عبد الحليم حافظ ..جسر التنهدات «3 » .. استطاع أن يبعث الحرارة في أجهزة الراديو بصوته فيحولها إلى مدافئ.

18/04/2016 - 9:50:39

عبد الحليم حافظ عبد الحليم حافظ

عرض الكتاب : محمد المكاوي

رسم "جليل البنداري" في فصول العدد الماضي من كتابه الشيق والجميل والممتع "عبدالحليم حافظ.. جسر التنهدات" خريطة الغناء العربي وقت ظهور حليم والتي كان يتصدرها عبدالوهاب وفريد الأطرش في مطلع الخمسينيات ويصف نفسه بأنه كان غنيا وعبدالحليم صعلوكا ولما التقينا في عام 1956 أصبح العندليب غنيا وصار هو صعلوكا وأوضح أن حليم أحدث ثورة في الغناء بصوته وبأدائه وبذوقه وبإحساسه المرهف .


ويتغلغل الكاتب الساخر الكبير في شخصية عبدالحليم عبر سؤال يطرحه على القارئ هل هو متواضع أم مغرور؟ ويسرد في هذا السياق واقعتين حدثتا له مع العندليب وفي معرض سرده يتعرض للخلاف الذي شب بين الصديقين ورفيقي الدرب "عبدالحليم والموجي" وكيف تصالحا بعد خلاف طال أمده ودون تدخل من أحد للصلح بينهما وأن الموسيقار الكبير قال له لو طلب مني عبدالحليم أن أذبح له ابنا من أبنائي لذبحته في الحال، إن عبدالحليم حافظ هو أكبر حب في حياتي فقد تعلم هو الغناء على ألحاني وتعلمت أنا التلحين على حنجرته وفي هذا العدد نواصل نشر بقية فصول الكتاب الممتع والمثير .


الفصل الثالث


طريق الصخور


فتح الباب للشهرة والمجد والفلوس .. فدخلت الآلام والأحزان والدموع


رشح عبدالوهاب _ دون أن يدري _ عبدالحليم حافظ ليجلس من بعده على عرش الغناء فقد قال لي عبدالوهاب ذات يوم أن صحته لم تعد تساعده على الغناء برغم ازدحام رأسه الأصلع بالانغام والالحان التى تحاول ان تشق رأسه لتخرج الى النور !


ثم قال المليونير الأصلع الذكي الذى يعبد الفلوس والنساء والفراخ ويلحن الاغاني: ان هذا هو الذي جعلني أنتج أفلاما غنائية لعبد الحليم حافظ !


إن الفرق بين ظهور عبدالوهاب وظهور عبدالحليم ان عبدالوهاب كان محظوظا ،مطرب ابن عز من يومه تربى في بيوت الذوات وتدرب في الغناء على اشعار شوقي ودللته عشرات الغواني وبنات الذوات وكان شوقي نفسه يعمل كمتعهد لحفلاته !


ولم يكن له منافس سوى مطرب واحد فقط يقف أمامه كالجبل هو صالح عبدالحي!


فقد كان شوقي يتفق بنفسه مع متعهد حفلات عبدالوهاب وفي ليلة الحفلة يأمر شوقي متعهد الحفلة بأن يغلق شباك التذاكر في التاسعة والنصف تماما .


فينظر المتعهد الى الصالة فيجد المتفرجين قد شغلوا نصف كراسي الصالة فقط.


ويحتج المتعهد ويرفض إغلاق شباك التذاكر فيدفع له شوقي باقي ثمن المقاعد الخالية من جيبه ويعلق الرجل على الشباك لافتة كامل العدد فاذا جاء بعض الناس وجدوا الباب مغلقا فيضطرون للعودة في اليوم التالي لمشاهدة المطرب الذي لا يوجد في مسرحه مكان خال


وقد استطاع شوقي _ امير الشعراء _ ان يدفعه بقوة الصواريخ الموجهة حتى تسلق الجبل وتربع وحده على عرش الغناء!


وأخذ عبدالوهاب يثبت نفسه على الكرسى ولم يستطع مطرب آخر ان يزحزحه من مكانه وظل عبدالوهاب متربعا على هذا العرش وهو يقدم بين الحين والآخر واحدا من تلاميذه فقدم محمد أمين وقدم جلال حرب وقدم رؤوف ذهني وقدم عشرات من المطربين والمطربات وكان في كل مرة يؤكد أن واحدا من هؤلاء سيكون ولي عهده !


ولكن واحدا منهم لم يستطع أن يقنع الجماهير بولايته للعرش وكانوا جميعا كالفقاعات لا يكاد الواحد منهم يطفو على السطح وهو فائر حتى يتوارى ويختفى بسرعة !


وظل هذا العرش الصغير شاغرا حتى ظهر ذلك الفتى اليتيم الشاحب على المسارح فجأة عندما قدمه السيد وجيه أباظة_ محافظ البحيرة الآن ومدير الشئون العامة في ذلك الوقت في حفلات الاندلس لأول مرة ..


واستطاع عبدالحليم حافظ أن يقنع الملايين بصوته الذى يبعث الحرارة في اجهزة الراديو فيحولها الى مدافئ !


ان عبدالحليم حافظ هو المطرب الوحيد الذي ظل يعمل مع عبدالوهاب كعازف لبضع سنوات دون ان يتنبه إليه عبدالوهاب او يحس بموهبته !


فلما آنسها فيه تعاقد معه على بطولة فيلمين ثم طوى العقد في أحد أدراج مكتبه خوفا على أمواله من الضياع !


وشق عبدالحليم حافظ _ وحده _ طريق الصخور الطريق الذى يشغله عبدالوهاب نفسه وفريد الاطرش وغيرهما من مشاهير المطربين الذين يشغلون الشاشة والمسارح ومحطات الإذاعة !


قفز عبدالحليم حافظ قفزات كبيرة واسعة لم يقفزها مطرب من قبله وبرغم هذا فإن طريقه الى الشهرة والمجد والفلوس لم يكن مفروشا بالزهور والهتافات والتصفيق وإنما كان مفروشا بالطوب والبيض والطماطم ففي أول حفلة وقف فيها على المسرح ليغني للناس "على قد الشوق" لكمال الطويل و"صافيني مرة" و"ظالم" للموجي قذفه الجمهور بالطوب والبيض والطماطم ولكنه لم ييأس ولم يضعف وظل يقاوم ويقاوم حتى وصل الى القمة .


وعلى القمة رأيت عبدالحليم حافظ يحاول ان يكون ممثلا وليس مطربا فقط


فهو ينظر الى الاغاني والألحان كوسيلة لنجاح الرواية وليست غاية


وليس معنى هذا انه يتغاضى عن اللحن الجيد أو الكلام الجيد فعبدالحليم دقيق كخبير المجوهرات في فحص وانتقاء الجمل الموسيقية الحلوة .


غضب عبدالحليم منى وثار عندما قلت له:


انت تبيع العواطف والاحساسات للناس بأغلى ثمن !


فقال عبدالحليم :


_ اذا جاء اليوم الذي اشعر فيه بأنني اصبحت ابيع فني سأتوقف عن الغناء !


ففي هذا اليوم يكون فنى قد انحدر الى الحضيض، انني اغني في حالات كثيرة وفي حفلات كثيرة بلا مقابل ثم قال :


_ ان الفنان يعلم الناس الحب ولا يبيعه لهم ، انه يعلمهم كل انواع الحب


ان رسالتي هي ان انتزع الكراهية من قلوب الناس وان اجعلهم يعيشون بعواطفهم المجردة من كل عوامل الشر وان انقلهم من حالات اليأس والتوتر والحقد والاستفزاز الى حالات الحب والرضى والطمأنينة والاستقرار !


وعندما سألته عن الدور الذي يمكن ان يلعبه الفنان في حياة الناس السياسية قال:


_ ان الناس تعودوا _ قبل الثورة _ ان يعبروا عن مشاعرهم بهتافات عالية تخرج من الحناجر بلا فهم ولا وعي ولا إحساس


_ وقد كانت هتافاتهم للزعماء اقرب الى الصراخ منها الى التحية أو إظهار الشعور .


_ كانت حياة الجماهير السياسية تعيش في فوضى وظلت هكذا حتى قامت ثورة الزعيم جمال عبدالناصر فتحولت الهتافات الجافة الصادرة من الحناجر إلى أغان عاطفية صادرة من القلوب ..


وقال عبدالحليم :


_ وعندما غنيت "احنا الشعب" تجاوبت هذه الاغنية مع قلوب الملايين لانها عبرت عن احساساتهم الحقيقية ..


_ من المؤكد ان في حياة عبدالحليم حافظ اكثر من قصة حب ولكن عبدالحليم ذكي وخبيث ولا يتكلم مع احد في هذا الموضوع أبدا فهو يعتبر حياته الخاصة ملكا له وحده وهو يعترف بأنه رجل عام ومن حق الناس ان يعرفوا كل شئ عنه وعندما قلت له :


- كم مرة احببت في حياتك ؟


_ أجاب


_ مرة واحدة


_ من هي


_ فتاة مثقفة


_ سمراء ام بيضاء


_ فضحك عبدالحليم ولم يرد على هذا السؤال فقلت له :


_ ما هي الشروط التي تتوافر في الفتاة التى تتزوجها ؟


_ فقال :


_ ألا تكون فنانة


_ لماذا؟


_ لأنني افضل ست البيت وأن تكون ذات شخصية قوية وذكية جدا وليست غيورا وقبل كل هذا يجب ان تكون جميلة!


_ قلت له:


_ وهل وجدتها


_ فأجاب بخبث :


_ أظن ذلك


وفي اليوم الذي فتح الباب للشهرة والمجد والفلوس لم تدخل عليه وحدها وانما دخلت معها كل الآلام وكل الاحزان وكل الدموع !


قال عبدالحليم حافظ وهو في أوج مجده انه على استعداد لأن يتنازل عن كل ثروته للطبيب الذي يصرح له بتناول وجبة من الفول المدمس بالزيت الحار !


_ عندما كنت صعلوكا لم اكن أعرف شيئا اسمه المرض كنت افطر واتغدى واتعشى نوعا واحدا من الطعام هو الطعمية ثم دق باب بيتي فجأة فنهضت لأفتح الباب للفلوس والكافيار والشهرة ولو كنت أدرى ما يخبئه لي القدر لأغلقت الباب بشدة في وجه الفلوس والشهرة والكافيار !


ثم قال :


_ ما قيمة الفلوس والمجد والشهرة مع تلك الآلام المبرحة التي تحرمني من لذة الأكل ولذة النوم ولذة الحياة ؟


الأسبوع المقبل نكمل بقية فصول الكتاب