ماتت من علمتني الرجولة

18/04/2016 - 9:47:25

محمد عطية محمد عطية

بقلم : محمد عطية

ماتت أمى .. فأصبحت أحيا ببعض نفس وبعض روح وبعض عقل.


ماتت أمي .. فمات العالم ، ماتت أمي فمات الناس.


إذا ماتت الأم مات المكان.


كتبت فى عدد عيد الأم عمودا عن أمى مفتخرا بها "أمى اسمها زينب" أهنئها بعيدها وأشكرها على عطائها متمنيا لها الشفاء وقلت «إنني حينما أنحني لأقبل يد أمي وأسكب دموع ضعفي فوق صدرها وأستجدي نظرات الرضا من عينيها، حينها فقط أشعر أنني رجل، فالأم هي من تصنع الرجال» .. واليوم أرثيها.. فسبحان من له الدوام ، و"إنا لله وإنا إليه راجعون".


ماتت أمي فانهدم السقف ، وتمزق الثوب وتعرى الجسد. - ماتت أمي .. وتركت لي الحياة عزاء طويلا ، فلم يعد للحياة معنى ، راح الكائن الذي كنت أملك فيه حق الرحمة، وما عاد لي حق في أحد وسكت الصوت الذي كان يرتل بالتسابيح متكئة على وسادتها تسند ظهرها للعمود - سقط العمود- وفارقت السعادة أسبابها.


لو كنت أملك من عمري شيئا لأعطيت أمي ما يجعلني لا أفارقها ساعة ، هي ابتسامة الزمن وطبيبة نفسي ، وروح روحي ، ماتت المرأة التي علمتني الرجولة. سبحان ربي الذي جعل من قلب الأم دنيا من خلقه هو ، وأسكن فيها معان من سره هو.. يد لا تعرف إلا العطاء ، وقلب لا يعرف إلا الحب والصفح والغفران ، ووجه لا يعرف إلا الإقبال والابتسام.


ماتت أمي .. فلم يعد بعدها قلب يضخ الحب والعفو بلا حساب ، ولا صدر يحتوي فينفث عطر الأمن والأمان بلا مقابل ، ولا وجه يُعرف بإشراق من نور الله.


ملكت مفاتيح نفسي ، فإذا ضحكت .. ضحكت الدنيا بأسرها، وإذا بكت .. بكت الأرض والسماء.


ماتت سر أسراري ، وهداية حيرتي ، وترجمان كياني ، العالم كله على صدر أمي،إذا وضعت فيه رأسي كنت ملكا متوجا ، أمسك بمفاتيح العالم بأسره ، كانت قُبلة الله التي حطت على جبيني فرسمت في وجهي معالم الحياة ، وقِبلتي التي أحمل إليها كل ما يحمله قلبي من سعادة وشقاء ، فماتت القُبلة والقِبلة


ماتت .. فلم تعد الحياة حياة، تساوى العسل بالمر ، والنور بالظلام ، ما عدت أرى شيئاً، أي طعم للحياة بلا أمي ،أين الوجه الذي كنت أقرأ فيه تاريخي وأيام عمري ؟ لقد أدركت اليوم لماذا وضع الله مفتاح الجنة في يد الأم، وجعلها تحت قدميها ، لأن الأم في ذاتها جنة.


أمي.. ما أحوجني إلي دعواتك وإلي لمسة يديك وإلي حضنك الحاني وصوتك العذب.


اللهم بلغ أمي مني السلام ، واجزها عني خيرا ، واجعل عملي الصالح في ميزان حسناتها، واهدها بهدية من عندك ، اللهم قد سلمت لك الروح ، وانقطعت الأسباب إلا سببا موصولا بك، فاللهم أكرم نُزلها ووسع ومدخلها واغسلها بالماء والثلج والبرد، واجمعني بأمي في مستقر رحمتك، في مقعد صدق عند مليك مقتدر.