتصدر فى ديوان عنوانه “ألحانى وأشجانى” كان ينوى إصداره لكن وافته المنية قبل أن يرى النور كما يذكر الزميل مؤمن حسين فى مقاله عن طاهر الطناحى “سيرة عاشق الصحافة” فى عدد أبريل 2008 من الهلال.


وبعد، فقد كان طاهر الطناحى أحد أعمدة مجلة الهلال الكبرى على مدى أربعين عاماً أضاف فيها كثيراً للمجلة فى الشكل والمضمون من حيث الرصانة وعمق المضمون وروعة الأسلوب وبلاغته، وإذا راجعنا مجلة الهلال ومطبوعاتها: روايات الهلال وكتاب الهلال فى الحقبة التى عمل فيها فى دار الهلال 1927 - 1967 سنجد فيها بصمات طاهر الطناحى وروحه وأسلوبه وذوقه الرفيع ورصانته حتى يمكن أن نسمى تلك الحقبة المدرسة الطناحية!.