الشعراوى والبابا وأم كلثوم معا فى مسرح الطليعة .. تكفير التفكير فى جبل الحلال

18/04/2016 - 9:52:39

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

كتب - د. حسن عطية

لا يستطيع الفنان الحقيقي الابتعاد لحظة عما يحدث فى مجتمعه ، فهو قارئ له ، ومعبر عنه ، ومحقق للتماثل فى عمله الفنى مع الواقع الذى يعيشه ، وهذا عين ما فعله الكاتب الشاب "أشرف حسنى" فى أول نصوصه الدرامية للمسرح ، والذى حصل به على جائزة الإبداع العام قبل الماضى فى المسابقة الكبرى التى تنظمها وزارة الشباب والرياضة مع إمارة الشارقة سنويا .


لقد أثارت الكاتب الشاب موجة تكفير التفكير التى تمر بها مصر فى السنوات الأخيرة ، فلم يهرب منها ليكتب الفواصل الفكاهية التافهة الدارجة اليوم على شاشاتنا الفضائية ، بل شرع قلمه ليكتب نصا جادا يواجه به موجة الإرهاب باسم الدين التى تمارسها جماعات التكفير التى أفرزها مجتمع يتراجع فكريا للخلف ، وصار يصف نفسه بالمحافظ بدلا من صفة المستنير التى تحلى بها منذ أوائل القرن الماضى حتى سبعينياته الفائتة ، ورفعت القيادة فيه شعار تجديد الخطاب الدينى ، بينما وقف الفكر الذى صيغ به العقل المجتمعى طوال ما يقرب من نصف قرن معاندا هذا التجديد ، ومرواغا فى تفعيله ، ومسلما المقترب منه لساحات السجون ، بذريعة تقديس الإرث التليد ، وتأليه من كتبوا قديما الهوامش التفسيرية ، وإدانة كل من يفكر فى التحاور معهم ، بزعم أن عقول اليوم أضعف من عقول الأمس ، وعلينا السمع والطاعة .


السمع والطاعة


التقط "أشرف حسنى" مقولة السمع والطاعة التى أنتجتها العقلية المتجمدة الرافضة لأى حوار حول تصوراتها للحياة ، والتى شكلت أساس الانتماء للجماعات التكفيرية ، ليدير حولها موضوع مسرحيته (الحلال) ، والذى اختار أن يجري وقائعه فى جبل الحلال بشمال سيناء ، والذى قالت المعلومات وقتها إن عناصر أنصار بيت المقدس يحتمون بكهوفه ، وتم تداول اسمه عقب مداهمات قوات الجيش والشرطة له ، على إثر تفجيرات طابا 2004 وشرم الشيخ فى العام التالى ، فى حين فضل العرض المسرحي للمخرج "محمد إبراهيم" أن يوحى بأن زمن الحدث الدرامي يجرى الآن ، مؤكدا على استمرار فى ما حدث حتى لحظتنا الراهنة .


كما حرص المخرج على أن يبدأ العرض وينهيه بكلمات من خارج فضاء المسرح للشيخ الشعراوى وفيما يبدو البابا شنودة ، ليحيط العرض بأجواء دينية ، تبعده عن أية مناقشة عقلية لأفكاره المطروحة ، والتى تمثل أحد تجليات الجماعات الإرهابية المكفرة للتفكير فيما قيل للمجتمع عن عقائده ، وداخل صياغة مرئية صممتها السينوجرافر "هبة عبد الحميد" لكهف جبلى توحى تجاويفه بتخلخل بنيته الصخرية ، لتمهد للمشاهد الطريق نحو التقاط التخوخ النفسى والفكرى بين شخصيتي المسرحية ، حيث ينطلق الحدث الدرامي متوترا داخل هذا الكهف بين صديقين شابين من المنتمين لجماعة تكفيرية ، على أثر اهتزاز يقين أحداهما بما تم تلقينه من فكر الجماعة القاتل لغير المؤمنين بها ، فبدأ فى مراجعة هذا الفكر مع صديقه ، ليهتز العالم كله حولهما ، وفضل النص الدرامي للكاتب أن يجعل الصديقين عائدين مع مفتتح المسرحية من عملية دموية قتلا فيها أبرياء ، يما يبدو أيضا أن أول العمليات التى شارك فيها أحدهما بالقتل المباشر ، مما يؤثر على نفسيته ، ويثير فعل المراجعة الفكرية لديه ، ويفجر الحدث المغير لسلوكه من موقف متوتر ، على حين فضل المخرج أن يبدأ عرضه بالشاب الأول المتزمت يصلى ، ثم يقوم بغسل وجهه وغرغرة حلقه ليقوم بتمرينات رياضية ، وكأنه لم يفرغ توا من صلاته المستوجب توضئيه قبلها ، بينما ترك الآخر يجلس صامتا متأملا ثم مستنكرا ما آل إليه حاله ، دون أن يمنحه فرصة المرور بعملية دموية تهز وجدانه وتحرك عقله المتجمد .


تفجيرات طابا


حرصت المسرحية على وضع بطليها فى كهف جبلي ، ينتظران داخله الأوامر من قيادة الجماعة لتنفيذ العمليات الدموية ، وفى زمن الانتظار ينفجر الحوار بينهما حول فكر المراجعة الذى يطرحه أحدهما على صديقه ، بعد أن عادا - وفقا للنص - من عملية أصيب أحدهما فى ذراعه ، لم يتنبه إليها العرض ، إلا فى نصفه الثانى ، حيث قام الأول فجأة بربط يد الثانى ، متناسيا أنه كان ينبغي أن تبدو هذه الإصابة واضحة منذ البداية ، بل وأن تمثل ضغطا على الفتي المتراجع بالشعور بالألم والرعب من اقتراب الموت فى أية عملية يقوم بها ، ولا تظهر فجأة فى منتصف العرض .


كما حرصت المسرحية على أن تمنح لكل منهما تاريخا سابقا لحضورهما فى اللحظة الراهنة ، فالفتى المتزمت هو ابن شيخ قبيلة بجبل الحلال ، كان يقف إلى جانب الجيش فى تأمين المنطقة ، نظرا لعدم السماح لقواته بالتواجد فى هذه المنطقة وفقا لاتفاقية السلام مع إسرائيل ، وبسبب تفجيرات طابا اندفعت قوات الجيش والشرطة لاجتياح الجبل ، كما صرح فى مونولوج طويل له ، وقبضت علي والده بتهمة أنه وقبيلته الفاعلين للتفجيرات وقتلته فى السجن ، لذا فالابن يتحرك بغريزة الانتقام ، وتم زيادة حقده على الجيش والنظام الذى يمثله وقتذاك بأفكار الجماعات التكفيرية ، فترك الفتى كلية الطب التى كان يعشقها ، وتفوق فيها ، وحلم بعيادة لعلاج الفقراء ، وذلك بعد أن قبض عليه رجال أمن الدولة حينذاك لأنه ابن الشيخ المسكين ، وتعرض لعذاب انتهكت فيه إنسانيته ، مما دفعه لإعادة التفكير فى أحلامه الرومانسية ، والسقوط فى فخ معاداة المجتمع وتكفيره ، فهو صنيعة مؤسسات المجتمع الأمنية .


طبيب إرهابى


لم يكن فعل المجتمع أو بعض من مؤسساته عنيفا بالنسبة للفتى الثانى ، بل كان أخف وطأة ، فهو قد عشق الموسيقى فى سنوات الفتوة ، ورغب فى دراستها بمعهد الموسيقي ، غير أن والده ، كغالبية الآباء ، أصر على أن يدرس بالجامعة ، وهناك عاش لاهيا حتى أصيب ذات يوم وهو يشاهد مظاهرات الجماعة ، ولم يجد من يضمد جراحه غير الفتى الأول ، الذى سرعان ما جذبه لجماعته فى معاركها فى سيناء ، وصنع منه آلة للقتل ، مما لا يبدو معه أن مبررات انخراطه فى مناهضة الدولة قوية ، باستثناء التقاطه وغسل مخه ببعض من كتب التراث الداعية لتكفير التفكير ، ولذا كان من السهل عليه مراجعة ما لقن إياه ، فور قراءته للمتن الرئيسى وهو القرآن ، فاكتشف أن الهوامش التفسيرية له هى الدافعة للقتل والدموية وليست العقيدة ذاتها الداعية للتسامح والمغفرة .


حضور المرأة


انشغلت المسرحية بصورة أساسية بالحوار الفكرى بين شخصيتيها ، وحرص "مجدى رشوان" على تقديم فكر الفتى المتزمت بصوت زاعق أكثر من تقديم الشخصية الإنسانية (الدرامية) المختبئة تحت جلده ، حتى فى مونولوجه المستعرض فيه أحلامه الرومانسية القديمة وانكسارها ، قدمه بخطابية من يذيع بيانا لا من يستدعي لحظات التحول فى حياته ، علي حين نجح "محمد صلاح آدم" فى تقديم شخصية الفتى المتراجع بإحساس ممزق وصوت منكسر وعقل متردد . وانفلاتا من هذه المحاورة الفكرية سعى النص إلى إدخال عناصر درامية للكشف عن بداية اتساع شقة الخلاف بين الرؤيتين لتفسيرات القدماء ، وذلك عبر حضور المرأة بينهما فى هذا المناخ القاسى ، بدخول الفتاة "زهرة" للكهف ، والتى فرض عليها النقاب وإخفاء السكين فى طيات ملابسها للدفاع عن ذاتها ، ووضعه بعنق الفتى الثانى فور دخولها للكهف ، نظرا لعدم معرفتها السابقة به لحداثة وجوده بالمكان ، وأن لم ينفذ هذا الفعل بصورة جلية على المسرح ، وقد جسدت "نهى العدل" بثوبها الأحمر المرتبط بالشهوة ضعف المرأة وهوان وجودها داخل هذا المجتمع الذكورى العنيف بجودة تحسب لها ، تاركة للفتيين النقاش حول كينوتها كأنثى هى ملك اليمين للفتى الأول ، ينتهكها جسديا كما يحلو له ، وبموافقة أبيها وأخيها ، ويرفض الثانى انتهاكها ويعتبر ممارسة الجنس معها زنا محرم دينيا ، كما تظهر بالمقابل فتاة جامعية عشقها ذات يوم الفتى الأول ، وأحب معها الحياة ، واستدعاها بملائكية ثوبها الأبيض بمخيلته عبر تقنية الفلاش باك ، وجسدتها بصورة جيدة "رحمة" ، ليراقصها بتصميم "سماح مبارك" على صوت "أم كلثوم" ، حتى تتلاشى مع نهاية الحلم ، وبالتناظر بين وضع الفتاتين تزداد لدى الفتى الثاني فكرة المراجعة .


يتسلح الفتى الثانى فى عملية مراجعته الفكرية والعملية بماضيه ، فإلى جانب استدعائه لفتاة الأمس فى مواجهة فتاة الراهن ، يستدعى أيضا شخصية أخيه المجند ، عقب معرفته بأن عمليته مع زميله التالية ستتم بالهجوم على كمين للمجندين لقتلهم ، ثم الانتقال لضرب مدرسة أطفال ، للحصول على مرتبات معلميها ، فيتجلى للثانى أخيه المسافر للخارج ، بعد أن ينهى فترة تجنيده ، إحباطا منه فى الواقع المهتز ، وأن حوله النص لصديق منتقل داخل الوطن ليلعب دوره كمتعلم وسط ناسه ويرتفع بقيمتهم فى الحياة ، جسده "حسن نوح" فى حدود الدور المرسوم ، والذى يبدو أنه محاولة من العرض لتقديم وجه إيجابي فى المسرحية ، غير أنه وجه وصوت مباشر، رغم أنه كانت لدى العرض فرصة تنمية شخصية الفتاة التى قبلت أن تكون سبية فى زمن تم فيه إلغاء الرق منذ عقود طويلة ، فهى غير مقتنعة تماما بما آلت إليه ، والرجال حولها هم من صنعوا منها أمة ، ولذا يحثها الفتى الثانى على الهروب ، وينجح فى ذلك ، منتظرا قرار تصفيته لجريرته هذه ، والذى نفذه الفتى الأول بحز السكين ، لينهى المسرحية بمشهد يعيد للأذهان ذبح الدواعش لضحاياهم .


لقد كسبنا مع هذا العرض مؤلفا شابا يمسك بالجمر ، هو "أشرف حسنى" ، المصر على أن يكتب نصوصا جادة تواجه مشاكل المجتمع وتنير عقله ، وكنا كسبنا من قبل المخرج "محمد إبراهيم" فى عروض يختار نصوصها بصورة جيدة ، ونأمل ألا يضيع منا فى هوجة العروض الهزلية الفاسدة .