نسمات نيسان

14/04/2016 - 9:27:10

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

كتبت - إيمان حسن الحفناوي

لم تكن دقات الساعة الرتيبة هي التي تزعجها بل انتفاضات قلبها بين الضلوع، كان ينتفض كطائر يدرك ميعاد ذبحه، لكنه لا يملك أن يوقف مقتله،قضى الأمر وأصبحت لا تستطيع رفضا، بعد ساعات ستكون مع والدتها في رحلة علاج، تأشيرة الزيارة، وتذكرة السفر، وحقيبة تفتح فمها تنتظر من يحشوها ملابس وحزنا، كل شيء لا يفهمها، كل شيء حولها يحثها على الإسراع، ساعات وتنطلق الطائرة تحلق في سماء بعيدة، سيستقبلها المضيفون ويرحبون بها، سترسم ابتسامة كاذبة لترد التحية، سيحتضنها مقعد الطائرة الذي لا يدري شيئا عن عذاباتها، وسيسألونها ماذا تريد أن تأكل، لا يعرفون أنها أصيبت بالتخمة، فكل داخلها يأكل بعضه، هل يؤلمها فراقه إلى هذا الحد؟ أم أن شيئا بداخلها يرتاح لهذا الفراق؟منذ متى تدور في فلكه؟ منذ متى وهي تحيا كزهرة برية ألقت بها الرياح الهوج إلى صحراء تفكيره؟ منذ متى وهي كحلم يتيم يقبع هناك في كهف مهجور من طرقات أحلامه المهملة؟ هل أصبح مصيرها أن تكون ذلك الأمل المعذب الذي أرهقه البحث فعاد مخذولا لا يجد مكانا في حقيبة أمانيه؟


****


 لم يعد يحتمل حرارة الطقس، رأسه يكاد ينفجر، حبات العرق المتساقطة ترهق راحته، ولكن، هل هي فعلا حبات عرق أم أن كل مسام جسده  تنوب عن عينيه وتبكي من أجله؟


****


بعد محادثته وجدت نفسها تكتب هذه الكلمات:"كيف نعود وقد انفصل اسمي عن اسمك في وثيقة تقول أنني كنت زوجتك؟كيف يمكن أن تعيد نفس الماء إلى نفس الأرض بعد أن تبخرت ورحلت؟ كيف يمكن أن تعيد لحظة واحدة مرت وأصبحت ماضي؟ بالله عليك قل لي كيف،لقد نسينا في رحلة طموح أننا حبيبان,اجتمعنا على الحب والكفاح والأمل، وفرقنا النجاح،لا تلمني، فلست أدري كيف اتفق القدر على أن يجمعنا، لكنني أعرف جيدا ماذا فعلنا لننتهي،في أمور كثيرة ياعزيزي قد لا نعرف كيف بدأنا لكننا نعرف دائما كيف كانت النهاية.


****


متمردة يقولون عنها قاسية المشاعر, يرمونها بالكلمات وهي تسير في طريق حياتها بقلب جريح ومشاعر حزينة تواريها خلف قسمات صارمة، يعاملونها وكأنها أسد متوحش يمكن أن يفترسهم في أية لحظة، ويتناسون أن الأسد لا يفترس إلا إذا جاع، كلهم مثلها لكن ما أحلى الأقنعة عندما توضع بإتقان، الفارق بينها وبينهم أنها لا تضع قناعا، لا تخدع نفسها، لهذا يشعرون بضعفهم أمامها مرتين، مرة عندما ارتدوا الأقنعة، ومرة عندما رأوها تعيش بصدق، هذا الصدق الذي لا يستطيعون الوصول إليه، تهز فيهم ثقتهم بأنفسهم، تهز فيهم قوتهم، تتحدى خداعهم  بصدقها ووضوحها لذلك يخافونها، يخلعون عليها أخطاءهم، ولأنهم كلهم يرتدون الأقنعة, فهم يتصورون الصدق قناعا، بأظافرهم يحاولون أن ينهشوا قناعها الذي صوره لهم غباؤهم، لكنها تعرف جيدا أنهم لو فعلوا لحطموا وجهها وصار أشلاء، تبعد أكثر وأكثر، تقذفهم بكل حجارة الأرض، فيتهمونها بالعدوانية!


****


على عتبة نيسان دائما تبدأ الأحلام، زهرات تتفتح، نسمات فجر تصبح أرق، قطرات ندى تتمايل على وريقات الورود،رغم ورغم ورغم، ستظل يا نيسان برعم اندهاشتنا، انتظار ثمرات التوت، عبق الريحان، موعد مسبق مع الياسمين.