جمال حمدان .. في ذكرى مصرع عبقري متعددة المواهب

19/04/2016 - 9:30:31

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

عرفة عبده علي - كاتب مصري

حين قرر العالم العبقرى "جمال حمدان" الاستقالة من جامعة القاهرة فى بداية الستينيات، لم يكن ذلك لمجرد ضيق من دسائس أساتذة الجامعة حينذاك، ولكن كان ضيقا بالجامعة نفسها، فقد كان يشعر دائما أن بداخله "رسالة" أكبر من رسالة أستاذ الجامعة – رغم المكانة والقيمة – وكان على حق. لأن كادر هيئات التدريس – الإدارى من المعيد حتى العميد – لا يضع فى حسابه مرتبة "العبقرى" وقد كان جمال حمدان من هذه السلالة العبقرية الفذة!


        كان يدرك فى سريرة نفسه عقب الاستقالة، أن العبقرية ليست فى الموهبة الفذة فقط، بل فى الجهد والجهاد والعمل الدؤوب، ولهذا أخذ نفسه بالشدة "الحمدانية" وهى أكثر من الشدة التى أخذ بها طه حسين نفسه فى بداية حياته بين الأزهر والسوربون.


        قرر جمال حمدان أن يعتكف فى بيته "25 شارع أمين الرافعى بالدقى" لا يفتح بابا لزائر أو فضولى، سوى بواب العمارة وبناء على "نقرة" معينة متفق عليها! تخلو شقته فى الدور الأرضى من التليفون أو التلفزيون، كان يدرك فى دخيلة نفسه أن "العمر قصير والفكر كثير" ولا بد أن يضع موهبته ويقصرها على اكتشاف مصر تاريخيا وجغرافيا وسياسيا واجتماعيا فى إطار ما سماه "عبقرية المكان" و"شخصية مصر" وكتب عن مصر فى ثنائية دينامية أو جدلية: "إنها فرعونية بالجد، عربية بالأب، بجسمها النهرى قوة بر، وبسواحلها قوة بحر، أى تضع قدما فى الأرض وقدما فى الماء، بجسمها النحيل تبدو مخلوقا أقل من قوى، ولكنها برسالتها التاريخية الطموح تحمل رأسا أكثر من ضخم، تقع فى الشرق، وتواجه الغرب، وتكاد تراه عبر المتوسط، تمديدا نحو الشمال وأخرى نحو الجنوب.. ولهذا هى قلب العالم العربى، وواسطة العالم الإسلامى، وحجر الزاوية فى العالم الإفريقى.. إنها سيدة الحلول الوسطى، والوسط الذهبى".


        قدم العالم الراحل إلى المكتبة العربية أكثر من ثلاثين كتابا، والجغرافيا عنده: هى فن التعرف على شخصيات الأقاليم، وهى "فلسفة المكان" وهى "علم بمادتها وفن بمعالجتها وفلسفة بنظراتها" وهذا المنهج ينقلنا بالجغرافيا من مرحلة المعرفة إلى مرحلة التفكير.. من جغرافية الحقائق إلى جغرافية الأفكار.


        لقد كان حقا أبرز مفكرى جيله، يتفاعل بحرية مع كل العلوم، يربط الأرض بالناس، والحاضر بالماضى، والمادى بالمعنوى.. ويكاد يتعامل مع كل ما تحت الشمس وفوق الأرض، ولا شك أن جمال حمدان وهو يبحث عن شخصية مصر ومعدنها الأصيل، إنما أكد مسئولية العالم الجغرافى الملتزم الذى يضع علمه فى خدمة مجتمعه.


        قرر جمال حمدان عدم التواصل مع الحياة اليومية وتفاصيلها، كما قرر أن يعكف على علمه وفنه، ووجد موقعه وموقعته فى مصر والقاهرة، قدمها لنا برؤية جديدة تماما.. ويبدو أنه قرر أن يصبح من أغنى الأغنياء بالاستغناء عن كل شىء، لأنه قرر أن يهب عمره كله للعلم، فكان هذا الاستغناء سر قوته المطلقة! ومن خلال دراسته لعبقرية المكان لم يغفل سطرا واحدا كتبه المؤرخون والجغرافيون والرحالة عن مصر.. فيشير إلى "سندباد مصرى" لحسين فوزى و"مصر ورسالتها" لحسين مؤنس و"تكوين مصر" لشفيق غربال.. والكم الهائل للمراجع والمصادر يؤكد تميزه وتكامل مناهج البحث فى العلوم الإنسانية لديه، ففيه المؤرخ والعالم الجغرافى والديموجرافى وعالم الآثار والجيولوجى والزراعى والأنثروبولوجى، وفوق ذلك، القدرة على تكثيف الفكرة واستخلاصها ثم صياغتها بأسلوب أدبى رائع.


        كان ظهور جمال حمدان فى أحلك فترات تاريخنا الحديث، عقب هزيمة يونيو 1967 وكانت هدية هذا "المعتزل النبيل" موسوعته الشهيرة عن "شخصية مصر"، جغرافية المكان المتميز وأعظم الحضارات الإنسانية، والتى جعلت فى مصاف كبار المفكرين الجغرافيين فى العالم المعاصر.


زيارة لشقة العالم الراحل


        أذكر عندما كنت مديرا لمكتب أستاذنا "كامل زهيرى" بمكتبة القاهرة بالزمالك ـ وهو أول من اكتشف "جمال حمدان" وعبقريته عندما كان "كامل بك" رئيسا لتحرير مجلة "الهلال" فى الستينيات ـ أنه كلفني مع زميل لي فى نهاية عام 1996، بعد "حادث الحريق المريب" الذى أودى بحياة جمال حمدان، بالتوجه إلى شقة جمال حمدان بالدقى لحصر مكتبته، وطوال الطريق، كنت أفكر فى "محراب العلم" وآثار الحريق "المريب" والمكتبة التى كونها عالمنا على مدار خمسة وثلاثين عاما ونوعية الكتب التى تحتويها.


        كانت أول ملاحظة لى أن باب الشقة مطلى حديثا، والمفتاح الذى معنا لا يفتح، فالكالون تم تغييره.. وبعد مناورات من البواب، أخبرنا أن شقيقة "الأستاذ" باعت الشقة لصاحب العمارة! المهم أننا دخلنا فوجدنا بعض الأثاث القديم والشقة تم ترميمها وإعادة طلائها بالكامل! أصبت بصدمة واتصلت بـ"كامل بك" الذى اتصل باللواء عبد الحميد حمدى شقيق العالم الراحل، الذى أخبره بأن لديه ما تبقى من مكتبة شقيقه الراحل، فتوجهنا إلى شقة اللواء على نيل الزمالك قريبا من مكتبة القاهرة ومعنا سيارة، تصورت أنها لن تكفى لنقل "التركة العلمية" أو "الكنز"!


        أحسن الرجل استقبالنا. ثم أشار إلى جانب من الصالون الكبير، إلى يمين مدخل الفراندة، خمسة "كراتين" تضم ما تبقى من مكتبة الراحل العظيم! عدنا إلى مكتبة القاهرة، وبدأنا حصر محتويات "الكراتين". بضعة كتب ومجموعة مجلات أبرزها مجلة الهلال خاصة الأعداد المنشور بها مقالاته، وقصاصات لإعلانات "الهلال" المكتوب فيها اسمه وعنوان مقاله! ولفت انتباهى ملف ضخم باللغة الإنجليزية مكتوب بخط اليد، مزود بخرائط ورسوم توضيحية رسمها بنفسه واكتشفت أنها "مسودة" رسالته لنيل درجة الدكتوراه من جامعة لندن، ومجموعة أوراق بينها رسوم لعدة بورتريهات تؤكد موهبته كرسام محترف! بعض الكتب تضمنت تعليقاته على فقرات بعينها سواء بالنقد الحاد أو الاستحسان! أين مسودات الكتب التى كان بصدد الانتهاء منها وعلى رأسها كتابه "اليهودية والصهيونية"؟! تباينت التساؤلات والاحتمالات حول حقيقة مصرعه، وقد أثبت تقرير مفتش الصحة أنه لم يمت مختنقا بالغاز والحروق لم تصل لدرجة حدوث الوفاة ورجح الطبيب أن تكون الوفاة بسبب صدمة عصبية!


        تحدث "كامل بك" عن أول خطاب مرفق بأول مقال أرسله إليه جمال حمدان عام 1964 فقال: "فوجئت بخطاب لازلت أذكر لونه، مكتوبا على ورق أزرق مثل خطابات الغرام أيام الصبا والشباب! توقفت عند الخطاب والمقال وكان الموضوع سياسيا عن مشكلة قبرص، ولكنى وجدت أديبا، واكتشفت أن صاحبه يملك أسلوبا مسبوكا محبوكا، ينسجم فيه المعنى مع المبنى، وخطر له أول الأمر أن صاحبه يحيى حقى، منقذ الأسلوب الأدبى من المبالغة والفضفضة والطرطشة، ولكن ما كان الخطاب لحقى، فقد كان التوقيع: جمال حمدان! رصانة فكرية، نفس هادىء عميق.. ولكن استهوانى أيضا شيء قد يبدو غريبا فى عالم الصحافة هو: الخط الجميل الذى كتب به جمال حمدان مقاله عن قبرص، واكتشفت – عندما زرته – أنه من تلك السلالة النادرة بين المثقفين التى تخلصت من "أمية العين" وتعشق أيضا الرسم والفنون التشكيلية، واكتشفت أنه يعلق فى بيته المعتزل بعض لوحات الرسام "ماتيس" قطعها على طريقته من أوراق المجلات، وعلقها بدبابيس! ولم أكن اكتشفت بعد أن جمال حمدان يرسم أيضا أغلفة كتبه، ويرسم خرائطه، ويكتب عناوين الفصول بخط يده! لقد أحسست منذ البداية أن جمال حمدان لم يكن فقط عالما فى الجغرافيا، ولكنه أيضا من أصحاب الموهبة البصرية إلى جوار موهبته السمعية، وقد فتحت له هذه المواهب مجتمعة آفاق رؤيته وجعلت منه: "جمال حمدان"!