الكتابة كما الرسم فعل محو

19/04/2016 - 9:29:08

فاروق يوسف فاروق يوسف

فاروق يوسف

     "لا أحد يقرأ". جملة يمكن أن تُقلب لتكون "لا أحد يكتب"، فالكتابة مثل القراءة إن لم تكن فعل محو لما سبقها فلا قيمة لها. نحن نكتب ونقرأ لنتعلم. وكنا قبلها قد تعلمنا لنقرأ ونكتب. ما يتراكم من خلال التعلم يمكن أن يتعرض للنقد من خلال القراءة والكتابة، وهما في الظاهر فعلا هدم.


    أعتقد أن هناك الكثير من الثناء على الطبيعة في الرسم، وهو ما يثري لغته بفواصل صمت، هي في أساسها نوع من الشكر لما تنطوي عليه الحياة من مفاجآت سارة، تكسب عيشنا المؤقت خيلاء الفتح، مع كل جمال جديد نكتشفه، كما لو أنه لم يقع من قبل. كما لو أن يدا لم تمتد إلى تفاحة قبل أن يرسمها سيزان.


    تسحرني لغة طه حسين غافلا عن طريقته في النظر وهو أعمى إلى سطوره البيضاء. ما كان الرجل يقرأ أو يكتب. ولكنه تعلم أن يقرأ ويكتب بالطريقة التي تزيح اللغة عن أشكالها المرئية، لتعيدها إلى جوهرها باعتبارها قوة هدم لما يُرى. فما أن تحل الكلمة محل الشيء حتى يختفي ذلك الشيء.


   كلمة من طه حسين هي أشبه بتفاحة من سيزان.


    أنصت طه حسين إلى الإيقاع فهذب خطاه الذاهبة إلى هلاك، سيكون من نتائجه تفكيك الكثير من المشاهد التاريخية الملتبسة. وهو ما فعله من قبل الفرنسي بول سيزان حين قرر أن يهجر عصر الباروك لينجو بتفاحته من الرسم ويعيدها إلى الطبيعة، مثلما يمكن أن نحلم بها، لا مثلما نراها.


    بحفيف اللغة محا طه حسين ما لم يكن قد قرأه. وهو ما فعله بول سيزان تماما، حين أدار ظهر اللغة للرسم، مستبدلا جملة "لا أحد يرى" بـ"لا أحد يرسم". لم تعد المشكلة مع سيزان تتعلق بسؤال من نوع "ماذا نرسم؟" بل "كيف نرسم؟"


    ومثلما فعل سيزان فإن طه حسين علمنا كيف نكتب من غير أن يكتب حرفا واحدا بيده.